نحو تدويل قضية الكلدان كان الأمل كبيراً بعد التغير الذي حصل في العراق بسقوط الصنم بأن يعود البلد الى الحالة الطبيعية المنشودة و يسوده القانون و تعم فيه الديمقراطية و تتساوى فيه حقوق جميع ابناءه بغض النظر عن دياناتهم و مذاهبهم و قومياتهم . وخاصة بعد ان عانى جميع العراقيين من عرب و كورد و كلدان و تركمان وغيرهم من جرائم النظام السابق التي شملت القتل و التهجير و كبت الحريات ومصدرة حقوق المواطنين، ليصبح الجميع ضحايا هذا النظام الدكتاتوري الشرس.
لذا فالأمر كان مستبعداً من الضحية (التي ذاقت ويلات و مرارة الدكتاتورية و عانت الموت تحت يدها الحديدية) من ان تنمو فيها مشاعر حب التسلط و السيطرة على الآخر عندما تسنح لها الفرصة، لتتحول الى دكتاتورجديد يفكر بعقلية المتعالي و النظرة الفوقية على شركاءه في الوطن ، لكن يبدو بأن بعض المتنفذين في الاحزاب الكوردية و اصحاب المناصب الرئيسية في حكومة الاقليم لهم نظرة مخالفة للموضوع ، حيث محاولاتهم المستمرة في الغاء و تشويه التسمية القومية الكلدانية في دستور الاقليم ، مكلفين القيادي في الحزب الديمقراطي الكوردستاني و وزيرالمالية السابق في حكومة الاقليم السيد سركيس آغاجان لتنفيذ هذا المخطط من خلال قيامه بتأسيس ما يسمى المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري و الذي انفق عليه ملايين الدولارات من اجل كسب بعض السذج و المعوزين ليتم استخدامهم في مشروع الغاء التسمية القومية الكلدانية من دستور الاقليم تحت ذريعة المشاريع السياسية المستقبلية الوهمية.
و بعد فشل المجلس المذكورمن تمرير مخططه نتيجة لإنفضاح نواياه واهدافه الحقيقية للجميع ، و كرد فعل طبيعي لإفشال المؤامرة المحاكة ضد الكلدان، اعلن الكلدان من خلال مؤسساتهم السياسية رفضهم لأية تسمية دخيلة تشوه تسميتهم القومية ، و طالبوا البرلمان الكوردستاني بتثبيت القومية الكلدانية في دستور الإقليم اسوة بما هي عليه في دستور دولة العراق الفيدرالي:
حيث وقعت الاحزاب الكلدانية كلها على هذا البيان، انظر الرابط ادناه:
http://www.chaldeanparty.com/forum/showthread.php?p=1470كما ابت الكنيسة الكاثوليكية للكلدان ان تبقى ساكتة على هذه المحاولات الرامية الى تشويه القومية الكلدانية العريقة والتي تمتد جذورها الى اكثر من 7300 سنة ، و التي جاء ذكرها 84 مرة في الكتاب المقدس، فكان بيان مجمع اساقفة الكنيسة الكلدانية بتاريخ 5/5/2009 ، والذي يؤكد تمسكهم الراسخ بقوميتهم الكلدانية و ان تدرج في دستور اقليم كردستان بصورة مستقلة كما هو عليه في دستور العراق الاتحادي ، لاحظ الرابط ادناه:
http://www.chaldeanparty.com/forum/showthread.php?p=1468و ايضاً ارسلت عشرات الرسائل من منظمات و مؤسسات كلدانية حول العالم الى رئاسة الاقليم و برلمان كردستان يطالبونهم بحقهم في درج تسميتهم القومية في الدستورإسوة بباقي القوميات الاخرى في الاقليم.
بعد كل ما ابدوه الكلدان بمؤسساتهم السياسية و الدينية و كتابهم و مثقفيهم من اصرار و تمسك بقوميتهم واعتزازهم بها ، ومطالبتهم بدرجها مستقلة دون تشويه في دستور الاقليم كحق شرعي من حقوق الكلدان اسوة بباقي القوميات الاخرى المتعايشة على ارض الاقليم ، يبدو بأن رئاسة حكومة اقليم كردستان لم تستجيب لمطاليب الحق ولم تضع اي اعتبار لبيان المطارنة الكلدان الأجلاء ولا لبيان الاحزاب الكلدانية و الهيئة العليا للتنظيمات الكلدانية! ، و اصدرت اوامرها الى اتباعها في البرلمان الكوردستاني لإقرار تسمية حديثة مركبة لاقدم شعب في الوجود .
هكذا اذاّ فالمسيطرين على زمام الامور و دفة الحكم في اقليم كردستان بدأوا اليوم بالعمل مباشرة ودون الحاجة الى وسيط مسيحي لتنفيذ هذه المهمة ، لأنها تنصب في مجرى ما يصبون اليه للمستقبل و الذي سيكشفها الزمن القريب.
لماذا تعمل القيادة الكوردية على الغاء التسمية القومية الكلدانية؟ كما هو معلوم بان الكلدان لم يقفوا يوماً ضد تطلعات الشعب الكوردي في نيل حقوقه القومية و في تقرير مصيره ، بل كان الكلدان دائماً الى جانب اخوتهم الكورد و انخرط الكثير منهم و لا يزال ضمن الأحزاب الكردستانية و كانت لهم مواقف شجاعة و بطولية في مقارعة الأنظمة الدكتاتورية المتعاقبة على حكم العراق، سجن منهم الكثيرين و استشهد منهم اعداد كبيرة ، وعثر على رفاة البعض الآخر في المقابر الجماعية بجانب رفاة اخوتهم الكورد لمساندتهم و دعمهم لحركة التحرر الكردستانية.
فإذا كان الكلدان كما ذكرنا بأنهم لا يقفون ضد تطلعات و خيارات الشعب الكوردي في تقرير مصيره ، ويعتزون بتسميتهم القومية و اعلنوا امتعاضهم ممن يعمل على تشويهها و مسخها و ربطها مع تسميات اخرى تحت حجج واهية ، و اذا كان الكورد من خلال قياداتهم السياسية و حكومتهم يعلنون عن بناء اقليم يسود فيه المساواة و حكم القانون و حقوق الانسان و الديمقراطية ،إذن اين تقف تلك القيادات من هذه الطروحات و الشعارات اذا كانت عملياً تقوم على تشويه اعرق قومية عرفها التاريخ وهي القومية الكلدانية ان لم يكن هذا العمل نابع من افكارعنصرية و نوايا مبيتة ؟.
و استلمنا مؤخراً الجواب بعد ان تم المصادقة على دستور اقليم كردستان بما فيه التسمية الهجينة المركبة و الغير حقيقية.
لكن هذا لا يعني بأن الكلدان سيسكتون على هذا الفعل الغادر و اللاحضاري في اهانة قوميتهم و الغائها من الوجود و كأننا نعيش سنوات العصور الوسطى، بل عليهم دراسة كل الخيارات المتاحة امامهم في الدفاع عنها واحقاق الحق بشأنها.
الخيار الأمثل ، تدويل قضية الكلدان للكلدان اليوم قضية ، و على الكلدان أفراداً و مؤسسات تقع مسؤولية هذه المرحلة المهمة في تاريخ امتهم في العمل الجاد من اجل قضيتهم و ايجاد حل مناسب و مشرف لها.
و قضية الكلدان لهذه المرحلة تتلخص في ان تكون قوميتهم مصانة في دستور العراق وأقاليمه ، دون دمجها او جمعها قسراً مع قوميات او طوائف اخرى ، و ان تضمن لهم الدساتير حقوقهم كافة بوضوح كشعب اصيل ، و ان يكون لهم الحق في تقرير مصيرهم و مستقبلهم بنفسهم دون وصاية من احد.
و مادام اخوتنا في حكومة كردستان بدأوا بصادرة حقوقنا و يعملون على تهميش دورنا و الغاء قوميتنا و الوقوقوف ضد ارادتنا مناقضين بذلك ما اقره دستور العراق الفيدرالي، فالخيار الافضل و الانجح امام الكلدان ـ و ربما الوحيد في هذه المرحلةـ هو تدويل قضيتهم من خلال طرحها على حكومات وبرلمانات دول العالم المختلفة و على منظمات حقوق الانسان العالمية و هيئة الامم المتحدة و الفاتيكان.
و آلية هذا الخيار متوفرة و قابلة للتنفيذ و المباشرة فيها خلال مدة قصيرة طالما للكلدان امكانيات بشرية و مادية و مؤسساتية جيدة في أمريكا و اوروبا و استراليا والتي يمكن استثمارها لخدمة القضية الكلدانية في الوطن .
و من الوسائل المتاحة حالياً للعمل نحو هذا الهدف:
1- تنظيم مظاهرات سلمية امام السفارات العراقية و ممثليات اقليم كردستان في كافة انحاء العالم و تبيان الظلم الذي لحق بهم جراء الغاء قوميتهم في دستور الاقليم.
2- اصدار البيانات الاستنكارية حول ما يجري من تهميش لحقوق الكلدان و سلب لإرادتهم في دستور اقليم كردستان ، وايصال هذه المعاناة الى حكومات وبرلمانات العالم.
3- عقد ندوات حول الموضوع في كافة انحاء العالم لتعبئة ابناء الشعب الكلداني بصورة خاصة و العراقي بصورة عامة لدعم هذه الحملة.
4- قيام الكتاب و الادباء الكلدان بدور استثنائي لشرح ابعاد القضية و خطورة الغاء التسمية القومية الكلدانية على مستقبل و وجود الشعب الكلداني في ارض الوطن وذلك من خلال كتاباتهم و لقاءاتهم في وسائل الاعلام المختلفة.
5- الاتصال بالمفكرين والمثقفين و الكتاب العراقيين من الكورد و العرب من المعروفين بحياديتهم و دفاعهم عن حقوق الانسان و مطالبتهم بالتعاون الجاد مع مطاليب الكلدان المشروعة.
6- اتصال رئاسة الكنيسة الكلدانية في العراق بقداسة البابا في الفاتيكان حول الموضوع و حثه على اصدار بيان بهذا الخصوص.
7- ارسال خطابات و بيانات رسمية حول القضية الى منظمات حقوق الانسان و الامم المتحدة.
8- تقديم شكوى الى المحكمة الفيدرالية العراقية حول الموضوع ، كون ما اقره برلمان كردستان يناقض المادة 125 من دستور العراق الفيدرالي.
سعد توما عليبكsaad_touma@hotmail.com