مناطق شعبنا في بغداد:
كمب الكيلاني " كمب الأرمن " ذكريات على حافة النسيان
عنكاوا كوم – بغداد - فادي كمال يوسف يبدو اننا بدأنا نفقد تواجدنا في بغداد شيئاً فشيئاً , ويتحول حضورنا الى مجرد حكايات قديمة , تمر الايام و ننسى الكثير منها , بفعل قسوة الزمن، وتراكم السنوات التي طالما حولت الحاضر السعيد الى ماض نستمع اليه عندما نرسمه صوراً في لوحة الذكريات. فهل اصبحت أحياؤنا البغدادية والتي كانت الى فترة ليست ببعيدة عامرة بأبناء شعبنا الكلداني الأشوري السرياني خاوية الان من أبنائها؟؟
منطقة كمب الكيلاني تعتبر من أولى مناطقنا المسيحية التي توجه اليها ابناء شعبنا بعد نزوحهم من شمال الوطن. المنطقة الصغيرة سكنها المسيحييون بالكامل، ونسبتهم فيها جاوزت الـ 90% من مختلف الطوائف، الأثوريين، النساطرة، الكلدان الكاثوليك، والروم الأرثوذكس، وغيرهم من مكونات هذا الشعب العريق .
كمب الكيلاني يمثل أحد احياء وسط المدينة المزدحم، يحده من الشمال الخط السريع محمد القاسم ومن الجنوب منطقة الباب الشرقي، ومن الشرق شارع النضال أما من الغرب فمنطقة الشيخ عمر .
لكن يبدو أن المنطقة بدأت تتحول شيئأً فشيأ من منطقة سكنية الى مجمع صناعي، فانتشار المحلات ذات الطابع الصناعي وتحول الكثير من منازلها الى مخازن أو معامل أصبح ظاهرا بشكل لم يعد خافيا، ولكن هل يتحول الكمب الى متحف لتراث شعب عريق؟
المنطقة تحتضن خمس كنائس وهي :
• كنيسة مريم الطاهرة الكلدانية .
• كنيسة مار اندراوس للروم الارثوذكس .
• كنيسة مار قرداغ , كنيسة المشرق الاشورية
• كنيسة مار كورا , كنيسة المشرق الاشورية
• مصلى للأرمن الارثوذكس .
"عنكاوا كوم" التقت الاب صلاح خدور، خوري كنيسة العائلة المقدسة، البتاوين، وكنيسة مريم الطاهرة، كمب الكيلاني ,الذي حدثنا عن كنيسة مريم الطاهرة قائلا : " كنيسة مريم الطاهرة الكلدانية تاسست عام 1920 حسب ما مثبت في سجلات العماذ . كان عدد المؤمنين يتراوح بين 600 الى 800 عائلة في حينه من الكلدان فقط . نزحوا من الشمال في العام 1920 بشكل بسيط.
كان هناك 97 عائلة عام 1998 عندما استلمت الكنيسة , اغلب العوائل هم من الطبقة الفقيرة و المتوسطة، كانت لدينا العديد من النشاطات في الكنيسة واهمها التعليم المسيحي , والتثقيف الديني لمختلف المراحل ابتداءً من الروضة و حتى المرحلة الجامعية . و شهدت هذة الفترة تطورا ملحوظا للتعليم فكنا نستقبل في كل جمعة اكثر من 150 طفل ابتدائية رغم ضيق المكان , و اكثر من 30 شاب و شابة في مراحل المتوسطة و الاعدادية" .
ويضيف الأب خدور: " كما بدأنا و منذ عام 1999 باقامة مهرجان الكنيسة والذي يستمر لثلاثة أيام تسبق الاحتفال بتذكار الكنيسة في 8 كانون الأول من كل عام عيد مريم العذراء المحبول بها بلا دنس، وكان لكل مرحلة من مراحل التعليم المسيحي فعالية من مسرحيات و تراتيل و غيرها، و لكن هذا التقليد توقف بعد 2003 ، وكانت المهرجانات تشهد زيارة مثلث الرحمات البطريرك مار روفائيل الاول بيداويد كما زار سيادة السفير البابوي فرناندو فيلوني الكنيسة في 8 \ 12 \ 2003 و اشاد بالمؤمنين، وهمتهم وتلاحمهم مع ابيهم الكاهن" .
• الكهنة الذين خدموا فيها : 1. الاب شمعون يوسف . 1921 - 1923
2. الاب عوديشوع بولص . 1922 - 1945
3. الاب سهدا يونان . 1932 - 1953
4. الخوري يوسف تمو الكرمليسي . 1954 - 1968 , توفي في تموز 1968 .
5. القس هرمز جعدان . 1969 – 1971 .
6. القس اسحق بطرس البيداري . 1971 – 1981
7. الأب جبرائيل شمامي . 1981 – 1991 , نقل بعدها الى كنيسة مار يوسف شفيع العمال \ نفق الشرطة , حاليا في امريكا , تم ترميم و تاهيل الكنيسة في عهدة .
8. القس قرياقوس الراهب ,1991 – 1994 .
9. الاب عامر بطرس .
10 . الأب نضير دكو استلمها اداريا فقط .
11. الاب صلاح هادي خدور . 1998 و الى يومنا هذا .
تم في عام 2003 وعلى اثر سقوط الكنيسة لقدمها اعادة بنائها و تاهيلها ,لكن تضائل عدد العوائل المسيحية في منطقة كمب الكيلاني \ الارمن , لعدة اسباب اولها الهجرة فالكثير من ابناء شعبنا اتخذ الهجرة سبيلا له بحثا عن حياة افضل في بلاد الاغتراب , ,في عام 1980 بدات تتحول المنطقة الى منطقة صناعية و تجارية مما جعل ساكنيها يتركون المنطقة و الانتقال الى مناطق اخرى من بغداد , كنعيرية و كيارة , الامين الاولى و الثانية , المشتل , الغدير و غيرها من مناطق بغداد .
حاليا يسكن في منطقة كمب الارمن 7 عوائل كلدان و لا يوجد نشاطات سوى اقامة القداس الالهي اسبوعيا و في المناسبات .
تجولنا بين شوراع الكمب و ازقته , والتي ميزها الاهمال و عدم الأهتمام بابسط الخدمات فيها.
حدثنا الشاب
شمعون اريميا شمعون " 23 عاما " قائلاً : "اغلب المسيحيين خرجوا من المنطقة فاما باعوا بيوتهم , و اما قامو بعرضها للايجار , فحولت اغلبها الى محلات لتصليح السيارات او مخازن , و هذا ما اثر بالتاكيد بشكل سلبي , و حولت تدريجياً الى منطقة صناعية فاخذت تصبح المحلات اكثر من البيوت , وكما تعلم فأن المناطق السكنية في بغداد تكون بعيدة عن المناطق الصناعية و التجارية لكثير من الاسباب , و هذا سبب رئيسي لخروج اغلب العوائل منها .
وكذلك هاجرت اغلب العوائل بسبب الحرب الأخيرة , لا يوجد الكثير من الشباب بالمنطقة , و نحن ككنيسة المشرق الأشورية هناك حوالي 80 عائلة فقط" .
اما عن تسميتها فيحدثنا الاب صلاح قائلا بأن اسم المنطقة بالاساس هو " كمب الارمن " لان المنطقة سكنها الارمن في بداياتها و بكثافة ,حيث كانت مركزا من مراكز الارمن في بغداد , الا ان تسميتها الرسمية لدى الحكومة هو " كمب الكيلاني " .
انتقل بعدها اغلب الارمن الى منطقة " كمب سارة " و التي اصبحت فيما بعد مركزهم الرئيسي في بغداد .
اما السيد زيا عمانؤيل يوخنا 47 عاما وهو كاسب فيحدثنا عن كنيسة مار قرداغ الشهيد التابعة لكنيسة المشرق الأشورية " قائلا: " تأسست الكنيسة عام 1949 وهناك لوحة تعريف وجدت أثناء اعمال التعمير الجارية الآن تشير الى سنة التاسيس. اليوم يوجد في المنطقة 110 عوائل مسيحية بينها 80 عائلة اشورية .
اما الكهنة الذين خدموا فيها هم :
1. القس بولص و الذي بنيت الكنيسة على عهدة .
2. القس كورئيل .
3. القس ابراهيم
4. القس توما القس ابراهيم " اليوم هو في سوريا "
5. والآن يخدمها القس شموئيل .
ويضيف : " اليوم و كما ترى هناك اعمار شامل لكنيسة ما قرداغ , تقوم به الحكومة العراقية بواسطة ديوان اوقاف المسيحيين و الديانات الاخرى , و نحن نشكر هذة الالتفاتة من الحكومة العراقية , ولكن ما يُعاب على عمل الديوان هو البطئ الشديد، فاعمال الصيانة بدأت منذ سنة كاملة و لحد الان لم يكتمل العمل , رغم ان الكنيسة صغيرة و ليست بالحجم الكبير.
ووجه نداءا من خلال " عنكاوا كوم " الى المسؤولين في الديوان، يدعوهم الى الأسراع بالعمل " لكي نفتتح كنيستنا العزيزة" .
أنتقلنا برفقة الاخ شمعون الى بيت اخر من بيوت المنطقة القديمة والتقينا بالسيدة اكلنتين اوديشو من مواليد 1940 والتي ولدت في كمب الكيلاني , و عاشت كل حياتها فيها , تؤكد انها كانت منطقة مميزة و رائعة , و غالبية ابنائها من المسيحيين و ما يميز منطقتنا هو احتفالها باعياد قديسي الكنيسة و ما يسمى بالـ " شيرا " , فلكل قديس يوم خاص يحتفل به , و في منطقتنا تقام التذكرات في مواعيدها , و هناك عوائل قد التزمت باقامة هذة التذكرات و في بيوتها , حيث تذبح الذبائح و توزع على الفقراء .
و تحدثنا السيدة اكلنتين عن شيرا مار قرياقوس والذي يقام في ليلة 14 -15 \ 7 من كل عام حيث يتجمع الناس و يقام القداس الالهي في المنزل المخصص للاحتفال بهذا التذكار و تجتمع العوائل من كل انحاء بغداد و تذبح ذبيحة القديس في مكان مخصص لها و بالقرب من شجرة قديمة مخصصة لهذا الغرض , كما حدثنتا عن كتاب قديم توارثه اصحاب المنزل من جيل الى جيل يحكي قصة حياة مار قرياقوس . إضافة الى اقامة شيرا مار كيوركيس في 13 \ 11 من كل عام , و شيرا مار توما 3 \ تموز , وشيرا مار يوسب خنانيشو 12 \ تموز , شيرا مار شمعون برصباعي شهيد المشرق .
وهذه الاحتفالات تقام في كل عام و على مدار السنة. أما عن الكهنة الذين خدموا الكنيسة فتذكر لنا السيدة اكنتلين:
• القس اسحق و الذي خدمها في الاربعينات.
• القس تيادوروس .
• القس سامي .
ما يلفت الانتباه في منطقة كمب الكيلاني متانة الروابط العائلية بين ابنائها, فأبواب بيوتها مفتوحة لا تغلق , وصديقنا شمعون يدخل البيوت وكانها بيوته , كما كنا نلاقي الترحيب من كل من زرناهم , كذلك النظافة الشديدة رغم البساطة التي تتميز بها منازل ابناء شعبنا هناك , فرغم بساطة الحال فانت تندهش لشدة الترتيب و النظافة في هذه المنازل الصغيرة .
و نحن نتجول من زقاق الى أخر , و ننتقل من بيت الى بيت , التقينا الشاب ماسيس ديكران من مواليد 1986 , قال حول ما يفكر فيه الشباب المسيحي اليوم : " جميع الشباب همهم الوحيد هو الهجرة الى الخارج , بعدما شعروا باليأس والاحباط في العراق , الشاب اليوم هو ضائع ومستقبله مجهول , اضف الى ذلك غياب الامن و الأمان و انعدام فرص العمل كلها عوامل تجعل من شبابنا و خاصة المسيحي لا يفكر في ان حياته و مستقبله في هذا البلد" .
العم بطرس خوشابا من مواليد 1937 صاحب محل تحدث عن مشاكل المنطقة اليوم فهي كما يقول " لم تعد كما في السابق , و هناك اهمال كبير من مجلس المحافظة , فشوارعها خربة وخدماتها متواضعة , فلا خدمات صحية و لا مجاري مياه صالحة , و مياه الشرب شحيحة و منعدمة في كثير من الاوقات , المنطقة مهملة جدا لذلك نحن نطلب من أمانة بغداد الألتفات الى منطقتنا التي تعتبر من اقدم مناطق بغداد و اعرقها" .
اخيرا حدثنا السيد انوش كاركين من مواليد 1945 وهو متقاعد من رعية الارمن الارثوذكس , ومن الذين سكن ابائه المنطقة حسب قوله منذ عام 1915 عندما هجر الارمن من مناطق سكناهم , فهرب كثير منهم الى بغداد و سكنوا هذه المنطقة ,في خمسينيات القرن الماضي، يقول : " كانت المنطقة منقسمة بين الارمن و ابناء شعبنا اما اليوم فلا نجد سوى 40 عائلة و ربما اقل , وعند استفسارنا عن السبب يشير العم انوش الى الهجرة التي ضربت المنطقة فتركها اهلها الى مناطق اخرى من بغداد مثل الغدير , كمب سارة و سافر العديد منهم الى الخارج , كذلك تحولت المنطقة شيئا فشيأ الى منطقة صناعية، هذا اثر كذلك على التواجد السكني فيها , اضف الى ذلك ما يمر به العراق من احداث صعبة فرضت على الكثيرين تركها و ترك العراق اصلا" .
يبدو ان البداية ليست كالنهاية , فرغم الألم و ضيق الحال و المعاناة التي تعاني منها هذه العوائل الفقيرة , الا ان الأمل بحياة جديدة ما زال يحلق فوق منازل الكمب الفقيرة .
" نتوجه بالشكر الجزيل الى الشاب شمعون أرميا , لمساعدتة مكتب بغداد في اتمام هذا الريبورتاج "