الكتابة "المريضة"
أنطلقُ في هذه المقالة من كلمة للشاعر أدونيس، وردت في بعض ما كتبه أخيراً، وهي الآتية “عندما اقرأ كتاباً باللغة العربية، يهمني أن أجد لدى صاحبه حرصاً على أن يكون في كتابه نوع من السهر على “صحة” اللغة العربية فالكتابة بلغة “مريضة” مرض آخر”.
إنني أجد في هذه الكلمة لأدونيس، إدانة “صائبة” لمعظم الكتابات العربية المعاصرة، وبالأخص الأدبية منها، نظراً إلى أن هذه الأخيرة هي المطالبة، أكثر من غيرها، بالحفاظ على صحة اللغة، لا بل بالسهر على تطويرها وإغنائها، ففي الأدب، تتنفس اللغة وتنمو وتزدهر، وفي الأدب، تكون اللغة غاية لا وسيلة، وفي الأدب، تكون اللغة هي المعنى والمبنى وكل ما يتعلق بهما أو يتفرع منهما. فكل كتابة “أدبية” إنما هي تحقق لغوي على نحو خاص، وهي ابتكار متعدد الأبعاد يتجلى من خلال اللغة، بصياغاتها المتنوعة والمتجددة على الدوام.
ومما يؤسف له اليوم، شديد الأسف، أن تكون الكتابات الأدبية المعاصرة، في معظمها، ضعيفة من الناحية اللغوية، والعمل الأدبي الضعيف لغوياً إنما هو ضعيف إجمالاً، وليس هنالك أكثر سذاجة من بعض الكتاب الذين يستخفون بهذا الأمر، فيحاولون أن يجدوا مسوغات للأعمال الأدبية الضعيفة لغوياً، أو هم لا يأبهون بقضية “السلامة” اللغوية، ثم يتجاوزون هذه القضية في تعاطيهم مع الظواهر الأدبية!
عن أية “صحة” لغوية نتحدث إذا كانت الروايات العربية التي تصدر اليوم، في معظمها مملوءة بالأخطاء اللغوية الشنيعة وبالصيغ الضعيفة والمضطربة؟ تتساءل أحياناً وأنت تتصفح إحدى هذه الروايات، حيال الأخطاء الكثيرة التي تصدمك من صفحة إلى صفحة، وأحياناً من فقرة إلى فقرة، تتساءل: لماذا يندب نفسه لكتابة رواية “شخص لا يملك الحفاظ على سلامة اللغة في حدودها الدنيا؟ ولا تجد عند ذلك ما يقنعك بمواصلة القراءة، مهما كان الموضوع أو كانت الحبكة أو كانت الشخصيات.. أو غير ذلك. ففي الرواية الناجحة ينبغي أن تكون اللغة جذابة رشيقة، لا يشعر القارئ بها، لا يتوقف حيالها ولا يفكر فيها، أما إذا كان غير ذلك، فإنها تشكل عرقلة للقارئ، بل تجعله ينزعج وينفر، ثم لا تترك له مجالاً للمثابرة، لأن طريقه ليست ممهدة، فلغة السرد السليمة الجذابة الرشيقة هي التي تأخذ بيد القارئ وتقوده برفق، فينساها وينسى نفسه في سياق القراءة الآسرة، أليست في هذه الحالة وحدها تكون الرواية ناجحة؟
وعن أية “صحة” لغوية نتحدث أيضاً في ما يتعلق بمعظم الكتابات الشعرية العربية التي تصدر اليوم؟ ما قلناه عن الرواية يمكن أن ينطبق، بهذه النسبة أو تلك، على الشعر. فكيف لنا- والحالة هذه- أن ننظر إلى ما آلت إليه أوضاعنا الثقافية بعامة؟
إن تراجع اللغة العربية، في الاستعمال، لهو أبرز مظهر من مظاهر الأزمة الثقافية التي نعيشها، وهذا التراجع يمكننا أن نلحظه في جميع المحافل والميادين، وبالأخص في مؤسسات التعليم ومؤسسات الإعلام، حيث ينبغي للغة أن تكون في أحسن حالاتها، وهذه المشكلة العامة مشكلة تراجع اللغة العربية في الاستعمال، عميقة ومعقدة ومتشعبة، ومعالجتها تقتضي خططاً تربوية طويلة الأمد، ولكن، على الرغم من كل هذا، يظل الضعف اللغوي في الكتابة الأدبية هو الأكثر خطورة، والأكثر إثارة للاستهجان والسخط، خصوصاً أن هذا الضعف بات متفشياً على نطاق واسع. إن الأدب كما أسلفنا، هو الميدان الذي يتسنى للغة فيه أن تتفتح وأن تتكيف مع كل المستجدات، وأن تتفجر طاقاتها الإبداعية، وإن السهر على “صحة” اللغة- كما يريد أدونيس- في اللغة الأدبية وفي كل كتابة من شأنه أن يحد من انتشار “الأمراض” في ثقافتنا الراهنة.
جودت فخرالدين