لماذا يحث اللاجئين للعودة إلى العراق ؟
القنصل العراقي في اسطنبول يرد على ذلك.. وأسئلة أخرى
ريان نكَارا / عنكاوا كوم _ اسطنبول إنه أحد الأماكن المدهشة التي يراها السائح على امتداد ضفتي مضيق البسفور، رغم مبناه الصغير ومساحتهِ المتواضعة، وبعده عن مركز المدينة إلا أن روعة المشهد تدعوك للبهجة والمتعة، هذا هو مبنى القنصلية العراقية العامة في اسطنبول..
داخل القنصلية كان هناك عدد من المراجعين من أبناء الجالية العراقية الذين كانوا يتلقون الترحاب من قبل موظفي القنصلية (هذا ما لاحظتهُ) وبعد حين استقبلنا السيد (صلاح عبد السلام) القنصل العراقي العام في اسطنبول بترحاب حار وروح فرحة، وباشر الحديث حال جلوسنا مبيناً أهمية الأعلام الحر، والمسؤولية الملقاة على عاتقهِ، وسرد لنا بعضاً من القصص الكثيرة لعراقيين يعانون التشرد والبؤس، وينتظرون المجهول.. شاركنا الحديث السيد عمانوئيل تومي مسؤول الشؤون الاعلامية والثقافية في القنصلية.. ثم بدأنا نسأل القنصل عن ما جئنا إليه من تساؤلاتٍ واستفساراتٍ.. هكذا أجاب عنها ..
سيادة القنصل .. مرحبا بكم .. سمعنا مؤخراً أنكم قمتم بلقاء جمهرة من أبناء الجالية العراقية في اسطنبول وتحدثتم إليهم في كنيسة مار أنطوان عن ضرورة العودة إلى الوطن وعدم ترك العراق.. لماذا
هذا التوجه من قبل سيادتكم وفي هذا الوقت تحديداً؟_ أهلاً وسهلاً بكم.. حقيقة، لقد دأبنا ومنذ إعادة افتتاح القنصلية العامة رسمياً في اسطنبول عام 2006 على تجسير العلاقة بأبناء الجالية العراقية وبمختلف طوائفهم، وعملنا منذ البداية على حث أبناء الجالية للعودة إلى أرض الوطن، وعقدنا لهذا الخصوص عدة لقاءات داخل مبنى القنصلية جمعنا فيها نخبة من أبناء الجالية مع عدد من السادة المسؤولين، وشكلنا لجنة داخل القنصلية لمتابعة قضية عودة اللاجئين، ولقاءنا الذي نوهت إليه بأبناء الجالية في كنيسة القديس أنطوان كان آخرها، حيث التقينا يوم 26/4/2009 وأردناه أن يكون يوم الأحد لتواجد أكبر عدد من أبناء الجالية من المسيحيين الحاضرين لسماع القداس، وأردناه أن يكون في هذا المكان المقدس ليضفي ببركته أجواءاً خاصة على اللقاء، وبالتنسيق مع الأب الفاضل فرانسوا استطعنا أن نلتقي بجمهرة من أبناء الجالية العراقية من المسيحيين، وتحدثنا وإياه عن ضرورة العودة إلى الوطن، وبيّنا مدى أهمية تواجد العراقيين داخل العراق، والعمل من أجل بناء عراق ديمقراطي تعددي، وتحدثت أيضاً عن آلية العودة وعن الامتيازات والمساعدات التي تقدمها الحكومة العراقية للاجئين العائدين إلى أرض الوطن، لاسيما بعد نجاح تطبيق عملية فرض القانون التي أطلقها سيادة رئيس الوزراء وعودة الحياة تدريجياً إلى طبيعتها.. إن دافعي الأكبر لحث اللاجئين للعودة هو مشاهداتي العينية لأحوال اللاجئين العراقيين أثناء زياراتي التفقدية لهم، لقد رأيت ما يدمي العين ويحز النفس، رأيت ابن العراق البار يعيش في أكواخٍ هالكة ويعيش الكثير منهم في ظروفٍ اقتصادية وصحية سيئة، وهناك من لديهم الخبرات العلمية التي يفتقدها تباعاً العراق، إن هذه المشاهدات دعتني لحث أبناء العراق للعودة إلى وطنهم الكبير، وأنا أؤمن أن العراق لا يمكن أن يكون عراقاً إذ ما أفتقد طيفاً من أطيافه المتعددة الجميلة..
في حال قرر أحد اللاجئين العودة إلى العراق، كيف تتعاملون معه، وما هي الامتيازات والمساعدات التي تقدمها الحكومة العراقية له؟_ بالتأكيد نحن نرحب ونشجع كل من يريد العودة إلى أرض الوطن، ويمكنه مراجعة القنصلية أو السفارة لغرض إطلاعه على الإجراءات القانونية، أما الامتيازات والمساعدات التي يحظى بها، فهي تنقسم إلى فئتين :
الأولى : العراقيون اللاجئون قبل سقوط النظام السابق، ويحظون بـ
1- شمولهم بقطع أراضي بالتنسيق مع وزارة البلديات والأشغال العامة.
2- تسهيل عملية منحهم القروض الميسرة بالتنسيق مع وزارة العمل.
3- تسهيل عملية عودتهم إلى وظائفهم السابقة إن كان اللاجئ موظف في إحدى دوائر الدولة.
4- تقديم المساعدات الغذائية من وزارة المهجرين والمهاجرين بالتنسيق مع المنظمات الدولية والمحلية والإنسانية.
5- المساعدة على إعادة أملاك اللاجئ العائد إذا كانت مُصادرة أو مغتصبة بالتنسيق مع الجهات المختصة.
6- فتح ملفات للاجئين العائدين في فروع وزارة المهجرين والمهاجرين لغرض تثبيت حقوقهم.
الثانية : (وصلنا هذا التعديل بعد نشر المقال) أما في يتعلق بالمواطنين الذين غادروا العراق بعد عام 2003 عند عودتهم بإمكانهم مراجعة وزارة الهجرة والمهجرين وبعد تسجيل أسمائهم يتسلمون الإعانات المادية وتسهيل إعادتهم إلى وظائفهم والى مقاعد الدراسة بالنسبة إلى الطلبة.
لننتقل إلى إشكالية الأوراق الرسمية، هناك العديد من أبناء الجالية العراقية واللاجئون منهم تحديداً لديهم مشاكل في أوراقهم الرسمية نتيجة أخطاء أو نقوصات في أوراقهم الثبوتية، تنسب في كثيرٍ من الأحيان إلى أخطاء ارتكبوها موظفو الدولة حال تثبيتهم للمعلومات، ما هي الحلول التي يمكنكم أن تقدموها؟ _ في الحقيقة المشكلة ليست بهذا الشكل، بل هناك غموض كبير لدى عدد من الأشخاص تجاه هذه المسألة، وفي كثير من الأحيان لا تكون هناك إشكالية في الأوراق الرسمية بل هناك العديد من المواطنين الذين ليس بحوزتهم أوراقاً رسمية، في مثل هذه الحالات نتعامل مع البدائل، ونجري الاتصالات سواءا مع اجهزة الدولة او مع عوائلهم للتأكد من صحة وثائقهم وتزويدنا عن طريق البريد الالكتروني والفاكس، وعند التأكد ننجز تلك المعاملات.. ونحن بدورنا في القنصلية نعمل كل ما بوسعنا من اجل خدمة المواطن وتسهيل أمره ضمن نطاق عملنا القانوني...
هل لديكم إحصاءات يمكن الاعتماد عليها في ما يخص الجالية العراقية في تركيا؟ _ في انتخابات 2005 كان عدد المسجلين بحدود 3500 شخص، ثم أرتفع هذا الرقم في الأعوام التالية، ونحن نعلم جيداً أن العدد الحقيقي أكثر بكثير من ذلك، ولكن في حقيقة الأمر لا يمكننا أبداً حصر أعداد الجالية العراقية في تركيا بشكلٍ دقيق، وذلك لأسباب أهمها، عدم تسجيل المواطنين العراقيين القادمين إلى تركيا في السفارة والقنصليات، وذلك يعود لافتقار المواطن العراقي للثقافة الكافية التي تقوده للتسجيل في السفارة أو القنصليات، فلا يدرك أهمية التسجيل هذه وكيف يمكننا هنا أن ندافع عن حقوقه ونزوده بالمعلومات التي تسهل عليه الكثير من الأمور، ثم أن هناك عدد لا يستهان به من المقيمين بشكلٍ غير أصولي لا نمتلك اية معلوماتٍ عنهم، أضف إلى ذلك أعداد السياح والتجار الذين هم في حالة حركة مستمرة، لذا لا يمكننا حصر هذه الأعداد..
رغم أنك لا تحبذ التطرق إلى المواضيع السياسية، كما أفصحت لنا، إلا أنني أسألك عن طبيعة القنوات الدبلوماسية بين الجارين تركيا والعراق؟_ باختصار، أن العلاقات الدولية بين العراق وتركيا وعلى كافة الأصعدة تسير بالاتجاه الصحيح، وهناك تعاون كبير وجيد وبشكل فعال بين البلدين الجارين، ومن ناحيتنا كقنصلية تربطنا علاقات مميزة مع الحكومة التركية وهم بدورهم يقدمون لنا كافة التسهيلات وأشكال التعاون لتنفيذ أعمالنا في اسطنبول وبقية المدن التركية.
شكرا سيادة القنصل على هذا اللقاء الممتع.._ شكراً جزيلاً لكم.. وأتمنى كل التوفيق والنجاح في عملكم الصحافي، كما وأتمنى لموقعكم الموقر أن يكون صرحاً إعلامياً عامراً..

ربما أجاب سيادة القنصل وفند وجهة نظر الحكومة العراقية، وهذا أمرٌ طبيعي، ولكن قد يقودنا هذا الحديث إلى بعض التساؤلات..أولها هل ما زال المواطن العراقي يهاب الدوائر الحكومية وإن كانت خارج بلادهِ..؟ فأحداث الاغتيالات وملاحقة العراقيين داخل وخارج عراقهم وتورط العديد من السفارات والقنصليات العراقية بهذه الأحداث، جلبت لها السمعة السيئة أبان حكم النظام السابق، وربما كانت هذه القنصلية تحمل آثار جريمة ارتكبت بحق أبناء الجالية التركمانية عام 1991، إنه ثقلٌ إضافي على كاهل السادة السفراء والقناصل لتبديد كل تلك المخاوف التي يحملها المواطن العراقي المغترب، وإعادة الثقة بين الطرفين، وتبين لي أن قنصليتنا في أسطنبول تحاول أن تعطي انطباعاً طيباً عن النوايا الحسنة التي تحملها الحكومة العراقية تجاه مواطنيها.. ولكن يبقى الحذرُ فاعلاً في نفوس العراقيين.. وهناك من يتساءل أيضاً إن كانت أحواله أفضل في مدينةٍ أجبر على تركها وهُجر وعبث المجرمون في أملاكهِ وتشرد بين حيٍّ وحيٍّ ومدينة ومدينة، من حالة التشرد التي يعيشها هنا على أمل العيش في بلدٍ يحترمه.. وبين الإدعاء والتبرير يبقى العراق بلد العراقيين جميعاً ونحمل أسمه أينما رست بنا السفنُ.. ويبقى حلم العودة إلى وطنٍ يعشق الحياة.. وطنٌ أرسى فيه السلام حقبةَ.. وطنٌ دون ضجة.. إنه حلمٌ يداعبُ كل عراقي على هذه البسيطة..