الفنان توما بطرس أيليا لـ " عنكاوا كوم":
أحلم بوطن يحويني
عنكاوا كوم - القامشلي – ريمون القسيعيش الفنان الكلداني الاشوري السرياني توما بطرس إيليا المعروف بأبو السبع في مدينة القامشلي على الحدود السورية التركية، قريبا من الحدود العراقية، ويعتبر من أشهر النحاتين على الخشب في سورية، تحدثت وكتبت عنه وسائل إعلام سورية كثيرة، وغير سورية أيضاً.
تناقلت أعماله الفنية في قارات العالم الخمس، فمنهم من اشتراها لتوافر عناصر الإبداع فيها، ومنهم من اشتراها وأهداها لأناس عزيزين عليه، أو مهمين.
على بعد نحو 50 متراً من مشغله، ومنزله، وعالمه الصغير تصدر رائحة الخشب والمواد اللاصقة لتخدر حاسة الشم عند أي شخص يحاول اجتياز عتبة متحف أبو السبع، فرأسماله الوحيد الخشب وآلات الحفر الحادة، و المواد اللاصقة، والغراء أو ما تعرف بــ"الباتكس والغري" عند أغلب ناس المنطقة.
يقول أبو السبع عن حياته، "إنه ذاق الأمرين وعاش الغربة في أكثر من وطن، فلا العراقيين اعتبروه عراقي كونه لا يحمل شهادة الجنسية العراقية، ولا السوريين اعتبروه سوري، فهو معروف في سورية بالعراقي مع أنه بات يتعامل مع الأمور بأنه سوري أكثر منه عراقي، فزوجته (جورجيت يعقوب) من مدينة المالكية السورية، ومن عائلة معروفة، فلها أخوين رجلا دين وهم الآن في أمريكا، ولها ابن عم رجل دين في إحدى كنائس الحسكة واسمه الأب ميخائيل"، إلا أن كل ذلك لم يشفع له.
يتابع أبو السبع حديثه من القلب وسيجارته البيضاء كلها، والفارعة الطول من نوع "جيتان الفرنسية" لا تفارق أصابع يديه الناعمتين قائلاً،" المرحوم والدي لم يستخرج لأولاده شهادات جنسية عراقية كونه لم يكن يفهم حينها، أن مجرد (كارتونة مطوية) قد تجعله عراقي، أكثر من ارتباطه العضوي بالوطن العراق، وتنفسه لهوائه، والعيش فيه لآلاف السنين التي مضت، رحل والدي من هذا العالم، ولم يفهم ذلك ابداً".
ويضيف الفنان أبو السبع قائلاً، "ولدت في العام 1953 بمدينة الموصل، وتوفي والديَّ وأنا مازلت طفلاً، فترعرعت في ملجأ الأيتام الشهير تحت الساعة الأشهر في الموصل، وكان والدي نجاراً يتعامل مع الخشب، ومع أني أتعامل الآن مع المادة نفسها، إلا أني أراها بعيون مختلفة؛ فهو كان يراها خشباً أما أنا، فأراها روحاً، وخلقاً".
حاول أبو السبع في العام 1979 استخراج شهادة الجنسية العراقية (أو الكارتونة كما يحب أن يسميها)، ولكن كل جهوده باءت بالفشل، فوصل به الأمر للتحدث هاتفياً مع نائب الرئيس العراقي، وكان آنذاك صدام حسين رئيس العراق لاحقاً، فحوله صدام وقضيته إلى المخابرات العراقية لبحث ملفه، ولم يستفد شيئاً، قد يكون لرفضه عرضهم في أن يصبح "عميلاً" لهم على حد وصف أبو السبع.
وفي غمرة الأحداث السياسية العاصفة التي كان يمر بها العراق في تلك الأيام، وأبو السبع وأخوه يطرقان أبواب مسؤولين عراقيين كثر في محاولات بائسة للحصول على (كارتونة) الجنسية العراقية، دخلوا السجن، وبعد أيام هُجِّر أبو السبع وأخوه ونحو 200 ألف عراقي لأكثر من سبب في اتجاهين قسم منهم إلى الحدود/العراقية التركية، وقسم آخر إلى الحدود العراقية/الإيرانية.
دخل أبو السبع الأراضي التركية مرتين، وفي المرة الثانية قال له أخوه في أنقرة، "دعنا نسلم أنفسنا لسفارة أوروبية أو سفارة الفاتيكان، وإذا شرحنا لهم وضعنا قد يوافقوا على لجوؤنا لدولهم"، فرفض أبو السبع قائلاً، "لا أريد، ولو أعادوني لوطني العراق مستعد أن اعمل في تنظيف الحمامات".
حاول بعدها أبو السبع وأخوه العودة للعراق، فأضاع أخوه في طريق العودة عند نقطة للحدود العراقية/التركية، ولم يستطع العثور عليه، وقادته الأقدار لدخول وطن ثانٍ ليذوق الغربة فيه من جديد.
دخل أبو السبع في العام 1980 الأراضي السورية، وكانت مدينة القامشلي في استقباله، وكان للقامشلي نكهة لم يجدها حتى في مدن العراق الكثيرة، أو المدن الكثيرة التي عبرها في تركيا، فلم يرى فيها من يعترض طريقه حتى وصوله للمكان الذي قادته إليه أقداره.
يقول أبو السبع عن هذه النقطة، "عبرت الحدود إلى مدينة القامشلي" ويشرح هنا أنها حدود بالمعنى المجازي كون لا حرس حدود ولا أمن ولا شرطة موجودة، لم يعترض طريقه أحد، فسُرَّ لهذا التسهيل الذي شعر فيه، وسأل الناس الذين صادفهم عن أقرب كنيسة، والتجأ إليها مباشرةً، وكان اسمها كنيسة مار أفرام السرياني في الحارة الغربية.
جلس أبو السبع على رصيف الكنيسة، ولم يمض دقائق حتى جاءته امرأة منزلها في مواجهة الكنيسة، وسألته عن حاله فأوجز لها محنته الطويلة، فتعاطفت معه، وأدخلته منزلها، وقدمت له ليأكل، ونام ظهر ذلك اليوم حتى صباح اليوم التالي.
أخذ زوج تلك المرأة الطيبة أبو السبع عندما استيقظ إلى رجل معروف في الجزيرة السورية، باسم "أجيدان شمعون"، فاستقبله الأخير في منزله لمدة ثلاثة أشهر وأكرمه، واضطر بعدها"أجيدان شمعون" لتسليمه للشرطة السورية ليبحثوا في وضعه، فحكمت محكمة القامشلي عليه بغرامة 500 ليرة سورية، وقررت تسليمه للهجرة والجوازات السورية ليبحثوا وضعه كونه لا يحمل أي وثائق رسمية تثبت أنه له "وطن".
ودارت به الأيام، وعظمت غربته في وطن لا يسع لرجل مثله، وسلم بعدها لمكتب اللاجئين العراقيين تحت قيادة معارض عراقي معروف في منطقة الجزيرة السورية باسم أبو مدين، والذي مرّ تحت يديه وفي سجلاته آلاف العراقيين الهاربين من وطن خانهم ذات يوم.
وبدأت أيام أبو السبع تركض بسرعة، فتزوج، وصار أباً لثلاثة أطفال، ابنتان، وولد اسمه جورج، ولكن جورج ذو الأربع والعشرين ربيعاً لم يستطع تبديل اسم والده من أبو السبع إلى أبو جورج.
وعن لقبه أبو السبع يقول، " أطلق علي أبو مدين هذا اللقب" لسبب قال عنه أبو مدين حينها"أنت قوي، وجسور كالسبع"، وبقي اسم أبو السبع ملاصقاً به لليوم.
- ما أنوع الفنون التي تعمل بها؟"عندما أمسك بيديّ الخشب الميت، اجعله ينطق، فأنا أضيف بعضاً من روحي لهذا الخشب...أنا مبدع في الخشب".
- هل أنت خريج أكاديمي لجامعة ما مختصة بالفنون، أم بدأت كهاوٍ، وانتهيت بمحترف؟-
- المرحوم والدي كان نجاراً، وكما قلت منذ قليل، كان ينظر للخشب كأبواب وشبابيك، أما أنا فعندما كنت صغيراً كنت أراقب بعيني صغير، ولكن كتحف للمستقبل، وأتحدى بأعمالي الفنان الشهير بيكاسو؛ فبيكاسو نال فرصته في بلد يعطي لأبنائه فرصاً متكافئة، وأما أنا فلم أنل فرصتي بعد.
- ما الفرق بالنسبة لك بين العراق وسورية كفنان عاش في البلدين؟- أصبحت سورية في آخر أيامي وطني الأول، فكلما أتذكر العراق أو أتابع أخباره في وسائل الإعلام لا أرَ غير الظلم لشعبه الذي طالما أحبه.
- كيف تتدبر أمورك المادية؟ وهل دخلك يعتمد فقط على بيع أعمالك الفنية؟- أتدبر أموري المادية بصعوبة، وعندما تضيق بي الحال، اضطر مرغماً لصنع أبواب، وشبابيك، وآسرة لبعض المعارف، وفي أحسن الأحوال أصنع ديكوراً من الخشب لمحلات أصحابها يقدرون فني وموهبتي.
- من أين تستوحي أعمالك الفنية من مآسي العراق الكثيرة أم من محض خيالك كفنان، ومبدع؟- استوحي أعمالي من محض خيالي كمبدع فقط.
- هل تأمل بالعودة إلى العراق؟- يسحب من سيجارته نفساً عميقاً جداً، وينفث دخاناً يخفي ورائه شيئاً بحجم وطن، ويجيبني قائلاً، "الآن، الآن فقط، لا أريد العودة إلى العراق، لأني أشعر بأنه لم يعد يريدني بعد أن قاتلت للعودة إليه".
- هل استطعت التأقلم في سورية؟- نعم، جبرت نفسي على التأقلم، كي لا أموت قهراً.
- هل ترغب في السفر لدولة ما غير العراق حالياً؟- نعم، حاولت في السنوات الأخيرة خمس مرات، ولم أفلح، أريد السفر لأية دولة أوروبية تستقبلني، فقد ضاق بي الحال لدرجة لا تتخيلها.
- ما قصة جنسية أولادك، هل هم سوريون أم عراقيون (مال الكرتونة)؟- أعيش من دون وطنٍ، فأنا في العراق لم أحمل (كارتونة) الجنسية، وفي سورية يعامل أولادي كأجانب، ومن دون جنسية سورية، ويضيف أبو السبع حول هذه النقطة، "إن الأم تحمل أولادها تسعة أشهر داخل أحشائها، فهي وطن لأبنائها، فلماذا لا يحصل أولادي الثلاثة على الجنسية السورية، وأمهم سورية أباً عن جد"؟؟ أتمنى أيضاً مقابلة الرئيس السوري لأشرح عن وضعي، فقد يساعدني في الحصول على جنسية لأولادي الذين يعانون في وطنهم الأمرين من دون جنسية.
- ما وضع هذا الصندوق الموجود في صدر معرضك، والمكتوب عليه" خاص بالفقراء"؟- يزور معرضي الكثير من الضيوف، قد لا يشتروا من عندي أية تحفة أو عمل خشبي، ولكن يضطروا لوضع شيئاً ما في ذلك الصندوق، وأنا أفتحه كل فترة وأخرى، وأسلم ماله لصندوق فقراء أقرب كنيسة.
- ما قصة التحف الخشبية الكثيرة، والرسم بالحرق لشخصية الشاعر العراقي الشهير محمد مهدي الجواهري؟- أعشق الجواهري، وعندما أصنع تحفة خشبية لشخصه، أتذكر مازلت أحيا.
- قبل أن نصل للسؤال الأخير في اللقاء الذي تمنيت أن لا ينتهي، لمحت شاباً يصلي عند الصليب الموجود على مدخل متحف أبو السبع، فسألت أبو السبع عن قصته فأجابني قائلاً، "هذا الشاب يحضر إلى هنا يوميا،ً ويصلي عند مدخل متحفي حيث الصليب، وصور القديسين"، عندها ذهبت لعند الشاب طالباً منه أن أصوره، وهو يصلي، فرفض الشاب طلبي، حاولت معه الكثير، ولكنه أصر على رفضه، وفي آخر المطاف ترجيته أن التقط له صورة واحدة فقط، ومن الخلف أي من دون أن يظهر وجهه أبداً، فأمسك يدي الملتقطتين للكاميرا ونظر إلي، وقال، "أرجوك...لا".
- وكان السؤال الأخير لأبو السبع، "لو طلب منك أمنية لتتحقق، ماذا تتمنى؟".- خفض رأسه وتمتم "وطناً، وطناً يحويني".