الـعذرا مريم والدة المسيح , والمسيح أثناء حياتهِ على الارض كان يشراََ سوياََ مثـل أي واحدِِ منا, إلا أَنَّـهُ كان إلهـاََ متجسداََ في نفس الوقت أيضاََ, وهو لم يستطع رفض أي طلب للعذراء مريم أُمـه أثناء حياته الارضية البشرية لسبب واحد , لأَنَّـهُ في حالة الرفض كان سيكون قد أخلَ في مضمون الوصية الرابعة التي تقول " أكرم أباك وأُمـك" ولو فعـل هذا لحُـسب ذلك عليه خطيئة , وإن اخطأ لم يكن ممكنـاََ لهُ أن يكمل فداء البشر , فالخاطيء لا ينفع أن يكون فاديـاََ.
فهـل يا تُـرى كانت طاعتهُ للعـذراء بطبيعته البشرية أم الالهية ؟ ولكنه كان الهاََ متجسداََ لذا قال اشعيا تدعونه عمانوئيـل " اي الله معنـا " ,فإذن وجب عليه طاعة العذراء بصفتيهِ البشرية والالهية وهو على الارض لغاية إكمال فداء البشر , فيا تُرى هل سيتنصل عن هذه الطاعة بعـد قيامتهِ ويتنكر لأُمـِهِ لأنها بشر قبل موتها وبعـده . ولكن الله وهـو إله تنازل واخذ جسداََ مثلنا ليفدينا لفرط محبتِـهِ للبشر, فهل سيكون أقل محبتـاََ لوالدتـهِ وهي بشر؟
العذراء مريم لم تكن لتخلص وتصل إلى ملكوت الله بقدرتها وقوتها هي, فقد سبق وقال الله " لا صالح فيكم ولا واحد" فإذن هي بحاجة دم الفداء لتخلص , شأنها في ذلك شـأن كل البشر بما فيهم آدم وإبراهيم والانبياء والقديسين ومن دون إستثناء لكائِـنِِ من كان من البشر أجمعين من آدم وإلى يوم الدين.
فالخلاص هو بدم المسيح الفادي فقط , وليس بغيره الخلاص فقد قال " لا يأتي أحد إلى الآب إلا بي, وانا هو طريقُ الحقِ والحيـاة"
فطلب الخلاص ممكن للجميع من دون طلب معونة العـذراء , ولكن لا يخطيء من طلب معونتهـا , فالمسيح لا يمكن ان يرفض لها طلبـاََ ولا أن يتنصـل من أن يكون لهـا إبنـاََ فالله لا زمان لهُ , ليقول عـندما كنت بشراََ أطعتُـكِ أم الآن فلا , وإن كان الزمان لا ينطبق ولا يوثـر فيهِ أو عـليهِ , فكيف سيفصل الله بين فترةِ قبل تجسدهِ واثناء تجسدهِ وبعد صعودهِ وقيامتهِ وهو لا يحده الزمن ولا ينطبقُ عليهِ.
ولكن مصيبة العقل البشري إنَّ البشر لا يستطيعون أن يتخلصوا من عقدة الزمن الذي ينطبق عليهـم , فراحوا يفصلون بين المسيح وامـه العذراء, وقالوا إن العذراء هي ام المسيح عندما كان بشراََ ولكن ليست أم الله, وكأنهم يقولون إن المسيح لم يكن عمانوئيل , أي الله المتجسد , وإن كان هو قبل أن يتنازل وان يتجسد وان تكون العذراء امـاََ لهُ فما شـأنُ البشر ليقبلوا أو يرفضوا تواضعـهُ أو أن يجدوا صعوبةََ في فهم تنازل الله وتواضعهُ , فقد قال إبليس قبلهم " ما الانسان حتى تذكرهُ وإبن البشرِ حتى تفتقده , نقصتهُ عن الملائكةِ قليلاََ وكللتهُ بالمجدِ والكرامة"
وذهب البعض منهم يتهكم حتى بالمسيح وقال مستنكراََ أن يكون الله قد تجسد وقبل جسد مثلنـا وسخر ورفض التجسد " وضحك من عمانوئيـل " الله معنـا المتجسد" وسخر قائلاََ وواصفاََ ومستنكراََ أن يكون المسيح هو الله بحجةِ السوال " كيف يكون الله متبولاََ ؟ " فقد صعب عليهِ في تفكيرهِ البشري المحدود أن يقبل تنازل الله ليقبل جسداََ مثلنـا لمحبتِـهِ لنـا , تماماََ كما حصل لابليس واستنكر هذه المحبة الالهية لبني البشر , فهم لم يفهموا سبب خلق الانسان بعـد ؟ ونسوا إنَّ الله قال" أنا قُـلتُ إنكـم الهة" ولم ولن يفهموا معنى هذهِ الكلمات ما داموا لم يفهموا سبب خلق الانسان بعـد.
نعم للعذراء حق الامومة والطاعة على المسيح بصفتيهِ الالهية والبشرية , فهو منحها هذا الحق عنـدما تنازل الله وقبل أن يتجسد وان يكون بشراََ مثلنـا , فلا تتعجبوا وتسنكروا وتسخروا من حق العـذراء بطلب الشفاعة وهبوبها لمعونـة كل من يطلب منهـا, فهي أم الله عمانوئيـل الذي عاش وجال بيننـا فالله هو هو قبل التجسد واثناء التجسد وبعـده.
ولم لا يريد طلب معونتهـا أو شفاعتهـا لا زال طريق الخلاص مفتوحـاََ فالمسيح فاتحـاََ يديـه لكل من يطلب منهِ فهو قد فـدى كل بشر يطلبُ الفـداء. لكن لا تتنكروا لامه فاحذروا إحذروا " إنَّـهُ لم يكن يومـاََ عاقاََ بوالديـهِ " .
ولينير الله عقولكم وتعرفـوا لما خُـلِـقَ الانسان , وما كان القصدُ من خلقِـهِ .... آميـن ؟
نوري كريم داؤد
10 / 03 / 2006