كنيسة العرب
د. ميشال سبع
وُجد المسيحيون في المنطقة الشرق أوسطية وتحديدا في انطاكية وبلاد الشام قبل مجيء الإسلام، أما السكان فقد وجدوا قبل مجيء الهجرات العربية، وبالتالي فقد كانوا مواطنين اتنياً ومورفولوجياً وديموغرافياً قبل بدء التاريخ الجلي.
وعندما أتى العرب تصاهروا مع السكان طوعاً وقسراً وصاروا متلاحمين معهم خصوصاً أن السكان الأصليين أخذوا اللغة العربية خلافاً لمنطق التاريخ عند ابن خلدون وذلك لأن اللغة العربية تحمل معها تراث الحماسة والشعر من ناحية، ومن ناحية أخرى لأن أهل المنطقة بسبب إنفتاحهم الثقافي سرعان ما تأقلموا مع القادمين وتفاعلوا مع لغتهم.
وعندما أتى الإسلام لم يجد صعوبة كبرى في الإمتداد الثقافي المتصل مع الإمتداد السياسي. وبرغم أن المثقفين الانطاكيين كانوا يتكلمون اللغة السريانية واليونانية على حد سواء إلا أن اللغة العربية تمازجت أكثر مع السريانية بسبب تقارب الجذور اللفظية والحروف السامية المشتركة وقد تجلى هذا التفاعل على أشده أثناء العهد العباسي حيث شجع الخلفاء العلماء المسيحيين السريان على ترجمة التراث اليوناني الى العربية فإنتعشت العربية وأدخلت إليها المصطلحات العلمية بحيث صارت لغة علمية أيضاً بعدما كانت تقتصر على لغة الحماسة والشعر.
هذا الحضور المسيحي الذي كان قبل الإسلام وإستمر بعده كان ذا منحنيين:
الخلفاء أعطوا الأمان والحماية والإحترام لعلماء المسيحيين فظلّوا في دينهم وظلّ الكثيرون معهم في ظل هذه الرعاية، وبالمقابل قام المسيحيون بحماية الخلفاء من خلال تطبيبهم ومداواتهم وتعليمهم وتثقيفهم.
الكنيسة العربية هذه تركيبتها: الحفاظ على التراث العالمي وتعريبه، عيش سماحة الإسلام وإنفتاحه العولمي، التفاعل مع الروحانية الإسلامية من خلال الروحانية المسيحية وإعطاء المنطقة المتوسطية روحاً حضارية جديدة.
لقد إستمرت هذه الكنيسة لكن تشتتت أثناء الحكم التركي وعندما حاول الأتراك التحالف والتعامل مع الروم والغرب إستندوا إلى هؤلاء المسيحيين الذين سرعان ما حاول الغرب من خلالهم أن يتغلغل في ظل مصالحه في قلب الحكم التركي تارةً تحت إطار تجديد المارونية من خلال روما وتارةً أخرى من خلال دعم المسيحيين الأرثوذكس من خلال كنيسة الروم البيزنطية.
وقد ظهر هذا جلياً عندما ضعفت الدولة التركية العثمانية فدخل المبشرّون وشتتوا وحدة المسيحيين الى طوائف عدة بغية إستغلالهم لمصالح الدول الغربية التي ترعاهم.
المسيحيون العرب من خلال تجمعهم الإيماني والذي يشكل كنيسة يُطلق عليها كنيسة العرب مدعوون اليوم كي يكونوا بوابة العبور المزدوجة بين الغرب والشرق، ورسالة مفتوحة تقول للغرب أن المسيحيين العرب هم من العرب ويفهمون لغة المسلمين العرب ويعيشون وإياهم هموماً وأحلاماً لذا فهم قادرون أن يقدموا للمسلمين ثقافة الغرب بعد أن يصفّوها من شوائبها الإستعمارية والتسلطية والإستغلالية، وبالتالي فهم قادرون أن يُفهموا الغرب حدود عولمته في التعامل مع المسلمين العرب. وفي ذات الوقت فإن المسيحيين العرب يمكنهم أن يخاطبوا الغرب أكثر كونهم يفهمون خلفيته الثقافية والإيديولوجية وبالتالي قادرون أن ينقلوا إليه مفاهيم الإسلام وروحانيته التي لم يستطع المسلمون أن يوصلوها لإنعدام هذه الخلفية كما يمكنهم أن يوصلوا للغرب الإسلام الحقيقي فلا يعود الغرب يرى في الإسلام إلا جماعاته الأصولية المريضة فيضعهم كواجهة يهاجم من ورائها الإسلام والمسيحيين.
إن تحرك المسيحيين العرب وشهادتهم ونضالاتهم هذه تخدم الغرب والمسلمين معاً، فهي إذ تحاول أن تقدم الغرب الحضاري الى المسلمين تقدم الإسلام الحضاري للغرب. وفي ذات الوقت يثبت المسيحيون العرب وجودهم في هذا الشرق العربي ويجعلون التاريخ يستمر بهم.
ولعل في هذا الكلام إستنهاضاً للمسيحيين العرب على كافة المنطقة العربية كي يتحركوا من أجل لعب دورهم بإمتياز.
إن حضورهم في البلاد العربية لا يجب أن يكون آنياً ومرحلياً ولا مجرد رجال أعمال وترجمة. عليهم أن يثبتوا أنهم أهل البلاد عن حق وأنهم يعملون من اجل مصلحة هذه البلاد العربية التي هي بلادهم وأنهم ليسوا في موقع متواز بين المسلمين والغرب بل هم منحازون للمسلمين على حساب الغرب، وهم في المراحل الهادئة من التاريخ يمكنهم أن يكونوا اللاعب الوسط لكن في مرحلة الهجوم التي يقوم بها الغرب ضد أهل جلدتهم ومواطنيتهم هم مدافعون بقوة ولا يمكن أن يسمحوا أن تكون شهادة الدم إلا مشتركة لأن الحفاظ على الأرض المشتركة هو الأساس للحفاظ على السماء المشتركة.
وعلى المسلمين أن يعوا أن المسيحيين العرب ليسوا إخوانهم ولا أصدقاءهم ولا ضيوفاً عليهم ولا مرحليين في حياتهم بل هم مواطنون مثلهم وهم صانعو التاريخ المسيحي الإسلامي معهم وهم حماة الجغرافيا التي لا دين لها. وأنهم حافظو التراث ومجددوه وأوفياء اللغة العربية وحماتها والمدافعون عن الإيمان المشرقي العربي بروحانيته المزدوجة المسيحية الإسلامية. وعلى هذا لا يجب أن يكون إحترامهم منّة أو هبة ولا كرم أخلاق أكثر مما هو مطلوب بل هو واقع وضرورة ومن مكونات الوجود المواطني للجميع.
إن التعامل هذا هو الذي سيسمح للمسيحيين العرب بأن يلعبوا دورهم على كل مساحة البلاد العربية وسيكون عنواناً عريضاً من المسلمين للغرب أن المنطقة الشرق أوسطية قادرة على إصلاح ذاتها ولا تحتاج لوصفة طبية غربية لان العرب مسيحيين ومسلمين يملكون كل الوسائل الكفيلة للقيام بهذا الإصلاح.
http://www.ssnp.info/thenews/daily/Makalat/MichelSabe3/Michel_21-06-04.htm