هل يُصلح الجعفري اليوم ما خربه بالأمس؟
د. سعدي المالح
باعتقادي، أن الدكتور إبراهيم الجعفري، رئيس الوزراء العراقي المنتهية رئاسته لا يصلح لأن يكون من جديد رئيسا لوزراء العراق، مع كل احترامنا لشخصه الكريم ومكانته العلمية ودوره السياسي.
نقول هذا ليس لأن قائمة التحالف الكردستاني رفضته، مهما كانت مبرراتها، وإنما لأسباب أخرى كثيرة لها وطيد العلاقة بالواقع العراقي ككل وليس الكردي وحده.
خلال سنة من قيادته دفة الحكم في العراق، أخفق الدكتور الجعفري في معالجة أهم القضايا التي جاء من أجلها، والواقع الذي نعيشه اليوم أكبر شاهد على ما نقول:
الوضع الأمني ازداد سوءاً، وما يزال يتدهور يوما بعد يوم على الرغم من تدريب وتخريج عشرات الآلاف من قوات الشرطة العراقية، وتشكيل وحدات مهمة من الجيش العراقي الجديد. لا بل انتقل القتل والخطف والاعتداء من الانتقام من هؤلاء "المتعاملين مع الجيش الأمريكي" وقوات الشرطة وبعض الدبلوماسيين الأجانب، والمسؤولين العراقيين إلى المواطنين الأبرياء والساحات العامة ليطال تخريب الكنائس والمساجد والحسينيات ومراقد الأئمة ثم تحول إلى نوع من القتل الطائفي على الهوية.
الرشوة والمحسوبية والمنسوبية والسرقات والفساد الإداري تفشى أكثر من السابق في دوائر الدولة والمؤسسات العامة والمجتمع العراقي ككل بحيث أصبح بعضه مكشوفا من دون أن تطاله يد رقيب أو حسيب.
الخلافات الطائفية تعمقت إلى درجة كبيرة في ظل حكومته، واصطبغت معظم المؤسسات التي تقاد من قبل ائتلافه وأنصاره بصبغة طائفية بحتة إن كان ناحية التوظيف أو من ناحية طبيعة عملها حتى أصبحت شعاراتها الطائفية" البراقة" تفرض وتعلق دون حياء على دوائر الدولة ومؤسساتها التي هي ملك لجميع العراقيين.
الوضع الاقتصادي بقي على حاله إن لم يكن قد ازداد سوءا، والوضع المعاشي للمواطنين في تدنٍ مستمر، إضافة إلى هذا الماراثون اليومي في البحث عن الغاز والنفط والكهرباء وغيرها من الضروريات الحياتية.
وهنا قد يتساءل القارئ: إذن لماذا فاز الائتلاف الشيعي مرة ثانية وانتخب الدكتور الجعفري لرئاسة الوزراء مرة أخرى؟
نقول ان الائتلاف فاز بالفعل، لكن بنسبة 15 % أقل من السنة الماضية، وهذا مؤشر على تخلى جزء من مؤيديه له. والدكتور الجعفري هو الآخر فاز داخل الائتلاف لكن بفارق صوت واحد عن منافسه عادل عبد المهدي بعد "صفقة" التأييد التي عقدت مع ممثلي التيار الصدري.
وفوز قائمة الائتلاف العراقي الموحد (الشيعي) جاء مثل فوز غيره من القوائم (كردية وسنية وغيرها) ضمن أجواء طائفية- قومية ملتهبة أفرزتها التحولات الجديدة في العراق، وأذكتها مرجعيات طائفية- دينية وقومية في محاولة للحصول على نصيب الأسد من الكعكة العراقية التي رفعت عنها اليد الدكتاتورية المقيتة. وأيضا في ظل ضغوط وتدخلات إقليمية ودولية نتلمسها جيدا.
ومن المعروف أن جميع الأحزاب العراقية ليست عراقية بمقاييس الامتداد الجغرافي والانتماء العرقي والطائفي المتنوعين، وحتى الحزب الشيوعي العراقي الذي كان يمثل الأطياف العراقية على اختلافها قوميا ودينيا وطائفيا لم يعد حزبا من هذا النوع بعد استقلال الحزب الشيوعي الكردستاني عنه.
بناء على ذلك لا الائتلاف العراقي الموحد الفائز بأكبر عدد من مقاعد البرلمان يمثل العراقيين جميعهم ولا الأحزاب الفائزة الأخرى تمثل العراقيين جميعهم. كل حزب يمثل طائفة أو قومية، أو لنقل توجها سياسيا فيها، لكنه لا يمثل سائر القوميات أو الطوائف أو التوجه السياسي لعدد أكبر من العراقيين بأطيافهم المختلفة.
ولهذا يكون من الأفضل عدم الاستناد على الاستحقاق الانتخابي وحده في تشكيل الحكومة الجديدة. إنما الأخذ بنظر الاعتبار تطلعات مكونات الشعب العراقي مجتمعة ومشاركتها البناءة في الحكم لأن ذلك لا يترك أحدا يشعر بالغبن والإبعاد عن العمل السياسي في هذه المرحلة التي نحن بمسيس الحاجة فيها إلى لم شمل الجميع وجعلهم ينخرطون في العملية السياسية السلمية.
إن حكومة بمثل هذه الموازين حتى إن ترأسها عضو في حزب الأكثرية البرلمانية، أقصد الائتلاف العراقي الموحد، ينبغي أن يكون، وقبل كل شيء، رئيسا لوزراء كل العراقيين ويحظى بقبولهم وليس فقط ممثلا لقائمته الانتخابية.
والسيد إبراهيم الجعفري لم يحظ بمثل هذا القبول، ولا كان يمثل كل العراقيين من خلال عمله رئيسا للوزراء خلال السنة الماضية، ولهذا ليس بإمكانه أن يصلح اليوم ما خربه بالأمس، لأنه أفشل تجربته وتجربتنا الديمقراطية الوليدة. فلماذا لا يجرب الائتلاف غيره ويختار سياسيا أكثر حنكة وتفتحا وبراغماتية يضع نصب عينه مصلحة العراق برمته وليس مصلحة جزء منه فيقود التجربة من نجاح إلى نجاح ويطورها بما فيه مستقبل الوطن وفائدة الجميع.
[/b]