|
abdal yousef abdal
|
 |
« في: 23:20 01/03/2006 » |
|
الساعة
استيقظ متثاقلاً على غير عادته صباح ذلك اليوم . فتح بكل هدوء غرفة ابنه النائم طفلاً راودته أحلامٌ ورديةُ و أقمارٌ صيفية الوجنات . اغرورقت عيناه بالدمع حين استقرت نظراته الشاردة على حقائب ولده التي ظل منشغلاً بتحضيرها حتى وقت متأخرٍ من الليل الفائت . سيبقى وحيداً في منزلٍ عاش فيه فصول حياته الرتيبة يوماً بعد يوم , سيبقى ...ليكمل آخر فصلٍ من رواية وحدته التي ظل يكتبها على صفحات أيامه الباهتة محاولاً تسلق ذلك الجدار الفاصل بين الحقيقة و الخيال تارةً , و بين الألم و السعادة تارة أخرى . سريعة كانت السيارة التي حملتهما إلى بوابة المطار .... سريعة كانت في اختطاف لحظاتٍ قصيرة ستجمعهما لتفرق بينهما إلى موعد غير قريب . بنبرةٍ شجيةٍ تناغمت مع دموعٍ صامتةٍ نضحت من سكون عينيه الغائرتين ,قال لابنه مودعاً: إليك وصيتي .... قد يكون هذا لقاءنا الأخير ...إياك أن تفرط بالبيت ذات يوم مهما أجبرتك الظروف , ففيه تسكن ذكريات من أحببناهم . قال كلماته المرتجفة و أدار وجهه باكياً أمام أصداء نداءات باكية طاردت ظلال خطواته الهاربة حين حاول أن يشق لنفسه طريقاً بين حشودٍ تلاطمته زورقاً حائراً مزق إعصارٌ بقايا شراعه الأخير . و كعاملٍ لفظته أمواج عمله صدفةً بحريةً مهملةً على شواطئ التقاعد البغيض , فقد اقتصر نشاطه اليومي على ارتياد المقاهي ولقاء البعض من أصدقائه القدامى لمطالعة جرائد الصباح و الثرثرة في شؤون السياسة و الاقتصاد و التحدث أحياناً عن أيامٍ جميلةٍ مرت و لن تعود . و مع اقتراب الشتاء أصبح منزله القديم عالماً منعزلاً يقضي فيه معظم أوقاته بعد خروجه من المقهى , إلا انه كان يشعر بجمود الأشياء من حوله , حتى مكتبته التي ظل سنيناً طويلةً ينفق أمواله في اقتناء كنوزها أصبحت مقبرة هامدة لكتبٍ عزف عن تقليب صفحاتها منذ سفر ابنه الوحيد. وحدها ساعة الحائط المعلقة هناك منذ زمن بعيد كانت الشيء الوحيد المتحرر من قيود الجمود. وحدها كانت من تؤنس لياليه الموحشة الباردة بدقاتها التي تسللت بهدوء في حياته لتثبت نفسها كقدر محتوم لا مفر منه . وحدها من فرضت نفسها بصمت في أرجاء منزله الكئيب لتجبر كل شيء أن يسير على صوت دقاتها الرتيب ....دقات قلبه , عدد المرات التي يستنشق فيها هواء المنزل الثقيل ,و حتى إيقاع خطواته المهزوزة و هو يتنقل في فراغات بيته الخالي من ضحكات من أحبهم . ذات مساء ربيعي هادئ , وبينما كان مستلقياً في فراشه البارد منذ أعوامٍ مديدة , متأملاً صورة جدارية كانت تضم بين خشبات إطارها ذكريات له و لزوجته الراحلة إلى حيث الراحة التي كان ينشدها في أيامه الأخيرة , منتظراً هاتفاً من ابنه الذي توارت أخباره خلف حدود الأمل المفقود, شعر بتباطئ مفاجئ في دقات الساعة التي واظبت على عملها دون توقف منذ سنين. خلل معين اقتحم سيمفونيتها الوحيدة التي كانت لا تعرف إلا سواها .... لعنة صامتة شلت نواسها المتدلي كأغصان صفصافة على ضفاف نهر يحتضر . صمت جنائزي مطبق حل فجأة في أرجاء المنزل الكئيب .... شيء ظل نابضاً في ضلوعه الهزيلة تباطأ في عمله ايضاً .... شريط من الذكريات الناطقة مر سريعاً على حدود ذاكرته الحية ابدأ , ناثراً هنا و هناك شذرات من حنين ظل يبحث عنه و يتوق إليه. صور مضيئة أشرقت في فضاءات غرفته الخاوية ابداً .... أطيافٌ حبيبةٌ دقت بلور نوافذ روحه المتعطشة للقاء و دعته للرحيل إلى حيث يسكنون ...حملته على غيمات شاردة من محبة لا تعرف الأفول و طارت به فوق سهول خضراء من الأمل إلى حيث يكون الخلود و اختارت له بيتاً هناك بين البيوت . رن الجهاز الأخرس كثيراً فوق تلك ا لطاولة التي احتضنت نظارة قديمة و جريدة و مزهرية بورود داهمها الذبول . رن كثيراً ذلك الجهاز الذي كان يحمل البشارة المرجوة من خلف البحار , صمت أخيراً لتعلن الذكرى نهاية الطريق . م . أبدل أبدل
|
|
|
|
|
|
fahed kivarkis isaac
|
 |
« رد #1 في: 01:08 02/03/2006 » |
|
أبــدل....... وحــدها تلك الساعة القديمة لا زالت تقتلني كل يومٍ ألف مرّة بأنين نواسها الهرِم . وحــدها تلك الساعة ظلّت صامدة تحرس البيت .هي و بقايا ذكــريات ... اللوحـــة مكتملة ....لوحة تضمّ كل أفراد الأســــرة تبحث في ضمير السفر في أنين الغربة عن سؤالٍ تشتاق للإجابة عليه ملايين العيون...........متى العـــــــودة ؟
دموعي كانت كافية لأصنع منها قنطاراً لروحي عند قراءتي لقصتك.....عظيمٌ أنت يا أبدل .آهٍ كم اشتقت إليك.
فهـــــــــــد إسحـــــــــق- كنـــــــــدا
|
|
|
|
|
|
GlSHRA
|
 |
« رد #2 في: 11:59 02/03/2006 » |
|
عزيزي أبدل أخشى ألا تكف حركة النواس من الحراك لأن اللحظة ستكون الأخيرة ولن يعد هناك انسان بعد
سيصغي الى أحاديثي التي لا تغاير واقع الروايات الأدبية أبدا ، بل تستحق أن تكون مؤلفات لمؤلفين .
رغم التأرجح الذي تتسم به حركة النواس فهي تشبه حياة البيئة التي أعيش .
ابرة أخرة من يداك أخي أبدل نشطت لدي حاسة الذكرى .
|
|
|
|
|
|
Aboud Esho Isaac
|
 |
« رد #3 في: 15:01 02/03/2006 » |
|
العزيز برشي
الخوف يكمن في انتهاء بطارية الجهاز و عدم قدرته على تكملة رنينه .. ماذا سيحل بنا عندما سيغضب المحيط و يثور علينا لايقاظنا ؟ مع احترامي ..
عبود
|
|
|
|
|
|
ghada
زائر
|
 |
« رد #4 في: 18:40 02/03/2006 » |
|
الأخ ابدل،
لست أدرى أي حورية تزوج قلمك فسال لعاب الألم بدون تعب حين قبلها شريكة لروحه!
ثمة زفير مصحوب ياليأس خرج في الآخر يرقص في رنين الذكرى
و ثمة لقمة بقيت عالقة في بلعوم الزمن..........من سيلفظها أولا؟
ضاع الدواء ...وانتشر الوباء...نسيان متواصل....و البيت بقى يتنظر حضورا حيا لا عبر السلكي و اللاسكي..و لا عبر شبكات الهواء ....بل ينتظر عودة جماعية لنسور متفرقة.
ولك مني خيط من الصبر لتدخله في إبرة الآه عل الذاكرة تنسج ثوب العودة.
تحياتي،
غاده
|
|
|
|
|
|
abdal yousef abdal
|
 |
« رد #5 في: 23:24 02/03/2006 » |
|
أخي القريب دائما من نوافذ القلب الحزين ...فهد
ها انت تضع اصبع الحقيقة على موضع الألم هي حقاً قصة مهداة لكل القلوب و العيون التي ما زالت تنتطر يوم العودة المنشود شكرا لمرورك على خربشاتي اخوك أبدل
|
|
|
|
|
|
نضال كابريال
|
 |
« رد #6 في: 03:28 03/03/2006 » |
|
أبدل يا رفيق الأمس وأخ المستقبل:
الشيء الوحيد الذي انتابني وأنا أتنقل بين صورة وأخرى مما خطته أناملك الجميلة،هو إنني عشت تلك اللحظات بتفاصيلها الدقيقة،فتارة كنت ذلك الأب و تارة أخرى كنت الابن،وبين التارتين كان يقتلني ذلك الصوت القادم من بعيد من شواطئ الغربة (الساعة). فتذكرت صور قديمة حاضرة،وجلست ساعات وساعات في غرفتي الصغيرة التي غزتها أعقاب السجائر وأعواد الكبريت المتناثرة في كل مكان،وأنا أستأنس بتكات الساعة التي ما زالت هناك، منتظرا عودة أحدهم من وراء البحار أو من أرض الوطن.
نضال كابريال
|
|
|
|
|
|
adnan shabo
|
 |
« رد #7 في: 11:23 04/03/2006 » |
|
العزيز أبدل:
اعتليت قمة العطاء وفردت جناحيك العظيمين فانتشى قلمك ملغياً كل الهوامش موقفاً عقارب الساعات............ كلاكما أنت وقلمك مبعث الدفء والحنان يا من رسمت على خابورنا الجريح فجراً جديداً وأغدقت علينا من نتاج همتك العالية الكثير........ الكثير من ظلمة العمر انتشلت خافقي... .من صولة الإعياء والآلام..... يا من يرقد الأمل في عينيه... وينبع الخابور من يديه ........ ستبقى نخلة تسمو شموخاً................ ومشعلاً لا ينطفئ أبداً...............
عدنان شابو
|
|
|
|
|
|
abdal yousef abdal
|
 |
« رد #8 في: 11:42 04/03/2006 » |
|
أخي الذي لم أتعرف عليه بعد كشرا .... تصمم دائما أن تكون ذلك الجسر الذي يصلنا مابين الحقيقة و الخيال , و ما بين السعادة و الألم الثمين قصتي مهداة لكم أنتم يا من تسكنون خلف البحار عودوا قبل أن يتوقف نواس ايامنا شوقا لكم أخوك أبدل
|
|
|
|
|
|
abdal yousef abdal
|
 |
« رد #9 في: 11:47 04/03/2006 » |
|
برشي العزيز عبود .... المحيطات ستبقى هي هي ... ذلك الفاصل الجغرافي الذي يفصل بيننا المهم أن تزول كل الحدود الروحية بيننا المهم أن تكتبوا دائما عن الوطن و الحب و الحرية المهم أن نكون أو لا نكون شكرا لكلماتك البلسم أخوك أبدل
|
|
|
|
|
Samuel Somo
عضو جديد
غير متصل
رسائل: 3
|
 |
« رد #10 في: 06:10 05/03/2006 » |
|
الاخ ابدل منذ سنوات وكتابنا في اوطاننا الاصلية يكتبون عن الهجرة قصصا واشعارا حزينة بقصد حفز المهاجرين على العودة. من المؤسف ان هذه الدعوات الادبية للعودة حققت فشلا ذريعا في اعادة ولو شخصا واحدا. الا ترى معي ان الامر يحتاج الى دراسة علمية ان حقا اردنا حل هذه المشكلة. ارجوا ان تحسن فهم قصدي، قصتك القصيرة جميلة ومعبرة ولكن لن تعيد احدا لمجرد اثارتها عواطف الحزن العميق.
|
|
|
|
|
|
Joseph Kanon
|
 |
« رد #11 في: 15:24 06/03/2006 » |
|
عزيزي أبدل آه كم أنا مشتاق الى تلك القرى الهادئة والتي لا تغيب عن ذاكرتي أبدا ... وشوقي يزيد يوما بعد يوم الى أهاليها الطيبن ، كم من مرات حين تغيب الشمس في فصل الصيف أفتقد صيد السمك وعلى ضفاف نهر الخابور تحت أشجار الصفصاف والزيزفون هناك كنت أقضي ساعات طويلة لوحدي ، وغالبا ماكنت أعود في المساء خالي اليدين لكن السعادة كانت تغمر كياني وكنت أشعر بارتياح نفسي قلما نحس به في هذه الأيام ونحن في غربتنا . ودائما اسلوبك الرائع يحفز قلمي الأخرس والكسول ليخط بعض الكلمات والتي قد تكون بلا معنى ، فالمعذرة . دائما أترقب كتاباتك الرائعة والتي تحمل في طياتها نسائم من الوطن والذي افتقدته لسنوات طويلة .... أخوك جوزيف كانون كنـــــــــــــدا
|
|
|
|
|
|
abdal yousef abdal
|
 |
« رد #12 في: 20:50 06/03/2006 » |
|
الأخت غادة الرائعة ... اقف مندهشاً أمام كلماتك التي تحيرني بجمالها و دفئها ... من أين استحضرت كل هذه الأرواح الرقيقة في حروفك اشكرك كثيراً على مرورك على كلماتي أخوك أبدل
|
|
|
|
|
|
abdal yousef abdal
|
 |
« رد #13 في: 21:25 06/03/2006 » |
|
الأخ صموئيل صومو... شكرا لمرورك على مساهمتي و شكرا لكلماتك الجميلة نحاول دائما في كتاباتنا نحن كتاب الأوطان الأصلية أن نوقظ الحنين في القلوب التائقة ليوم تعفر وجوهها بتراب الوطن و هذا أضعف الإيمان قد لا يعود أحد بالجسد ... قد لا يترك احد نعيم الغربة الواهي ... و لكن قد يستيقظ ذلك الشعور النائم في القلوب المنهكة شكرا لوجهة نظرك التي أحترمها جدا و اما موضوع الدراسات العلمية الكفيلة باعادة المهاجرين فعلينا أن نفكر حقا بها قبل فوات الأوان أخوك المحب ابدل
|
|
|
|
|
|
abdal yousef abdal
|
 |
« رد #14 في: 07:31 10/03/2006 » |
|
الأخ العزيز المهندس عدنان كلماتك قيد ثقيل من المسؤولية على كتاباتي انا خادم أمين لأمتي و شعبي تنحني كل حروفي أمام عظمتكم انتم شكرا لمرورك على بداياتي المتواضعة أخوك المحب ابدل
|
|
|
|
|
|
abdal yousef abdal
|
 |
« رد #15 في: 14:42 16/03/2006 » |
|
معلمي الفاضل جوزيف كانون
أخبرتني نسمة خابورية دافئة صباح اليوم عن اشتياق الأشجار النائمة هناك على الضفة الشامخة فوق الخابور اشتاقت الدروب المنارة الضيقة إليك و غلى سماع اخبارك تخاف الأشجار الصديقة ان تموت عطشا قبل ان تراك من جديد اضم صوتي لصوتها و ندعوك للمجيئ شكرا لمرورك على مساهمتي الحزينة أخوك ابدل
|
|
|
|
|
Leila Gorguis
اداري
عضو فعال جدا
غير متصل
رسائل: 869
لبنان .. قلبي !!
|
 |
« رد #16 في: 00:07 17/03/2006 » |
|
الأخ العزيز أبدل،
ذكرتني في هذا السرد بالكاتب الفرنسي شاتوبريان حين يصف في إحدى نصوصه رتابةَ خطوات أبيه القاسي المتزامنة مع دقات ساعة كبيرة معلقة على الحائط.
في نصك سباق بين الزمن وعاطفة أبٍ صابر ومنتظر يخشى مرور الساعات على محطاته الأخيرة وله في الغربة أمل مفقود... أما السباق في نص شاتوبريان فهو خوف ثقيل يسقط كالهم في كل مساء على طفلٍ يتمنى في كل ليلة ان تصمت دقات الساعة كي تتوقف خطوات أبيه المتزمت في منزل ملبد بغيوم الحزن...
وما أكثر سباقاتنا في هذا العصر .. مع المرض، مع الموت، مع توقيت الأحداث أحياناً، مع الزمن وعمره الطويل والقصير للبعض منا ...
هو نص جميل وعميق جداً في عِبرهِ ...
شكرا لك.. ولك مني أجمل التحيات و "تكات ساعة" مديدة في عالم الكلمة...
ليلى كوركيس
|
|
|
|
|