السياسة والدين، أيهما يقود الأخر ؟


المحرر موضوع: السياسة والدين، أيهما يقود الأخر ؟  (زيارة 2545 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل ehab2005

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 412
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
السياسة والدين، أيهما يقود الأخر ؟
الأب يوسف توما

ألقسم الأول

موضوع السياسة والدين اليوم من المواضيع الشائكة اليوم وينبغي أن نبدأ أولا بفك رموز الكلمات التي نستعملها، وهي في الغالب مترجمة عن لغات وشعوب أخرى مرّت بمثل هذه الخبرات قبلنا، وخطر الترجمة كما يقول المثل الإيطالي هي أن نخون الفكرة. فالغرب ليس حالة واحدة وإنما فقط في أوربا يوجد 52 لغة، وبين هذه اللغات الغربية تطوّر واختلافات في المفاهيم ممّا يزيد في صعوبة التطرق إلى مثل هذا الموضوع.
في القسم الأوّل إذن من هذا الاستعراض سنكتفي بشرح المفاهيم حول العلمانيّة وعلاقة الدين بالسياسة، والمسارات المهمّة خلال التاريخ وفي قسم ثاني سنعطي شرحًا لبعض الخصوصيات التي تبنتها هذه الدول الغربية من قبلنا وسارت عليها.
لو أخذنا كلمة (العلمانية) التي برزت خصوصًا في المجتمع الفرنسي بعد الثورة الفرنسيّة في عام 1789، نقول إنه مفهوم فرنسي بحت ويصعب على غير الفرنسيين أن يفهموه بدقّة فالكلمة بالفرنسية Laïcité (علمانيّة) يصعب ترجمتها إلى اللغات الأخرى، خصوصًا الإنكليزيّة، لما في تاريخ فرنسا من خصوصيّة فأصلها من  Laïcأي من ليس منتميًا إلى سلك الكهنوت، وهي لاحقًا أصبحت تعني الفصل التام بين الكنيسة والدولة. أما باللغة الإنكليزية فهذه الكلمة غير موجودة أصلا ويفضلون عوضًا عنها استعمال كلمة Secularism وهي أيضًا تعني (العلمانيّة) لكن بمعنى العالم أي كل ما يخص الدنيا. مع الإشارة إلى أن هذا التعبير موجود أيضًا بالفرنسية لكنّه لا يغطي ما أراده الفرنسيون في فصلهم بين الدين والسياسة، وفي عام 2005 أفرغ الإعلام الفرنسي مجالا كبيرًا لهذا الموضوع، وذلك لمرور مئة عام على صدور القانون الذي فصل الكنيسة عن الدولة والذي أطلقوا عليه اسم قانون 1905، وكانوا منذ عام 2003 قد بدأوا بالتفكير ومحاولة قراءة جديدة للفصل بين الدين والدولة، وتكلل بتقرير الوزير برنار ستازي Stasi الذي حاول استقراء التطبيقات العلمانية في فرنسا اليوم، وصدر في شباط 2004 قانون، تزامن مع قضيّة لبس الحجاب من قبل بعض الفتيات في المدارس الرسميّة، لكنه شمل أيضًا كل العلامات الدينية أو السياسية أو الرموز الأخرى الخاصة ببعض المؤسسات (الكيبّا) أي غطاء الرأس لدى اليهود أو الصليب لدى المسيحيين، وسرى هذا القانون في المدارس خلال السنة الدراسية 2004-2005. وبدت قرارات مثل هذه، في باقي الدول الأوربية، غير مفهومة وغير عادية.
فرنسا إذن تبدو اليوم كرأس حربة، في العالم لدراسة هذا الموضوع، وانطلاقًا منها يمكننا أن نستطلع مفهوم العلمانية في التاريخ، لذا من الضروري أن نرسم بعض الخطوط العريضة لما حدث في أوربا وعلاقة الدين فيها بالدولة.

تاريخ فكرة العلمانية


يعدّ إعلان نانتEdit de Nantes  الذي صدر في عام 1598 نهاية حروب دينيّة بين المذاهب المسيحيّة في أوربا التي دامت أكثر من 35 عامًا. فكان هذا الإعلان بداية لترسيخ فكرة التسامح، ففي فرنسا سمح للبروتستانت أن يمارسوا شعائرهم بحريّة في بلد كانت الكنيسة الكاثوليكية حتى عام 1789 متداخلة مع الحكم الملكي الفرنسي، وكانت المقاطعات الفرنسية تقرّ بسلطة رجال الكنيسة، وهذا ما يطرق عليه الفرنسيون تسمية النظام القديمAncien régime  وكان للكنيسة الحق، لا بجمع العشور من العمال فقط لكن قوّتها كانت بالمستشفيات والمدارس والرقابة وتمتلك 15% من الأراضي. إلا أنّ رجال الكنيسة كانوا ينتمون إلى طبقتين النبيلة والشعبية وغالبية كهنة الرعاية كانوا من بين الفقراء. وأدى استغلال العمال إلى قيام الثورة ضد الملكية والكنيسة، برغم أن هذه بقيت بعد الثورة برغم تبني السلطات الجديدة أيديولوجية ملحدة، إلا أن ممتلكات الكنيسة بقيت في عهدتها حتى عام 1905 فبدأت الدولة تصادر الأراضي محاولة بذلك أن تحل مشاكل اقتصادية متدخلة في تنظيم الكنسية فأنقسم رجالها إلى موافق ورافض محاولة من الدولة بإركاع الكنيسة.
من الطبيعي أن الحكومة الفرنسية والفاتيكان دخلا في مرحلة طويلة من الصراع والتوتّر ولم يجد الطرفان الحل إلا في عام 1801 عندما وقع الإمبراطور نابليون بونابرت معاهدة الكونكوردا Concordat فقبل البابا بنوع من خضوع الكنيسة للدولة ورقابتها، لكن هذه المعاهدة تعترف بحريّة الكنيسة في الشؤون الدينية وحتى إن بقيت الكنيسة الكاثوليكية كنيسة غالبية مواطني فرنسا، إلا أن نابليون أضاف اليهودية واللوثرية والكنائس المصلحة، كتنظيمات دينيّة تعترف بهم الدولة، وبرغم كون هذه الديانات الأربعة رسمية وقبلت مساعدة الدولة وحمايتها إلا أن أيًا منها لم يكن دين الدولة، بل بالعكس بدأت فرنسا ترى في الإيمان مسألة شخصية فردية، أكثر من كونها مسألة الأمّة كلها.

العلمانية وحقوق الإنسان


إن أحد نتائج الثورة الفرنسية كان تطوّرًا باتجاه صدور إعلان "شرعة حقوق الإنسان والمواطن" وكان عبارة عن قائمة مكوّنة من 17 فقرة تشمل حقوق المواطن الفرنسي كافة، وتصوّر المجلس الوطني بأن الحكومة تفسد إذا لم تحترم هذه الحقوق، ولذا أصبحت هذه الشرعة أساس كل التشريعات الفرنسية اللاحقة، وقد جاء في البند العاشر: "لا ينبغي على أحد أن يسبب إرباكًا بسبب أفكاره حتى الدينية ولا أن تكون هذه الأفكار سبب إزعاج على الصعيد العام. إن لكل مواطن فرنسي الحق بأن يتبع ديانته، وهذا في أساس مبادئ العلمانية المعاصرة، وبرغم أن كلمة  Laïcité لم تستعمل في تلك الشرعة، إلا أنها بدت بديهيّة في وثائق فرنسية أخرى آنذاك.

قانون 1905 الفرنسي


انتظروا حتى عام 1905 لإعلان مبدأ العلمانية في فرنسا، وجاءت كنهاية مطاف وتشريع وإن وصلت الأمور إلى الحد الذي وصلت إليه، فذلك بسبب تفشّي الإلحاد ووجود وزراء ملحدين عديدين، بجانب آخرين كانوا ينتمون إلى الكنيسة الكاثوليكية، فأشار الملحدون إلى تأثير الكنيسة في المدارس والمستشفيات وكان الوزير جيل فيري Ferry   في عام 1880 قد أصدر قانونا يبعد كل رجال الدين من المدارس الرسميّة لتحجيم أثرهم على النشء، وجرى تطبيق ذلك بشكل أقوى بعد عام 1902 حين أغلقت جميع المدارس وكان رئيس الوزراء وراء تلك الحركة لكنه أراد أن يتحقق ذلك تدريجيًا، وهكذا قبل رئيس الوزراء كومب Combes  في مطلع عام 1908 أن يصدر قانون هو امتداد لبعض القوانين التي سنّها بونابرت، كما احتوى، هذا القانون، فقرات جديدة يمكن اختصارها بأربع:-
1-   ليس من حق أي ديانة أن تكون مدعومة من قبل الدولة لا ماديًا ولا سياسيًا.
2-   لكل واحد الحق أن يتبع ديانة ما، ولكن لا يجبر أحد على ذلك.
3-   التربية الدينية في المدارس ممنوعا منعًا باتا.
4-   لا تستحدث رموز دينية جديدة في الأماكن العامة ولا حتى في المقابر.
إن المؤرخين اليوم في فرنسا يعتقدون بأن هذا القانون دفع الدين إلى مجال الحياة الخاصّة، فأصبحت الديانة مسألة فردية. إلا أن القانون إعترف بأن لكل مواطنين الحق في إتباع ديانة علنيّة وإن تمّ ذلك فرديًا، بشرط أن لا يزعج ذلك النظام العام.

تحدّيات العلمانية في القرن العشرين

برغم أن حكومة فيشيه (التي عيّنتها السلطات الألمانيّة المحتلة إبّان الحرب العالميّة الثانية) قامت في عام 1941 بإلغاء قانون 1905، إلا أنّ حكومة شارل ديغول أعادته بعد تحرير فرنسا في عام 1945، وبعد ذلك تعرّضت العلمانية في فرنسا إلى تحدّيات جديدة بسبب متغيّرات اقتصادية حدثت في ستينيات القرن العشرين، إذ لجأت حكومة فرنسا إلى قبول الهجرة، لحلّ مشكلة نقص الأيدي العاملة، فلجأوا إلى المستعمرات السابقة في شمال أفريقيا، كانوا في البداية يريدون ملء فراغات الأشغال الصيفية، فأعطيت تأشيرات سفر لإقامة العمال الأجانب، ولكن ليس للعوائل، وبما إن غالبية هؤلاء كانوا من دول ذات تقاليد إسلامية، لم يكن لهم تأثير ديني يذكر في تلك الحقبة حتى عام 1970.
بعد تلك الفترة قام جيل جديد، وهم أولاد المهاجرين، أصبحوا مواطنين فرنسيين بالولادة، وجدوا صعوبة في شق مكان لهم في ذلك المجتمع، ولعل بحثهم عن هوية خاصّة بهم هو الذي تحوّل إلى ظاهرة مرئيّة، كرغبة بإبراز دين ذويهم، وبين الأعوام 1970 حتى 1990 قامت السلطات أحيانًا بطرد بنات من المدارس لاتشاحهن بالحجاب في قاعات الدرس، وعدّ الأساتذة ذلك تهديد لقانون الحريّات الدينية الفرنسي، برغم أن عدد أولئك الطالبات كان قليلا نسبيًا، فالإحصائيات في عام 2003 تذكر 1256 طالبة، منهنّ فقط 20 حالة عدّت صعبة طردت أربعة منهنّ فقط من الصف. إلا أن الغالبية لم تعامل بتطبيق أعمى للقانون، إذ كانت المدارس تحاول أن تخفّف الموضوع وتتغاضى محاولة حل كل حالة على حدا، مع ذلك آلت الأمور في تموز 2003 إلى صدور قانون أعدّته لجنة الوزير ستازي، فأخذت الأحداث إتجاهًا آخر، خصوصًا عندما تداخت الأمور بين وسائل الإعلام والدولة.

الهويّة وعنف جديد بين 2003و2005

إنطلقت اللجنة التي أعدّت تقرير الوزير برنار ستازي من مبادئ تطبيق العلمانية في فرنسا، متأثرت بالتوترات التي أثارتها مسألة الحجاب، فجرى استفتاء شمل 1200 مواطنًا فرنسيًا من مختلف الأعراق والأديان والمذاهب ونشر التقرير في نهاية 2003 دعا الدولة إلى إصدار قانون يمنع الطالبات في المؤسسات المدرسية من لبس أي من العلامات الدينية أو السياسية، كما دعا الدولة إلى وضع مناسبات خاصّة للأعياد تحترم المسلمين واليهود إضافة إلى الأعياد والعطل المسيحية، وإدراج الديانة الإسلامية في المدارس. لكن الجدل في فرنسا لم يدر باسم العلمانية، فهذه العلمانية جزء من إرث هذا البلد، يرونه من وجهة نظر جديدة خصوصًا، في مطلع الألفية الجديدة. فقد أرادت الجمهورية الفرنسية أن تستحدث معنى إيجابيا للعلمانية، مبنيا على الحرية والمساواة فتكون كل الديانات، وكل علاماتها سواسية في المدارس، أما احترام الدولة للمعتقدات الفردية فقد بدا ثانويًا، إلا أن هذه المساواة لم تبد واضحة، فقد كانت فرنسا قد تغيرت منذ عقود. والذين كانوا مع الحجاب رأوا في منعه قمعًا للمرأة، لكن أصحاب الحجاب من النساء دافعن عن هذا الإختيار كحق لديهن، وبدا أن الطرفين على حق، لكن الجمع بينهما كان صعبًا، وعندما وصلت الأمور إلى الانتخابات فاز الطرف الذي طالب بمنع الحجاب فجاءت نتيجة التصويت فقط 16 ضد قانون ستازي بينما 494 كانوا موافقين، ممّا أظهر أن أغلبيّة الفرنسيين كانوا مع القانون الجديد.

النتائج السلبية

كانت غاية القانون الجديد توضيح التشريعات السابقة وإعطاء صلاحيات لمسؤولي المدارس حول صراع أثاره الحجاب ورموز دينية أخرى، لكنّ القرار وتطبيق جاءا غير واضحين فازداد اللغط، خصوصًا عندما لم تتحدّد ما هو المقصود بالرموز الأخرى، ما عدا الحجاب، فدار الحديث أيضًا عن اللحى المتروكة لأسباب دينية، وهكذا لم يتمكنوا من حل الأزمة، التي بدأت تتفاقم في فرنسا، بشكل يختلف عما حدث في بقيّة الدول الأوربية، التي حاولت، كل منها، أن تحل كل منها موقفها من سلطة الكنيسة، إن كان سياسيا أو اجتماعيا، فالقوى الدينية، وإن أساءت التصرف وإن ارتبطت مع النظم الملكية أو الدكتاتورية، وقفت في كثير من المناطق كحاجز أمام الحداثة والديمقراطية والتغيير وهكذا فازت العلمانية واستبعدت الكنيسة من المشاركة في الحكم في كثير من الدول.
مع ذلك، وبسبب هذا الماضي، وبسبب مواقف القوى الدينية، لم يكن في نية المشرّع الفرنسي أن يحجب الحرية الدينية بحد ذاتها، وهذا ما قيل أيضًا عن الحجاب، إذ لم يكن رفضه قاطعًا في كل مكان، وإنما في المدارس فقط، ومما يؤسف له أن مشكلة الحجاب، التي ارتبطت بهوية المهاجرين المسلمين، تزامنت مع تصاعد الحركات الأصولية والإرهابية في أنحاء كثيرة من العالم، وهذا التزامن أثاره أيضًا العديد من الصحفيين، وما كتب عمّا حدث في فرنسا، جعل دولا أخرى تتحذّر، بحجة الخوف من إشعال الإرهاب وإثارة العاطلين عن العمل من المراهقين الذين رأوا، أن بلد هجرة آبائهم، لا يحترم إيمانهم ومعتقداتهم، كانت البداية مع الفتيات المطرودات من المدارس، بسبب رفض خلع الحجاب، فقيل إنّ ذلك حجب للحرية التي تنادي بها بلاد الحريّة والأخوّة والمساواة (فرنسا). مع ذلك، من الطرف الآخر، مهما كانت الحرية الفرديّة مهمّة لكنّ فرنسا القديمة رأت أن الحفاظ على قانون الدولة هو الأهم، وهذا الجدل في المعتقدات يقلق الناس، خصوصًا وأن خبرة الماضي علمتهم الحذر. فوقفت فرنسا تتعكز على قانون عمره مئة سنة، لكنها وجدت نفسها أمام اختلافات ثقافية جاءت مع رياح العولمة.
سارعت بعض الدول الأخرى وأخذت مواقف أقل حديّة من فرنسا، لكن الشقّ الكبير كان في الرأي العام، بين الجماعات وهذا ما إمتدّ إلى دول عديدة، قسم منها إتجه نحو التشنج. ففي زيارة لي إلى طهران، في آذار 2005 سمعت على لسان مضيفينا ذكرَ موضوع الحجاب في فرنسا، كحرب مسيحية ضد الإسلام، فاستغربتُ وقلت: "إنها لمفارقة من مفارقات العولمة، فبعد أن كان تطبيق قانون 1905 ضد الكنيسة والمسيحيين بالذات، أصبح هذا القانون العلماني يراه المسلمون من زاوية أخرى فتحوّل بين المسيحيين والمسلمين.
كيف، ولماذا حدث هذا الزحف في التفسير، هل في المسألة قطبيّة رمزية كانت تظلل الشعوب، وما عادت تكفي لتظلل العالم كله؟
المسألة إذن مسألة لغة، واللغة تتكوّن من كلمات وبين العلمانية والدنيويّة والمدنية والزمنيّة ضاعت القوانين، وأصبحنا بحاجة لإصدار قوانين جديدة، لقرن جديد وإلا جرّتنا العولمة إلى إشكاليات كبيرة في المستقبل لا يعرف أحد نتائجها. فما ما أكثر من يضن بأن كلمة (العلمانية) هي من (العِلم) والغرب يفرضها لأنه يمتلك ناصية العلم، بينما في الحقيقة العلمانية من (العالم) الذي فقد سحره وتحوّل مركزه، وصار الإنسان الفرد فقط مرجعه، ولم يعد يحتاج إلى مرجع آخر.
إنّ ما حدث في الغرب وأخذ مائتي سنة على الأقل، وصل الشرق بأقل من ثلاثة عقود، هل يا ترى سيكون لهذه المنطقة قابلية هضم ما طبخته تلك البلاد البعيدة؟ وهل ستستطيع دولنا هنا أن تتجنب فتنة المفاهيم والكلمات؟ ففي الشرق الأوسط تعود أولى محاولات الكتابة في هذه المواضيع إلى الحرب العالمية الأولى، وكانت محصورة في النخبة مثل المصلح جمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبدو وشكيب أرسلان ومصطفى السباعي وغيرهم، هؤلاء اليوم أصبحوا أيضا في زمن بعيد لم يعد يغذّي الأجيال الصاعدة.         
 
القسم الثاني
علاقة الكنائس والدولة في بعض دول الاتحاد الأوربي
مقدمة
إن علاقة الكنائس بالدولة مبدئيا مسألة معقّّدة ومتطوّرة كما يشهد لها تاريخ أوربا المسيحية الطويل وتاريخ أوربا ما بعد المسيحية القصير والمتسارع، يجدر بالتالي أن نحدد أن هذا التعقيد يتعلق كثيرًا بالمفهوم الذي تعطيه عن نفسها الأديان وهذا يؤثر بالتالي على علاقتها بالدولة.
فعلاقة الكنيسة الكاثوليكية مع الدولة لا يمكن أن تكون من نفس الطبيعة التي لكنائس حركة الإصلاح أو من تلك التي فيها طابع قومي (كالكنيسة الأنكليكانية أو الكنائس اللوثرية أو الإسكندنافية) أو الكنائس ذات الطابع المحلي (كالكنائس المصلحة)(1) كما يبيّنه وصف قصير لمسار وواقع هذه الكنائس في هذا المقال بخصوص بعض الدول في الاتحاد الأوربي يمكننا أن نشير، على وجه الخصوص، إلى عدة أشكال من العلاقات:-
 - الشكل الكاثوليكي الذي يعتمد المعاهدة (كونكوردا) مثل أسبانيا وإيطاليا. وشكل الدولة- القوميّة، مثل إنكلترا والدانمارك، ونضيف إلى هذه الأشكال الكنسيّة السياسيّة طابع الأفكار الليبرالية الآتي من القرن 19 والتي حددت نماذج خاصة للفصل بين الكنائس والدولة. وفي هذا المجال هناك نوعان يثيران الإهتمام: النوع الليبرالي البلجيكي والهولندي والنوع العلماني الفريد الذي تبنته فرنسا.

نظام الشكل الكاثوليكي للمعاهدة بين الدولة والكنيسة (Concordat):

أسبانيا


جرى على علاقة الكنيسة الكاثوليكية بدولة إسبانيا إعادة صياغة منذ قدوم الملكية الدستورية قبل ثلاثة عقود، ووضعت نصوص تستحق الذكر: دستور عام 1978 فيه اتفاقيات صادقت عليها كل من الدولة الإسبانية والفاتيكان. وقانون عام 1980 حول الحرية الدينية.
حدّد دستور 1978 فصل الكنيسة عن الدولة بشكل سلبي. لا يوجد ديانة للدولة. لكن يوجد شكل إيجابي من الفصل يعتبر الظاهرة الدينية ويشجع ممارسة الديانات مشدّدًا على المكانة الخاصّة للكنيسة الكاثوليكية.
في خلفيّة مسار هذا الفصل بين الكنيسة والدولة ينبغي أن نرى وجود إرادة تتّفق على تجاوز الصراعات القديمة التي أدّت إلى تصادم رجال الكنيسة مع المناهضين لهم، وكان ذلك في النصف الأوّل من القرن العشرين، لكن الكنيسة الكاثوليكية تقف إزاء الدولة بمفهومها اللاهوتي حول الكنيسة بأنها تتجاوز مسألة القوميات في اسبانيا، وتتبع روح الإتفاقيات الدولية والمعاهدات قومية.

إيطاليا

تشكل المعاهدة الإيطالية الجديدة في الواقع عدّة معاهدات، وقد وقعت الأخيرة منها بين الدولة الإيطاليّة والفاتيكان في عام 1984، ومن ضمن هذه المعاهدات ألغي مبدأ "الكثلكة ديان الدولة"، وكذلك لا تقوم الدولة بدفع أجور لرجال الدين، ولكن هناك مشاركة حرّة ترتبط بحسم في الضرائب لما يعطى للكنيسة.
مع ذلك هناك اعتراف بأن الطرفين يسعيان إلى رفع شأن الإنسان ومصلحة البلد، فتحدد المعاهدة "مبادئ الكثلكة كجزء من الإرث التاريخي للشعب الإيطالي"، وأن تعليم الديانة المسيحية يعطى في المدارس الحكومية، لكن مع سيطرة الكنيسة على مناهج هذا التعليم، لكنه يخضع لضوابط الدولة. وأخيرا تتمتّع الزواجات الدينية دائما بقيمة رسميّة. لذا يمكن القول بأن المعاهدة الجديدة تعترف بالتحولات الحاصلة في المجتمع الإيطالي، وخصوصًا إلغاء مفهوم "الكثلكة دين الدولة"، وكما الأمر في أسبانيا، تأخذ المعاهدة الدولية بين الدولة والكنيسة بعين الاعتبار إتفاقية اللاتران بين إيطاليا والفاتيكان لعام 1929، أي إن ما حدث كان تنقيحًا عليها.

نظام الشكل العمودي (piliariste)

بلجيكا

إن نظام العلاقة بين الكنائس والديانات والدولة في بلجيكا معروف تحت اسم "الفصل والاعتراف": الفصل يعني أن هناك استقلال مشترك بين المؤسسّتين، لكن العبادات معترف بها، أي أن الطقوس الكاثوليكية والبروتستانتيّة (منذ دستور عام 1851) والأنكليكانية (منذ 1835) والإسرائيلية أي اليهودية (منذ 1870) والإسلامية (منذ 1974) والأورثوذكسية (منذ 1985). كما أن كل خدام الطقوس معترف بهم وكذلك مرشدي الجيش والمستشفيات والسجون، ولكل هؤلاء تدفع الدولة رواتب، وكذلك الأمر مع تعليم الأديان، برغم كونه تحت مسؤولية الكنائس، تقوم الدولة بتمويله.
ومنذ عام 1970 صارت مراجعة للدستور فسمحت الدولة، لبعض الجماعات الفلسفية وغير المذهبية أيضًا بهذه الإمتيازات. ومنذ 1991 هناك تمويل يمنح للتيار العلماني أيضًا، لأنّ الاعتراف بهذه التيارات كمؤسسات يبرره نظام تنظيم وحماية يدعى (piliariste) أي العمودي، يسمح لأي تيار ديني أو فلسفي أن يكتفي بذاته في المدارس والمستشفيات والنقابات والأحزاب السياسية... الخ . لكن في الواقع الطرف الكاثوليكي هو وحده يملك مؤسسة متكاملة، لأنه يتحمّل مجمل خدمات الجماعة وهذا النظام قائم منذ إعلان استقلال بلجيكا في عام 1830 من هنا جاء تعبير نظام الفصل والإعتراف على أثر اتفاقيات عقدت بين الحزب الليبرالي والكاثوليك.
أما الأراضي المنخفضة (هولندا) فقد قامت منذ مراجعة دستور عام 1983 بحذف كل إشارة إلى الديانات في هذا البلد، ماعدا مبدأ الحرية الدينية. وهذا يعني وجود تعليم للأديان والحق بالتعليم الديني في المدارس العامة، ولكن قبل بضعة عقود كانت هولندا تتبع النظام العمودي (piliariste) بشدّّة، وهذا بين الأعوام 1920 وحتى 1960 إذ كان يُعترف بالبروتستنت والكاثوليك وذوي النزعة الإنسانيّة (Humanistes). لكن هذا النظام في هولندا كان يختلف عما هو في بلجيكا، التي دأبت إلى تهدئة الصراعات التي قامت في القرن 19، فقبلت بالانقسامات المذهبية. لكن هذا النظام الذي كان في هولندا أيضًا تزعزع بسبب تطوّر المجتمع الهولندي، فأصبح الذين لا يعترفون بانتمائهم إلى أي دين كثيرين جدًا بحيث ألغي النظام العمودي (piliariste) هناك منذ بداية الستينيات وأعيد تثبيت ذلك لدى مراجعة الدستور في عام 1983.

نظام الدولة القوميّة

إنكلترا

في إنكلترا كنيسة نظامية، أي إن الكنيسة تتمتّع ببعض الحقوق المقرّة وهي تخضع لعدد من المسؤوليات، فرئيس إنكلترا هو الرئيس الأعلى للكنيسة والمدافِع عن الإيمان، ولدى الأساقفة من يمثلهم في مجلس اللوردات، كما تشارك الجماعات الكنسيّة في المؤسسات التشريعية في المملكة. مقابل ذلك يسيطر البرلمان على الكنيسة الإنكليزية، في تحديد الطقوس وتعيين الشخصيات الكنسيّة، وخصوصًا رئيس أساقفة كانتربري وهو الرئيس الأعلى لكنيسة إنكلترا، وللشركة الأنكليكانية في العالم، يقوم رئيس الوزراء بتثبيته مع كنيسة إنكلترا. لكنّ هذا  لا يعني أنها كنيسة دولة، لأنها لا تشكل جناحًا خاصًا، والكنيسة مسؤولة عن أموالها ورعاتها ولا تتمتع بدعم الدولة، وليس لديها بالمقابل أي امتياز في التعليم.

الدانمارك


تتمتّع الكنيسة القومية اللوثرية "كما هي، بدعم الدولة" بحسب تعبير الدستور. يديرها، باسم الملك وزارة القضايا الكنسيّة، والسلطات التشريعية والقانونية في الكنيسة اللوثرية، تمنح لها من قبل البرلمان والمحكمة الدانمركية العليا. ولا تتمتع الكنيسة بأي تنظيم مركزي مستقل. إذ لا يوجد سوى جماعات محليّة وأبرشيات أمّا الأشخاص الكنسيون (الرعاة والأساقفة) فيعترف بهم كموظفين. من جهة أخرى تشكل الضرائب الكنسيّة جزءًا من ميزانية الدولة. مع ذلك يسمح عدم الإنتماء إلى الكنيسة الوطنية، إذا ما أعلن ذلك، وبهذا يعفى المرء من تلك الضريبة. ويعود إلى الكنيسة اللوثرية مسؤولية سجلات النفوس والدفن، وهناك حالة شاذة تستحق الملاحظة فمنذ عام 1969 منحت الدولة صلاحيات السجلات المدنيّة للزواج إلى رجال دين لـ  11 ديانة معترف بها في الدانمارك.

النظام المذهبي

ألمانيا

القانون الأساسي لعام 1949 يطلب حياد الدولة في ما يخص الديانة، أي أن لكل كنيسة الحق باستقلالها وتنظيم ذاتها وأن لديها حماية طقوس عبادتها ونشاطاتها الخيريّة. وهذه تنتظم باتفاقيّة بين الدولة الفدرالية وبين المقاطعات والكنائس (أما الكنيسة الكاثوليكية، فهناك بينها وبين الدولة معاهدة تحدّد ما يخصها).
وتتمتّع الكنائس بنظام تعاقد في الحق العام، وبهذا تستفيد من جزء من ضريبة الدخل، وهي تعمل كطرف مهم في ألمانيا. أي إن وجود الكنائس والتعليم الديني إجباريان، إلا إذا صدر إعفاء خاص من ذلك. وتسيطر الكنائس على شؤونها وتشارك في المؤسسات التي تنظم طقوس المقاطعات والراديو والتلفزيون وتنشئة الشرطة ولديها تمثيل رسمي في الحكومة الفدرالية. نلاحظ أخيرا، أنه بحسب دساتير كل مقاطعة، أن التعاون والفصل بين السلطات المدنية والدينيّة متفاوت بحسب المناطق.

النظام العلماني

فرنسا

فرنسا هي الدولة العلمانية الوحيدة من الناحية القانونية، بحسب قانون 9 كانون الأول 1905، الذي يسمى قانون الفصل بين الكنائس والدولة. ويجدر بالذكر أن في هذا القانون عدد من القرارات الليبرالية: إحترام حرية الضمير، حرية ممارسة العبادات، إحترام التنظيم الداخلي للكنائس والديانات الأخرى، وضع بنايات عامّة مجانيّة تحت تصرف الجماعات الدينيّة … الخ.
مع ذلك خلافًا لما هو الحال في بلجيكا، لا تعترف الجمهورية الفرنسية بأي مذهب ولا يوجد فيها من يتمتّع بالأموال العامّة، ما عدا بعض الخدمات الدينية الخاصّة (كمرشدي الجيش). فالديانة مسألة اختيار فردي، وهي موضوع خاص، لذا لا يجب أن يكون في المؤسسات العامّة للدولة أي علامة دينية، وقد جرى لهذه الخصوصية الفرنسيّة إعتراضات كثيرة من قبل الكنيسة الكاثوليكية (1)، هذا الاعتراضات دامت من 1905 وحتى انتهت باتفاقية 1923، وصار قبول السلطة الكاثوليكيّة لمبدأ العلمانيّة في عام 1945، وللدستور في عام 1946 ، الذي يجعل من فرنسا جمهورية علمانية ويحدّد بأن: "تنظيم التعليم العام المجاني والعلماني يشمل على كل الطبقات كواجب من قبل الدولة"، أما دستور عام 1958 فيؤكد هذه الإجراءات الدستورية ويضيف بأن الجمهورية تحترم كل المعتقدات.
هكذا عبرت فرنسا من العلمانية "الفاصلة" في عام 1905 إلى "العلمانية المركِّزة على الحياد، فيما يخص الديانة وذلك حدث بين عامي 1946-1958. وتطوّر هذا التيار في السنوات الأخيرة مؤكدًا أكثر فأكثر العلمانية، ومركزًا بشكل خاص ومتعمَّد على الحرية الدينية لجميع المواطنين، ويشهد لذلك ثلاثة:
-   قانون ديبري لعام 1959.
-   وقد أكمِل بقانون ديرمير في عام 1977 والذي يعيد تأكيد العلاقات بين الدولة والتعليم الخاص. وخلق لجنة إستشارية ووطنية فيما يخص الأخلاق (في عام 1983) وفيها يذكر بضرورة احترام التقاليد الروحية والفلسفية وإمكانيّة كلّ منها في إعطاء رأيها بما يخص القضايا الأخلاقية.
-   وأخيرا عاد الجدل فيما يخص تطوّرات حول تعليم الظاهرة الدينية، جاء ذلك خصوصا في تقرير ديبري لعام 2002 حيث يعيد الاعتبار للتحرّك التدريجي نحو مفهوم يوفق ويحفظ كلا من العلمانية والحرية الدينية.

خاتمة

كما يمكن أن نلاحظ، هناك تنوّع في المفاهيم بين الدين والسياسة، أو في العلاقة بين الكنائس والدولة، وهذا واضح خصوصا في الدول التي تشكل اليوم الإتحاد الأوربي. لكننا نعترف بأن حدود هذا المقال لا تسمح لنا، بالتعمّق في جميع الأبعاد خصوصًا حالة الكنيسة الأرثوذكسية في اليونان، إذ إنها حالة جديرة بالدراسة، إلى جانب ذلك حالة الدول الأخرى التي ستدخل عن قريب في الإتحاد الأوربي. ولكن، مع ذلك، وبرغم التنوّع الكبير، لا يوجد إنغلاق أو تطرف على خبرة جهة معينة خاصة لدي أي من الأمم الأوربية، فهذه تعدّ مسألة داخلية وخصوصيّة للمسيحية ولتاريخ أوربا منذ القرون الخمسة الأخيرة.
من ناحية أخرى لا يمكن لبناء إتحاد أوربي إلا أن يشجّع التطور بشكل آخر، أي في اتجاه نظرة أقل إنتماءً إلى الكثلكة، حيث شكل هؤلاء، من الناحية التاريخية الغالبية، ولن يكون التطوّر في اتجاه نظرة أقل ضيقًا نحو القومية أو الأمة، من قبل كنائس الدول الأخرى، أو تلك التي تعدّ نفسها كنيسة وطنيّة، لتجنّب نظرة أقل ضيقًا فلا يصبح أحد سجينًا للذين يتبنّون مبدأ العواميد أو العلمانية المتحدية، خصوصا الكنائس أو الديانات الأخرى. الموضوع إذن مفتوح وهو حقل واسع للمستقبل وما يخفي.

الأب الدكتور يوسف توما مرقس
دكتوراه في اللاهوت (من جامعة ستراسبوغ)
ماجستير في الأجناس البشريّة (من جامعة نانتير، باريس 10).
صدر هذا المقال في جريدة الأديب الثقافية في العدد 109  8 آذار 2006[/b][/size][/font]