الجعفري..
تصريف اعمال..ام تصفية اعمال؟
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.comهذه المرة، القضية ليست قضية خلاف في الرأي بين مَن يبدي وجهة نظر في شأن سياسي وبين من يعارضه في ذلك، ولا موجب إذن للوصفة الساذجة التي تقول "الخلاف لا يفسد للود قضية" فان زيارة رئيس الوزراء المنتهية ولايته الدكتور ابراهيم الجعفري الى تركيا لم تطرح نفسها كرأي للمناقشة، ولم يدخل الاعتراض عليها من قبل رئاسة الجمهورية في باب الخلافات في الرأي، وذلك بعد ان كشفت هذه الزيارة، بتوقيتها ومضمونها عن "منهج" خطير وخطِر في سبل ادارة مرحلة تصريف الاعمال والتعامل مع الازمة السياسية في العراق..منهج له الكثير من المقدمات والتجاذبات والعلائم.
فالذين كانو يعتقدون بان الدكتور الجعفري سيكرس جهده، في مرحلة تصريف الاعمال والتحضير لتشكيل حكومة جديدة، على تعديل منسوب الثقة في قدرته وفي نياته، بعد ان خرج من انتخابات قائمة الائتلاف بفارق صوت واحد، وبكفالة هشة من التأييد في معسكر القائمة، عدا عن رصيده الذي لا يزيد عن الصفر في المعسكرات السياسية المشاركة في العملية السياسية في العراق.
اقول: ان اولئك الذين كانوا يعتقدون بان السيد الجعفري سيعتمد نهجا جديدا من شأنه تعزيز الثقة المتداعية في دوره اصيبوا بخيبة امل فاجعة منذ ان طرحت قضية تشكيل حكومة وحدة وطنية مسبوقة بتسريبات عن خطوط حمر حول جهات سياسية ممنوع مشاركتها في الترتيبات الحكومية المقبلة، إذْ سرعان ما اتضح ان طاقم المرشح لرئاسة الوزراء وحلفائه يقفون وراء حشر الخطوط الحمر في كواليس البحث عن مخرج للازمة السياسية، ولم يقلل من شأن هذه المعلومات نفي الدكتور الجعفري، فيما بعد، وجود هذه الخطوط، فقد عرف الجميع ان هذا النفي هو من بعض الادوات اللغوية الاستهلاكية التي زخر بها خطاب الوزارة الجعفرية الاولى، ومن فنون السيد الجعفري في قول الشيء ونقيضه حين لا يجد مفرا من القول، أو فراراً من الحرج.
على ان زيارة تركيا، إذْ تخطى الدكتور الجعفري عِلم وموافقة رئاسة الدولة، او التنسيق معها، وتجاوزَ قواعد ادارة الدولة في مرحلة تصريف الاعمال، واستبعد المرجعية التنفيذية ذات الصلة بالعلاقات الدبلوماسية الممثلة بوزارة الخارجية، وكذلك، بالتركيبة و"اللفلفة" والطريقة التي تمت بها، تكشف، لكل ذي بصيرة، عن الاصرار على اعادة انتاج منهج الدكتور الجعفري للمرحلة الانتقالية السابقة الذي جر البلاد الى نفق ودوامات سياسية وامنية وطائفية فاجعة، كما تكشف عن تجاهل مقصود للتغييرات الجوهرية التي جرت على تناسب القوى في الهيئة البرلمانية وعلى خارطة المشاركة في العملية السياسية، الامر الذي اصبح واضحا حتى لمجموعات وشخصيات ومراجع في القائمة الائتلافية.
وقد يتساءل المراقب، عن حق: لماذا يطرق السيد رئيس الوزراء هذا السبيل الذي يعرف، ابسط سياسي، انه يضيف الى المشهد السياسي العراقي المعقد، اصلا، تعقيدات جديدة؟ ولماذا يعبر ينأى -في هذا الوقت بالذات- عن المواجهة مع الارهاب البربري لجهة تحريك ملفات اقليمية ساكنة وحساسة في ظروف محلية شديدة الحساسية ؟ ولماذا هذا الهروب الى الامام في ما يتعلق بجهود اقامة حكومة وحدة وطنية تنهض بشروط تطبيع الاوضاع؟.
المحللون يذهبون الى الاجابة على هذه الاسئلة المركبة بالقول ان الجعفري يعمل على تحويل طبيعة وصفة وظيفته من تصريف الاعمال الى تصريف الحسابات، ويستندون، في ذلك الى مؤشرات كثيرة عدا عن آراء من داخل قائمة الائتلاف، ويلاحظون، عن صواب، بان الدكتور الجعفري يخضع الى املاءات تيار سياسي - ضمن معسكر الائتلاف- هو التيار الصدري صاحب الفضل في حسم ترشيحه الى رئاسة الوزراء، ويستطردون القول، انه اذا ما مضى الدكتور الجعفري في هذا "المنهج" من دون احتساب كاف لردود الافعال فانه قد يجد ابوابا موصدة في مهمته، وربما في تكليفه بتشكيل حكومة دائمة، وقد يغترب، حتى، عن جسم الائتلاف، وقد تتجاوز بعض الانتقادات التي نسمعها هنا وهناك من زملاء له حدود الهمس.
لكن-في جميع الاحوال- فان المسؤولية تقتضي بان نضع علامة سؤال كبيرة، وحريصة، وناصحة، ازاء ما تؤول اليه مثل هذه السياسة، وما ينتهي اليه هذا المنهج.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
..وكلام مفيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
"التاريخ تفاريق، وليس كتلة".
ادونيس [/b][/size][/font]