الشياطين - فيدور دستويفسكي - كاملة

المحرر موضوع: الشياطين - فيدور دستويفسكي - كاملة  (زيارة 1537 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل kifhan

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 58
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي

الشياطين -  The Devils - Бесы


(aka "The Possessed" or "Demons)
1872
تأليف: فيدور دستويفسكي
ترجمة: د. سامي الدروبي
الناشر: دار إبن رشد للطباعة و النشر - بيروت
الطبعة الثانية - 1985
عدد الأجزاء : 2 مجلدين




الزميلات و الزملاء الأعزاء

نقدم لكم اليوم رواية الشياطين كاملة بجزئيها, بعد إكمال مسح ومعالجة وإعداد الجزء الأول المفقود.

كما قمت بإعداد الجزء الثاني إعتمادا على المصورات, لكنني إستبدلت صفحتي الغلاف الأولى و الأخيرة, بأخرى ملونة, تليق بالكتاب و بمؤلفه و بالمنتدى, بدلا من الصفحات السوداء الأصلية.

الجزء الأول من (الشياطين), كحال الجزء الأول من (الأبله), تم فيه إعتماد الأبعاد1752x2480 بكسل للمصورات, ليشابه بها بقية الأجزاء المصورة من قبل مكتبة الإسكندرية. كما أن الحجم الكبير نسبيا للملف إنما يرجع لعدد الصفحات الكبير 676 صفحة, وكذلك لوجود 14 صورة (رسم) ملحقة إضافة لصورتي الغلاف الأول و الأخير.

وبهذا تكون الأعمال الكاملة لفيدور دستويفسكي قد إكتمل مسحها رقميا, وأصبحت متاحة بالكامل للجميع.


عن دستويفسكي:

لمن يرغب بقراءة نبذة عن حياة كاتبنا, تجدون هذه النبذة على الرابط التالي:
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=291637.0

وهي منقولة عن زميل في منتدى آخر, وله هنا خالص الشكر و التقدير.

عن الشياطين:

هذه بضعة أسطر تعريفية عن الرواية, نقلتها من موسوعة ويكيبيديا للإنترنيت باللغة الإنجليزية.

الممسوسون The Possessed (بالروسية Бесы وتقرأ بيسي Besy), وتترجم كذلك الشياطين The Devils أو Demons , هي رواية كتبها فيدور دستويفسكي سنة 1872 (صدرت مترجمة إلى اللغة الإنجليزية سنة 1916 )

كتاب سياسي إلى أبعد الحدود. رواية الشياطين هي شهادة عن الحياة في روسيا الإمبراطورية في أواخر القرن التاسع عشر.

عندما بدأ الديمقراطيون الثوريون بالنهوض في روسيا, بدأت الإيديولوجيات المختلفة بالتصادم. دستويفسكي يلقي نظرة ناقدة على كل من مثاليي الجناح اليساري,  كاشفا أفكارهم وأسسهم الإيديولوجية بإعتبارها شيطانية, وكذلك سخف وحمق المؤسسة المحافظة في التعامل مع تلك الأفكار, وعواقبهما الإجتماعية.

هذا الشكل من العقلية المحافظة المرتبط بالحركة السلافية (السلافوفيلية *Slavophile) أيام دستويفسكي, ينظر إليه على أنه قد إستمر في تجليه المعاصر بأفراد من مثل ألكسندر سولجنتسن Aleksandr Solzhenitsyn.

(* = السلافية أو السلافوفيلية: هي حركة فكرية ترجع إلى القرن التاسع عشر أرادت للإمبراطورية الروسية أن تتطور إستنادا للقيم و المؤسسات المستمدة من تاريخها المبكر. كان السلافوفيليون معارضين بشكل خاص لتأثيرات أوروبا الغربية في روسيا. وكانت هناك أيضا حركات مماثلة لها في بولندا و هنغاريا و اليونان)

روايات دستويفسكي في تركيزها على فكرة, أن اليوتوبيات utopias (المدن الفاضلة) والأفكار الوضعية positivist ideas, في كونها منفعية utilitarian, إنما هي غير واقعية unrealistic ولا يمكن إحرازها unobtainable.

سأكتفي بهذه الأسطر لأتيح المجال لدراسة رائعة عن الرواية, من خمسة أجزاء, إتصلت بمقدمها, وسمح لي بنقلها كاملة من مدونته (أرصفة يوسف) . له مني خالص الشكر و الإمتنان.

هذه الدراسة ستقدم لكم مستقلة في المساهمة اللاحقة مباشرة.

روابط المجلدات:
[/right]



المجلد الأول
عدد الصفحات: 676 صفحة
حجم الملف: 15.48 MB
رابط التحميل



المجلد الثاني
عدد الصفحات: 516 صفحة
حجم الملف: 10.16 MB
رابط التحميل


قراءة  ممتعة.

غير متصل kifhan

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 58
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
دراسة عن رواية الشياطين
« رد #1 في: 13:29 23/05/2009 »

دراسة عن رواية الشياطين

منقولة نصا عن مدونة (أرصفة يوسف), بموافقة مدونها, الذي نقدم له خالص الشكر و الإمتنان.


الشياطين (1 – 5 ) // ” الخاطئ الكبير “

سبتمبر 28, 2008





لو لم يحضر شقيق زوجة دستويفسكي “سنيتكين” إلى دردسن, ولو لم يحمل معه تفاصيل الحادثة التي فتحت أبواب الشياطين لدستويفسكي, لكان بالإمكان الآن أن نتحدث عن رواية: “الخاطئ الكبير”. أكبر عمل روائي كان مقدراً له أن يرى النور, وتفرق لعدة أعمال في السنوات اللاحقة لدستويفسكي.

بعد أن ظهرت رواية الحرب والسلم لتولستوي بكامل مجلداتها تلقفها القراء والنقاد بكل حماس ولهفة. دستويفسكي أصابته روح المنافسة القائمة آنذاك, فهو يشعر بأن الجمهور لم يستقبل عمله “الأبلة” بمثل ما استقبلت به “الجريمة والعقاب”, كبرياؤه وكرامته معرضتان للخطر, ويجب أن يجذب الإنتباه إليه من جديد. بعد أن شاهد نجاح عمل تولستوي الملحمي, أراد أن يكتب على غرار الحرب والسلم, رواية مؤلفة من خمسة مجلدات تقريباً تتناول مسالة الخالق والخطيئة, والأهم : وجود الله وتقديم البراهين على ذلك.

هذا العمل لا يستطيع أن يكتبه إلا متشكك كبير مر بتجربة روحية هائلة. من غير دستويفسكي يستطيع أن يكتب مثلها! هذا العمل مستسقى من تجربته العاصفه. حياة الغربة أيقظت فيه المشاعر المسيحية العميقة والأفكار الدينية الصافية وخلصته من التعنت والمكابرة فجعلته أكثر طيبة وتسامحاً واستسلاماً، الأمر الذي تجلى بأفضل تعبير فى مؤلفاته. بطل القصة سيكون طوال حياته تارة ملحداً, وتارة مؤمنا, ومتعصباً, ومتزمتاً, ثم يعود للإلحاد مرة أخرى, وفي الأخير سيختار الإيمان بالله والأرض الروسية.

فكرة العمل تقوم على خمسة مستويات, القصة الأولى مقدمة عن الفكر الثقافي الروسي بشكل عام, وطفولة ومراهقة البطل, ثم اشتراكه باقتراف جريمة من جرائم الحق العام. القصة الثانية تدور في أحد الأديرة المسيحية حيث يقيم الأسقف تيخون زادونسكي, ويذهب البطل إلى هذا الدير بضغط من الأهل لطلب العلم والتربية, ثم يسقط هذا الفتى المثقل بالأفكار تحت نيران رجل الدين. فيتعرف على بوشكين وبيلنسكي وعلى أفكار الشبيبة الروسية. القصة الثالثة تحكي فتوة البطل, وسنوات دراسته واهتمامه بالفلسفة والإلحاد, وهو يظهر الغطرسة والإحتقار العميق للبشرية. تبلغ الطبيعة الإجرامية في هذا العمل حدها الأقصى. صورة هذا البطل مشابهة بشكل كبير لشخصية بتشورين بطل رواية ليرمنتوف “بطل من هذا الزمان”, الكسيح أخلاقياً والكاره للبشر. القصة الرابعة مخصصة للبحث في أزمة البطل العميقة, ووصف حالة الترحال للبحث عن أجوبة لما يعتمر في عقله من أفكار. والجزء الأخير يتم فيه الإعلان عن ولادة الآثم: متشكك روسي يختار بعد تردد طويل بين المدارس الدينية الإيمان بالله والأرض الروسية, ويصبح ودوداً ومحباً للجميع , ويعترف بجريمته.

بقيت هذه الأفكار مجرد خطوط رئيسية لعمل لا يمكن كتابته في الخارج لسبب واحد. تستلزم كتابة هذا العمل قراءة مكتبة كاملة حول الكتاب الملحدين, والكتاب الكاثوليك والأرثوذكس, ويجب من أجل كتابة هذه الرواية أن يرجع دستويفسكي إلى الوطن, إلى روسيا. يجب عليه أن لا يرى الدير وحسب, بل أن يقيم فيه لبعض الوقت.

عند رسم دستويفسكي الخطوط العريضة لهذه الأفكار حدث الحادث الذي أجهز على “الخاطئ الكبير”, وحول هذا العمل إلى عدة أعمال نشرت في الشياطين, والمراهق, والأخوة كارامازوف. هذا الحادث هو الذي أشعل دستويفسكي ليكتب إحدى خوالده الخمس : الشياطين.


الشياطين (2 – 5 ) // رفقاء الأمس .. أعداء اليوم

سبتمبر 28, 2008





هل سأرى يا صديقي الشعب وقد تحرر
والعبودية تزول بإشارة من القيصر !

بوشكين.


جميع الأعمال الروائية لدستويفسكي في المكتبة العربية ناقصة, حتى ترجمة الدكتور سامي الدروبي المتميزة ناقصة لسبب واحد: التفاصيل. كل عمل أدبي لدستويفسكي قائم على قصة, وفكرة, وحدث من حياة دستويفسكي الخاصة. لعل هذا الأديب هو الوحيد الذي تحتوي أغلب أعماله على جزء كبير من حياته الشخصية. إذا لم تقرأ تفاصيل أي عمل أدبي له فأنت لم تقرأ إلا النصف الأول من العمل الأدبي, والنصف الثاني ينتظرك لتعرف كيف كتب مثلاً تلك الروح الساخرة :”الشياطين”.

رواية الشياطين هي الأكثر تعبيراً عن أفكار دستويفسكي حول الدولة والشعب والإصلاح والتنظيمات الثورية والإرهابية والإشتراكية لعدة أسباب.

إحد هذه الأسباب وهو الأكثر إثارة في حياة دستويفسكي, التغيير في الفكر الثقافي الروسي ومدى تلقي هذا التغيير من قبل المثقفين والأدباء والنبلاء. الحملات العسكرية الروسية بين 1812 و 1814 م قادت الجنود الروس إلى قلب أوروبا, وبسرعة كبيرة استطاع الجنود والضباط التعرف على الثقافة الغربية. كان من نتائج عودة الجنود الروس إلى الوطن تشكيل تنظيمات كانت علنية في بداية الأمر, ثم أصبحت سرية تعمل في الخفاء مثل اتحاد الشمال, واتحاد الجنوب, واتحاد السلافيين.

عند اعتلاء الأمبراطور نيقولا الأول العرش في روسيا تفجرت ثورة الديسمبريين في أوساط الجيش, وأدت إلى اضطرابات دامية. كان من نتائج تلك الثورة قتل من حرض على هذه الثورة, ونفي البعض الآخر إلى سيبيريا. وافق القيصر على القيام ببعض الإصلاحات التي طالب بها الثوار الديسمبريين على أن ينفذها هو بنفسه بدون ضغط من التيار الثوري. نشأت بعد هذه المذبحة الشهيرة عدة تنتظيمات ثورية سرية تحمل أهداف سامية, وإن كانت الطريقة المراد تنفيذها تحمل كل الخطورة. إحدى هذه المجموعات الثورية جماعة بتروشيفسكي, والتي كانت تضم بين أعضاءها دستويفسكي!

انضم دستويفسكي إلى هذه الجماعة في فترة من أهم فترات حياته الفكرية. كانت الموضوعات الأساسية المطروحة في هذه الجماعة, العبودية, وإصلاح القضاء, وتحرير العبيد, ويتناولون بكل حرية أفكار المفكر الفرنسي فورييه, ويقدمون أبحاث ومناقشات طويلة عن الإلحاد, والدين, والكفاح ضد الرقابة, والأسرة و الزواج. ” لقد أدنا مجتمعنا بالإعدام ويجب تنفيذ هذا الحكم” يقول بتروشيفسكي. إن أخطر صدمة فكرية أصابت دستويفسكي في هذه الحلقة الثورية هي أفكار فورييه. ينتقد فورييه بعنف العالم الرأسمالي, ويشبه التجار والمضاربين بأكلي لحوم البشر والمستعمرين الجدد. يقوم النظام الإقتصادي حسب تصوره على الظلم والفوضى والبؤس, ولا مناص من تبدل جذري في المجتمع لإنقاذ أفقر الناس. ولتحسين وضعهم يجب أن تقف الطبقة العاملة والمجتمع لخلق جمعيات زراعية وصناعية لتنظيم حياة مشتركة في صرح واسع ومريح.

كيف تلقى دستويفسكي هذه النظرية التحررية؟

لقد سقط دستويفسكي بكل ما فيه تحت هذه النظرية, فورييه حسب تصور دستويفسكي ينتهج نهجاً سليماً يفتن الروح برقته, ويدهش الفكر بإنسجامه. لم يكن دستويفسكي يتطلع إلى ثورة عارمة وانتقال السلطة إلى طبقة إجتماعية جديدة, ولم يستطع هو نفسه أن يكون ثورياً حسب تصور بعض أعضاء التنظيم رغم الحماسة التي يبديها تجاه بعض الأفكار. في إحد الإجتماعات قرأ قصيدة بوشكين المذكورة أعلاه, إلغاء الرق والعبودية, وتحريم العقوبات الجسدية وتخفيف قيود الرقابة يجب أن تصدر من القيصر نفسه, وقد كتب بنفسه:” القيصر بالنسبة للشعب, هو تجسيد للشعب نفسه, لفكره, لإيمانه ولآماله, ليس بين العاهل ورعاياه علاقات السيد بعبيده, بل علاقات الأب بأبنائه, وقتل هذا الحب هو قتل لروسيا, وإنارة هذا الحب وتنويره وتوجيهه هو عمل لخير الجميع, يجب أن ننتظر, وأن نؤمن”.

فقط, لمرة واحدة فقط, ولأول مرة في حياته تعاطف مع الثورة ” إيه, حسناً, ليكن التمرد”! لقد تعاطف مع أفكارها العميقة وأعلن استعداده للمساهمة في تطبيقها. ولكن بإعتباره كاتباً ومفكراً لم يكن مستعداً للدفاع عن هذا الهدف ممتشقاً السلاح, بل كان يرنو إلى خدمة الشعب المتمرد عبر القلم.

هذه الأفكار والإستعداد للثورة مجرد أفكار, كيف شاهد دستويفسكي تجسيد هذه الأفكار في روسيا؟ الجواب من الأحداث السياسية العاصفة التي ضربت أوروبا في ذلك الوقت, أي إعلان الجمهورية الفرنسية! كان للعاصفة السياسية الأوروبية دوي هائل في روسيا, واستقبلها الجميع بانفعال كبير وتوتر, انفعل القيصر واضطرب وأعلن حالة التعبئة في صفوف الجيش. دستويفسكي تابع أنباء هذه العاصفة:” مشهد رهيب, دراما لا سابق لها تدور في الغرب, النظام ينهار, أسس المجتمع الأكثر ثباتاً واستقراراً تتحطم وتجر وراءها الأمة كلها, ستة وثلاثون مليوناً من البشر يضعون كل يوم مستقبلهم على كف عفريت, أرزاقهم, حياتهم ومستقبل أطفالهم, ألم ترسم هذه اللوحة لإيقاظ الانتباه, الفضول, الإهتمام, وتشعل الروح؟ هذا هو البلد الذي أعطانا العلم والمعرفة والحضارة, إن هذا المشهد لأمثولة! أخيراً إنه التاريخ, والتاريخ علم المستقبل!”.

في ساعة مبكرة من صباح 23 أبريل 1849م وبأمر شخصي من القيصر نيقولا الأول ألقت الشرطة القبض على دستويفسكي وأودع في قلعة بتروبافلوفسكي ومعه مجموعة كبيرة من أعضاء حلقة بتروشيفسكي. إذ قام أحد أعضائها بالوشاية، وبينهم دستويفسكي، الذي أمضى تسعة أشهر في زنزانة منفردة، في قلعة بطرس وبولس في مدينة بطرسبرج. حكم على الكاتب بالإعدام، واقتيد مع أعضاء الحلقة إلى ساحة الإعدام المطّوقة بالقوات المسلحة، وألبسوا قمصاناً طويلة بيضاء على قرع الطبول، وقرئ عليهم الحكم بالإعدام رمياً بالرصاص، وأوثق ثلاثة منهم إلى أعمدة خشبية مغروزة في الأرض، وكان الروائي ينتظر دوره في المجموعة الثلاثية الثانية. ووقف أمام كلّ منهم مجموعة من الجنود شاهرين بنادقهم المحشوة بالرصاص، وظل المحكومون ينتظرون تنفيذ الحكم مدة نصف ساعة في صقيع بلغ عشر درجات تحت الصفر، ثم جاءت عربة، وقرئ على المحكومين قرار القيصر بتخفيف الحكم من حكم بالإعدام إلى حكم بالأعمال الشاقة، وكانت هذه العملية تمثيلية مدبرة من القيصر نفسه، لكي يفقدهم عقولهم، ويظهر في الوقت ذاته مظهر الرحيم الغفور، ولقد فقد أحدهم عقله بالفعل، وطلب أحدهم في أثناء الانتظار إطلاق النار، لأن انتظار الموت أصعب من الموت نفسه، وشعر دستويفسكي بعد استبدال القرار بالفرح، وكأنّ حياة جديدة وهبت له، وكأنّه ولد من جديد، حتى وصف هذا المشهد بكل دراميته في الجريمة والعقاب :”ترى أين قرأت أن رجلاً محكوماً عليه بالإعدام قد قام أو تخيل قبل اعدامه بساعة أنه لو اضطر أن يعيش في مكان ما, على قمة, فوق صخرة, بموضع لا تزيد مساحته على موطئ قدم, وكان كل ماحوله هوة سحيقة , خضماً كبيراً, ظلمات أبدية, عزلة خالدة, زوابع لا تنقطع, وكان عليه أن يبقى واقفاً على موطئ القدم هذا مدى الحياة, بل ألف سنة, بل أبد الدهر, لظل مع ذلك يؤثر أن يعيش هذه العيشة على أن يموت فوراً, أن يعيش فحسب, أن يعيش! أن يعيش أية عيشة, ولكن أن يعيش .. نعم, أين قرأت هذا الكلام! رباه, ما أصدق هذا الكلام “.

رؤية دستويفسكي للفكر الإشتراكي وإمكانية التغيير بقوة اليد بعد أن خرج من السجن تغيرت وحدث تطور نوعي في فكره. يرى دستويفسكي أن الإشتراكيين يريدون إعادة خلق الإنسان وتحريره, وتصوره دون إله, ودون نسب, وهم على قناعة بأن تغيير واقع الإنسان الإقتصادي هدف لا يمكن تحقيقه إلا بالقوة. هل يمكن الخلاص في ذلك؟ هل يمكن الوصول إلى كل هذا بإستخدام السلاح - يستاءل دستويفسكي -, إن المسألة بهذه الصورة مقامرة بالإنسانية كلها.



الشياطين (3 – 5 ) // إيفانوف : شرارة الشياطين!

سبتمبر 28, 2008

لم يحن الوقت لكتابة رواية عن التنظيمات الثورية, لا تتوفر مادة مثيرة يستند عليها دستويفسكي في عمله هذا. ما يتوفر لديه هو مقدمة عن الفكر الثقافي الروسي, وبعض الشخصيات التي رسمها من تجربته في جماعة بتروشيفسكي, ولكن ينقصه المادة المثيرة, ما ينقصه هو النار التي تشعل هذا الكم الهائل من الوقود الراكد. أثناء انشغاله في مكتبة بدرسدن يحاول رسم خطوط رواية الآثم الكبير كان قد أتى الشاب سنيتكين شقيق زوجة دستويفسكي لزيارة شقيقته وزوجها, وهو يحمل في يديه النار التي ستشعل شياطين دستويفسكي, النار هي حادثة مقتل إيفانوف!

كشفت جريمة القتل هذه عن منظمة سياسية تخريبية, عن رابطة انتقام ثورية, تضم أمثال باكونين الشيخ ونتشايف الشاب, فتهز هذه الجريمة موسكو ودستويفسكي بعنف. تفاصيل الجريمة مذهلة, في جامعة بطرس الأول وجد الطالب إيفانوف قتيلاً, كان قد تحول إلى كتلة من الجليد, تلقى طلقة نارية في خلف الرأس وخرجت الطلقة من العين. سرعان ما كشف النقاب عن هذه الجريمة الغامضة, فقد عرف من التحقيق أن جماعة من الشباب الثوريين شكلوا بزعامة نتشايف تنظيم سري يدعى رابطة الثأر الشعبي. كان الطالب إيفانوف يناقض ما يقوله نتشايف في الإجتماعات السرية للرابطة, ولم يهتم لأراء التنظيم بعد أن أبدى رغبته في ترك التنظيم وخلق جمعية ثورية أخرى. أقنع نتشايف رفاقه بقتل هذا العضو الخطير الذي يستطيع الوشاية بهم, وفي وقت لاحق اقتاد خمسة من أعضاء هذا التنظيم إيفانوف بعد هبوط الليل إلى مكان معزول في إحدى الحدائق, وقتلوه ورموا جثته في النهر!

أذهلت حادثة القتل هذه دستويفسكي, كانت كراهيته للأفكار الجديدة وهو خارج الوطن تتزايد من يوم لآخر. لم يتردد لحظة واحدة, فكم هائل من الأفكار المثيرة يستطيع الكتابة عنها, وتمس مباشرة أهم مسائل العصر: مشروعية الثورة وأهميتها. عندما علم بتوجهات نتشايف شعر بأن أمامه موضوع أقرب للتطبيق ومعروف جيداً, ويقرر على الفور إدراج أحداث الصراع السياسي في عمله المقبل. ذلك العمل الذي كان مقدراً له أن يكون ضربة كبيرة ويتضمن نقداً مخيفاً وشديداً :” أريد التعبير عن أفكاري بكل قوة وحماسة, سيصرحون وينبحون ضدي, الملحدون والغربيون, وسيقولون أني رجعي, ولكن, ليأخذهم الشيطان! فسأعلن جميع أفكاري”.

بداية كتابة الشياطين كانت فترة قلقة لدستويفسكي, عادت نوبات الصرع من جديد بعد فترة هدوء طويلة نوعاً ما, ويعود إلى ممارسة القمار ويخسر كل ما لديه, حتى لم يتبقى له أي شيء, وبدأت الحرب بين فرنسا وألمانيا, فتعيق الحرب أفكار دستويفسكي المتبعثرة أصلاً. الأحداث السياسية تعيد إليه غضبه الشديد ضد الإشتراكية الفرنسية والبلاد الأجنبية, العيش خارج الوطن يبدو له كسجن لن يستطيع الهرب منه أبداً. حصل لديه انطباع بأنه لم يعد يتذكر وطنه, وأن هذا الوطن لم يعد ينمي موهبته ولا يغذيها, وأنه رجل ضال وضائع مثل جميع الذين اقتلعوا أنفسهم من أرضهم. وهو في غمرة اضطرابه وانهيار معنوياته لم يجد له ملجأ سوى الكنيسة الأرثوذكسية, هو لا يرى الكنيسة كملجأ للروح فقط, بل يرى فيها روسيا التي يحلم بها, روسيا التي عاد إليها بعد أن فقد كل ما يملك بيومين فقط, هو يؤمن أنه خرج من سجن كبير وولد من جديد للمرة الثانية, أيقضت مشاعر الحرب والغربة في نفسه الإيمان من جديد, كان لديه شعور بأنه خرج من سيبيريا التي كان منفياً فيها, لن يستطيع أن يكتب الشياطين إلا في روسيا, هذه الرواية التي ليست إلا دفاع عن روسيا ضد الشياطين التي تحدث عنها إنجيل القديس لوقا, والمذكورة كمقدمة في بداية الرواية :” وكان هناك قطيع كبير من الخنازير يرعى في الجبل, فتضرعت الشياطين إلى يسوع أن تدخل في الخنازير, فأذن لها, فخرجت من ذلك الإنسان ودخلت في الخنازير, فاندفع القطيع من أعلى الجرف إلى البحيرة وغرق فيها, فلما رأى رعاة القطيع ماحدث هربوا ونشروا النبأ في المدينة وفي القرى, فخرج الناس ليروا ما جرى, فلما وصلوا إلى قرب يسوع وجدوا الإنسان الذي كانت الشياطين قد خرجت منه, وجدوه لابساً ثيابه, مالكاً عقله, جالساً عند قدمي يسوع, وروى لهم شهود الحادث كيف خلص المجنون.”


الشياطين (4 – 5 ) // روح دستويفسكي الساخرة

سبتمبر 28, 2008

الشياطين رواية سياسية ساخرة من الحركة الثورية, والمهمة التي يتحدث عنها دستويفسكي بالتفصيل, هي مناهضة الحركة الثورية بكل قوة في شخوص آبائها وأبنائها. بهذا العمل الساخر يحاول دستويفسكي حماية الملكية الروسية بمهاجمة القوى التي تقوضها وتهددها. الشيء الذي يخلب ألباب الشياطين في الإشتراكية حسب تحليل دستويفسكي هو الجانب العاطفي المثالي, الشيء الذي يفتنهم هو نوع من الروح الشعرية, نوع من الروح الدينية وهم لا يعرفون عنها شيئاً.

في هذا العمل الساخر لم يهاجم دستويفسكي نتشايف وباكونين, المنفذ والأب الروحي لجماعة التنظيم الثوري, بل امتدت لتشمل بتروشيفسكي وتيمكوفسكي وهرتسن وفورييه وبيلنسكي وغيرهم من التيار الثوري. ما يحسب لهذا العمل كقيمة فنية وأدبية هو التحليل النفسي لشخوص الشياطين, دستويفسكي يتعمق في شخصيات أبطاله من البداية ويعبث بها, ويظهر تناقضها واختلافها بسخرية مريرة. رغم أن الرواية صدرت قبل سنين طويلة, ومحددة بمهاجمة التيار الثوري الشيوعي, إلا أنها سبقت زمانها بفترة طويلة. دستويفسكي يصف ما يجري في العالم الآن, من الحوادث الإرهابية التي تجري في بعض البلدان, ووصف حالة التنظيمات الإرهابية الدينية في بداية التنظيم والتخطيط والعمل المسلح وآثار ذلك العمل على المجتمع والإنسان.

يبدأ دستويفسكي الرواية بشكل مثير للإنتباه, ويعطي أكثر من علامة على توجهات الشياطين. تبدأ الرواية بذكر جزء من قصيدة بوشكين :

ضللنا الطريق فما عسانا فاعلين
الشيطان يجرنا هنا وهناك
ويديرنا إلى كل الجهات
.. .. .. .. .. ..
ما عددهم, وإلى أين يسيرون مسرعين؟
ماذا تعني أغنيات الحداد هذه التي يرددونها
أهم يدفنون أحداً من أهلهم ؟
أم هم يزوجون ساحرة؟

نجح دستويفسكي في اختيار هذه الأبيات لهذه الرواية الساخرة. الأبيات الأولى تتضمن تحليل لسيكولوجية الأبطال, ويظهر الصراع الحاد بين العقل الذي يريد الثورة بكل دمويتها, وبين النفس التي تهوى الأرض والحرية. وهي إلى ذلك تصف حالة الأبطال الشياطين الميؤس منها في فترة متقدمة من الرواية. حين تتقدم الرواية سيتسائل القارئ: ماذا بعد؟ إلى أين سيذهبون؟ وأين ستذهب بهم هذه الأفكار الشيطانية؟ هم يعترفون بأن أفكارهم غير طبيعية, ولكن لا يؤمنون بذلك ولا يصرحون, لأنهم لا يؤمنون. الجزئية الثانية من القصيدة تصف حال المجتمع – والقارئ كذلك – وتقبلهم لهذه الأراء. بين لحظة وأخرى يظهر لك شخص غامض, ومن أفكاره وأحاديثه يظهر الولاء لأفكار الشياطين. أعدادهم غير محددة, قد يكونون من الأشباح وغير موجودين, ولكنهم موجودين في أرض الحدث بكل قوة. أفعالهم في أحد فصول الرواية – الحفلة - تفسر بقية الأبيات, ما يفعلونه مخالف للعقل والمنطق, حب الألم لأجل التجربة, عدم الإيمان بالله, اللامبالاة تجاه المجتمع والأخلاق, كل هذا غير طبيعي ولكنه موجود. وإن كانت هذه القصيدة تعطي لمحات من أفكار ورؤية الشياطين, إلا أنها كذلك كانت مقدمة لهجوم دستويفسكي تجاه الأفكار الجديدة. دستويفسكي أراد لبوشكين أن يكون في هذا العمل هو البداية, أن يكون هو السلاح الذي يقتص منهم, الشياطين لا يؤمنون بروسيا يجسدها بوشكين, دستويفسكي يؤمن ببوشكين كمثال عبقري للإنسان الروسي, ويجب أن يسيروا على نهجه.

المقدمة الثانية للرواية كذلك ملفتة للنظر, تصدرت الرواية بعد قصيدة بوشكين بضعة سطور من إنجيل لوقا. هذه المقدمة الثانية أراد لها دستويفسكي أن توضح حال الشياطين حين تخرج من كائن بشري, وتدخل في الخنازير. حالة الخنازير حين تدخل الشياطين فيها مثيرة للسخرية, إذ تسقط بكل ما فيها من أعلى الجرف إلى البحيرة وتغرق فيها. بين ثنايا النص وصف لحالة إنسان تخلص من أفكار الشياطين وتحكمهم به, بمجرد خروج الشياطين من هذا الإنسان ملك عقله وأصبح إنساناً سوياً وجلس عند قدمي المسيح يشكره جراء خدمته. اقتباس نص من الإنجيل لم يكن لوصف حالة أبطال الرواية فقط, بل يتضمن كذلك السلاح الثاني الذي سيستخدمه دستويفسكي لمهاجمة الشياطين, السلاح هو الإنجيل, ذلك الكتاب الذي ينكره الشياطين, هؤلاء الشياطين الذين يخرجون من المريض ليدخلوا في الخنازير هم جميع الجراح والقذارات الصغيرة والكبيرة التي تراكمت خلال قرون في روسيا المريضة. الآن مقدمة الرواية تتضمن مقدمتين هما مفتاح الهجوم ضد الشياطين وتعريتهم أمام الملأ : بوشكين, الأب الروحي للآداب الروسية, والإنجيل.

مبدئياً, أبطال الرواية الرئيسيون هم بطرس فرخوفنسكي وشاتوف, أي نتشايف وإيفانوف, لكن دستويفسكي أراد أن يضمن معلم نتشايف في الرواية, باكونين, وأن يسخر منه بكل قوة تحت اسم ستافروجين. تخرج شخصية هذا البطل الغامضة من الغموض السايكولوجي فجأة وتتلقى التفسير الذي لا مفر منه, في هذه الشخصية قرر دستويفسكي تجسيد فكرته حول المتمرد الشهير, جاهداً في التدليل أن نشاطه المتقد والعميق كله عقيم ولا هدف له. هو تجسيد لطاقة عقلية فريدة, تتحطم لديه كل القوى الروحية الأخرى. الفكرة القابعة في رأسه قوة غاشمة. ” لقد صعقتك فكرة جديدة وخطيرة .. في حناياك ثورة عظيمة ” يقول له أصدقاءه من أبطال الرواية الشياطين شاعرين بشيء مأساوي ومهدد لدى هذا الشخص الذي تتعبه فكرة معينة. إن هذا العقل عامر بأفكار فعالة, لكنها مدانة مسبقاً بطبيعتها العقلية, القارئ سيجد طاقة من التجريد القابع في نظريات ضخمة, لكنها تافهة تثير الأسى بعفويتها الكبرى, مأساتها في عجزها عن المضي من التدمير إلى البناء. هو لا يبحث عن شيء في هذا الحياة, أو بتعبير دستويفسكي في الرواية:” عندما يؤمن لا يصدق ولا يعتقد أنه يؤمن, وعندما لا يؤمن لا يصدق ولا يعتقد أنه لا يؤمن”., استقر لديه بأن الله غير موجود, وأن الأخلاق عبثية وغير معقولة, وأن كل شيء مباح ومسموح به, وأنه ليس هنالك عقوبة ضمنية داخلية. هذه الشخصية الغريبة جداً أماتت في داخلها جميع الينابيع والمصادر الحية للحياة والوجود, وهو لا يعرف لماذا هو موجود في الدنيا, ولا يحاول أن يعرف لماذا. طوال حياته يعيش بدافع السأم.

الرواية بأكملها يهيمن عليها شبح فرخوفنسكي الشاب, حامل النصر الثوري, وزعيم الشياطين الفعلي. حبيس أفكاره, وسجين خياله, والذي يتيه في أرجاء أوروبا مقطوعاً عن جذور وطنه. دستويفسكي عبر هذه الشخصية أراد استخدام سلاح السخرية لمعاقبة شخصية نتشاييف, وإهانة شخصيته بالضحك منها وإلغاء كل حقوقها. وبالفعل, الطريقة التي كتب بها دستويفسكي كانت فعالة: يهتك سمعة خصمه السياسي, ويبدد هالته الأسطورية, ويشير إلى سماته الباهتة والهزيلة. الشخصية تظهر في الأخير بغير ما هو معروف عنها, أصبحت الشخصية في الأخير شيئاً تافهاً وحقيراً لا يستحق حتى مجرد الحديث عنها. تبددت هذه الشخصية تحت سلاح السخرية بملح البصر. في الرواية يظهر فرخوفنسكي كشيطان حقيقي, يسحر ويفتن, ويكون مجاملاً تارة, ويبدو وقحاً للغاية في بعض الأوقات, كل فرد من أفراد المجوعة الثورية يخشاه ويكرهه. ” سنشعل ثورة ينقلب فيها كل شيء من أساسه”, يقول فرخوفنسكي. وماذا بعد الثورة؟ ستحدث المساواة التامة بين البشر استناداً إلى رؤية أحد أعضاء التنظيم” شيجالوف”.

أحد أبطال الرواية المثيرين للجدل شاتوف أو إيفانوف القتيل. بالنسبة لشاتوف كما بالنسبة لدستويفسكي, الإشتراكية هي الإلحاد, لأنها تريد أن تبني عالمها حسب قوانين العلم. والحال, هي أن الشعوب تتكون وتعيش حسب قوانين أخرى خفية وغامضة. وتاريخ شعب ما يعود إلى البحث عن الله. يقول شاتوف في الرواية :” إن هدف كل شعب عبر تاريخه هو البحث عن الله فقط, عن الهه, عن الهه الذي يؤمن به على أنه الإله الحق الوحيد”.

عندما سأله ستافروجين :
أتؤمن أنت نفسك بالله, أم لا؟
تمتم شاتوف :
أنا أؤمن بروسيا.. أؤمن بالمذهب الأرثوذكسي
ويلح ستافروجين :
ولكن بالله؟ بالله؟
يجيب : أنا سأؤمن بالله.

دستويفسكي مثله مثل شاتوف, ذهب إلى الله عبر الشعب, وبينما لم يكن الشعب بالنسبة لدستويفسكي سوى مرحلة عبور, فإنه بالنسبة لشاتوف غاية ونهاية. هو تائه بعض الشيء, وسيتبين له ذلك عندما تعود زوجته, التي خانته فيما مضى مع ستافروجين لكي تضع مولودها عنده في منزله. فيستقبلها بنوع من النشوة ويحيطها بعناية فائقة يندهش منها هو نفسه. وعندما يولد الطفل, عندما يرى أمامه هذا المخلوق الذي أعطي فرصة للحياة تصيبه الغبطة والفرح من رأسه حتى أخمص قديمه, ويصيح :” إن أعجوبة ظهور مخلوق جديد على سطح الأرض كبيرة ومعجزة يصعب تفسيرها” فتصرخ القابلة التي تؤيد الأفكار الإشتراكية:” ما هذا الهذيان الذي تثرثر به؟ هذا ليس سوى تطور ونمو يحصل في الجسم؟”. ولكن شاتوف لا يصغي لها. فقد تبدت له المعجزة وآمن, وسيؤمن على الدوام. أصبح يشعر بالسعادة بعد أن فقدها لسنوات.


الشياطين (5 – 5 ) // هذا هو السر كله : الجمال

سبتمبر 28, 2008

في رواية الشياطين جسد دستويفسكي ملامح المعاصرين الذين أدهشوه مثل تيمكوفسكي عبر شخصية المهندس كيريلوف. من أروع الشخصيات في الرواية وأكثرها إثارة وغرابة هي هذه الشخصية, التي يؤرقها هم واحد وفكرة واحدة:” طوال حياتي عذبتني فكرة الله “. في الرواية يعبر كيريلوف سريعاً من التدين إلى الإلحاد, تفجير العالم قاطبة, ووضع العمل الجاد في خدمة الدولة, مفهوم ثوري وأصيل, روح زاخرة بنكران الذات, وإخلاص للفكرة يصل إلى حد الهوس. هو ملحد مثل ستافروجين, ولكنه على النقيض من هذا الأخير, يضفي على الإلحاد كل الحماسة التي يضفيها على الإيمان. يقول:” إذا كان الله موجوداً, فكل شيء يتعلق به ويتوقف على إرادته, ولا أستطيع أن أفعل شيئاً دون إرادته, وإذا لم يكن موجوداً, فكل شيء يتعلق بي ويتوقف على إرادتي, وأنا ملزم بتثبت استقلاليتي وتأكيدها”. تصور شخصية كيريلوف حول فكرته المثيرة في الرواية, بأنه إذا كان يستطيع بملء إرادته أن يضع حد لحياته, فذلك يعني أنه حر, وأنه هو الإله بالذات. ” إذا كان الله غير موجود, فأنا الله”. ويضيف عليها” الإنسان لم يخترع الإله إلا لكي يستطيع أن يعيش دون أن يقتل نفسه”.

يتوسع دستويفسكي باستخدام السخرية الأدبية في الشياطين. ويتضح ذلك في شخصية الكاتب الكبير كارمازينوف, وهو كاريكاتير للروائي المعروف ايفان تورغينيف, المشهور في الأدب الروسي برجل الغرب. سخر دستويفسكي من ايفان تورغينيف بدون رحمة ولا شفقة عبر هذه الشخصية. دستويفسكي يطلق من شخصية كارمازينوف كلمات تورغينيف نفسها ” أصبحت ألمانياً وأنا فخور بذلك”. لكي يبرز دستويفسكي أوجه الشبه بين كارمازينوف وبين تورغينيف يهب كارمازينوف وجها نظراً تزينه خصل كثيفة من الشعر الأبيض, ويعطيه صوتاً مسعولاً وحاداً بعض الشيء. في آخر ظهور لهذه الشخصية في الرواية يقرأ في فصل الحفلة عمله الأخير الذي يحمل العنوان” شكراً”, والمستوحى من نص كان تورغينيف قد خص بها صحيفة الأخوين دستويفسكي. عرف تورغينيف نفسه في هذا التهجم الهزلي, وشكا منه فيما بعد :” لقد سمح دستويفسكي لنفسه بشيء أسوأ من الكاريكاتير, فقد عرضني تحت ملامح كارمازينوف المؤيد بصورة سرية لحزب الثوريين”.

شخصيات الرواية الأخرى تزول وتختفي إزاء بعض هذه الشخصيات الملهمة, مثل شخصية المحترم ستيفان فرخوفنسكي الأب, الذي أراد لها دستويفسكي أن تكون دون كيشوت الروسي. تعبر هذه الشخصية عن أفكار دستويفسكي في الفنون, وبوشكين, وشكسبير, ورافايل. لم أعرف بصراحة لماذا يسخر دستويفسكي من هذه الشخصية بشكل عنيف وقوي. في يوميات كاتب بعد كتابة الشياطين بسنوات, قال دستويفسكي عن هذه الشخصية: ” كان ستيفان أنقى رجال زمانه, كان شخص لا عيب فيه وعظيماً, إنه واحد من أنزه الرجال, وأنا أحبه وأحترمه”.

في إحدى أكثر فصول الرواية سخرية – فصل الحفلة – عبر ستيفان فرخونفسكي عن أكثر أراء دستويفسكي شهرة. يقول دستويفسكي في رواية الأبلة عبارة شهيرة: ” الجمال سينقذ البشرية”. قرأت هذه العبارة في مقال عن علم الجمال عند النقاد الروس, تضمن المقال أراء لبعض المفكرين الروس أمثال تشيرنيشيفسكي, وتولستوي, وبليخانوف, وميخائيل باختين, ولينين, ولم أجد دستويفسكي في المقال رغم أن عبارته الشهيرة كانت استهلال للمقال ” الجمال سينقذ البشرية “. في فصل الحفلة من الرواية وجدت تفصيل لهذه الجملة الشهيرة. يصرخ ستيفان تروفيموفتش في الحفلة يقول بصوت حاد :

أما أنا فأقول لكم أن شكسبير ورافائيل أجل شأناً من تحرير الفلاحين, وأرفع قدراً من القومية, وأعظم قيمة من الإشتراكية, وأسمى منزلة من الجيل الجديد, وأنهما فوق الإنسانية جميعاً بكاملها تقريباً, لأنهما ثمرة الإنسانية, ثمرتها الحقيقية, لأنهما ربما كانا أجمل الثمار الإنسانية التي يمكن أن تهبها الإنسانية يوماً, لأنهما يحققان منذ الآن صورة من الجمال كاملة قد لا أحب بدونها أن أحيا .. آه .. رباه .. منذ عشر سنين في بطرسبورغ ناديت من أعلى المنبر بهذه الأفكار نفسها, معبراً عنها بهذه الألفاظ نفسها تماماً. وكما لا تفهمونني الآن, كذلك سخروا مني يومذاك, وصفروا لي .. يا للبشر المساكين ! ماذا يعوزكم حتى تفهموني؟ هل تعلمون .. هل تعلمون أن الإنسانية تستطيع أن تستغني عن الإنجليز إذا لزم الأمر, وأن تستغني عن ألمانيا, وأنها تستطيع جداً جداً أن تستغني عن الروس, وعن الخبز, وعن العلم, ولكنها لا تستطيع أن تستغني عن الجمال ! إن الجمال وحده لا غنى عنه, إذ بدون الجمال لا يبقى لنا على وجه هذه الأرض ما نعمله ! هذا هو السر كله ! ذلكم هو كل التاريخ ! العلم نفسه لا يمكن أن يعيش لحظة بعد زوال الجمال ! هل تعلمون ذلك أنتم يا من تضحكون؟ نعم .. إن العلم بدون الجمال يتدهور إلى تفاهة, فتصبحوا بذلك عاجزين عندئذ حتى عن اختراع مسمار !

وفي آخر ظهور لهذه الشخصية في الرواية عبر دستويفسكي عن الحقيقة في الرواية, وسط هذا الكم الهائل من أفكار الشياطين, يقول ستيفان فرخوفنسكي في نهاية الرواية :” قوام قانون الحياة البشرية كله أن يكون في وسع الإنسان أن ينحني أمام شيء عظيم عظمة لا نهاية لها, فإذا حرم البشر من هذا الذي لا نهاية لعظمته رفضوا أن يعيشوا وماتوا في اليأس. اللانهاية والمطلق لا غنى للإنسان عنهما, كما لا غنى عن هذه الأرض التي يعيش عليها”

عند قراءة الشياطين كان اهتمامي بأحد المشاهد التي قرأت عنها مسبقاً, ولم أكن أعرف كيف سيصور دستويفسكي هذا المشهد بكل ما فيه. المشهد هو مشهد ولادة زوجة شاتوف. الكتاب الروس هم أفضل من يرسم مشاهد آلام الأنثى عند الولادة ووصف آلام حمى النفاس. تولستوي عبر روايته العملاقة ” آنا كارينينا ” وصف مشهدين يعتبران من المشاهد الأكثر إثارة وحيوية في الرواية, مشهد ولادة كيتي, ومشهد وصف الحالة النفسية والهذيان لحمى نفاس آنا كارينينا. دستويفسكي كنت متهيئاً جداً له لقراءة تصويره الفني لحالة أنثى على وشك الولادة. قرأت في مذكرات زوجته آنا غريغور أن دستويفسكي وصف مشهد ولادة أحد أبنائه في جنيف بكل ما فيه من قسوة وألم في رواية الشياطين, آنا غريغور كانت تعاني عسر في الولادة, دستويفسكي وصف هذا المشهد بكل ما فيه. انتصفت في قراءة الرواية تقريباً ولم ألحظ أي أنثى على وشك الولادة. وفجأة, وبدون سابق إنذار تظهر إحدى شخصيات العمل الفرعية, والتي قدمت كأنثى طبيعية لا وجود لملامح حمل في أحشائها, وهي تعاني من آلام المخاض. كيف دخلت هذه الشخصية على خط الرواية بكل قوة؟ هل هي الفضائح التي يعشقها دستويفسكي في أعماله أم ليحول من أفكار أحد أبطاله – شاتوف – بظهور هذا الطفل للحياة؟ كل هذا لا يهم, المهم هو هذا الكم الهائل من الفضائح التي يعشقها دستويفسكي ويصورها في أعماله بكل براعة. هذا العمل هو الثاني الذي أقرأه لدستويفسكي, وبالمقارنة مع الجريمة والعقاب, أجد أن هذه الرواية تحوي كمية هائلة من الفضائح, إما على شكل حوارات بين الأبطال, أو بالتصوير الفني. لازلت أتذكر جيداً كيف صور دستويفسكي دخول الفتاة العرجاء إلى الكنيسة بحضور كبار شخصيات البلدة. كل الحضور اتجهت أنظارهم صوب هذا المخلوق الغريب, وفجأة : “وجثت المرأة على ركبتيها وسجدت حتى لامس وجهها المخضب بالأرض, ولبثت على هذا الوضع مدة طويلة تبكي بكاءاً غزيراً”. هذا الوصف أحببته كثيراً. الشعب الروسي يعد الأرض أماً, وفي رواية الجريمة والعقاب نرى سونيا تنصح راسكولينكوف بتقبيل الأرض تعبيراً عن التوبة والتكفير :” اذهب فوراً, في هذه اللحظة نفسها, اذهب إلى مفرق طرق, فاسجد على الأرض, واتجه إلى جهات العالم الأربع جهة بعد جهة, ثم ارفع صوتك عالياً قوياً أمام جميع الناس, وقل : لقد قتلت , عندئذ سيرد إليك الإله الحياة“.

لا أبالغ إن قلت أن أكثر فصول الرواية سخرية هو فصل الحفلة. أريد أن أعرف فقط كيف صور دستويفسكي شخصيات الشياطين وهم يدخلون إلى قاعة الحفلة كمهرجين حمقى يثيرون الفوضى. في هذا الفصل سخر دستويفسكي من الكل, من سلطة الحاكم, والطبقة الأرستقراطية, والشياطين, وتورغنييف, حتى شخصية المحترم ستيفان فرخوفنسكي والذي يحبه دستويفسكي, سخر منه في هذا الفصل سخرية مريرة.

آخر فصول الرواية والمعنون بـ ” عند تيخون – اعترافات ستافروجين – يعتبر من أروع القطع الأدبية العالمية. قيمة هذا الجزء الذي لم يعترف به الرقيب وفضل حذفه من الرواية وقت صدورها مهم جداً لمعرفة روح شخصية ستافروجين, الشخصية الغريبة والأكثر غرابة على الإطلاق. من بداية الرواية إلى النهاية لم أعرف صراحة من هو ستافروجين وماذا يريد بالضبط, المفاجأة تأتي في هذا الفصل الذي يفصل حالته القلقة, وأخيراً اندهاش القديس تيخون وهو يتلقى اعتراف ستافروجين في آخر الرواية : ” يا إلهي, أني أرى .. أني أرى بوضوح أيها الشاب الشقي أنك لم تكن في يوم من الأيام أقرب منك الآن إلى ارتكاب جريمة أفظع من الجريمة الأولى! “.




غير متصل ourlibrary

  • اداري
  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 200
    • مشاهدة الملف الشخصي
الزميل kifhan

تستحق كل التقدير والشكر على مجهودك هذا وحرصك على اقتنائنا للنسخ الممتازة

ابقى كما انت رائعاً

تحياتنا