من المعروف أن الاكتئاب واحد من أكثر الأمراض انتشاراً بشكلٍ عام، وهو المرض الأول بين الأمراض النفسية شيوعاً في الولايات المتحدة الأمريكية، وتبلغ نسبة الإصابة بمرض الاكتئاب إلى حوالي 12% بين عامة الناس ولكنها أكثر بين النساء نظراً لظروف المرأة الاجتماعية والعوامل الفسيولوجية التي تمر بها المرأة والتغيرات الهرمونية التي تحصل للمرأة سواءً كانت الدورة الشهرية أو الحمل والولادة وما يُعرف باكتئاب ما بعد الولادة ويعُاني من اكتئاب ما بعد الولادة نسبة عالية جداً من النساء خاصةً في الفترة الأولى وخلال الستة أشهر الأولى من الولادة حيث أشارت بعض الدراسات إلى أن حوالي 80% من السيدات تمر بمرحلة اكتئابية في اليومين الثالث والرابع بعد الولادة، ولكنها ليست مرضاً وإنما مرحلة تحس فيها السيدة بانخفاض كبير وشديد في المزاج إضافةً إلى نوبات بكاء لا تستطيع تفسيرها وقد تستغرق هذه الفترة عدة أيام وتتلاشى وعند بعض النساء الذين لديهم تاريخ مرضي بالاكتئاب فإنه قد يمتد ليُصبح مرضاً يحتاج إلى علاج من الأطباء المتخصصين .
وللآسف كما كتبنا قبل عدة أسابيع فإن نسبة قليلة من أطباء النساء والولادة لا يلقون بالاً للحالة النفسية للسيدة الحامل أو السيدة التي أنجبت خلال الأيام الأولى بعد الولادة، وهذا مما يجعل بعض النساء يُعانين من اكتئاب ما بعد الولادة ولا يتم تحويلهن إلى الجهات المختصة بعلاج الاضطرابات النفسية والعقلية، فقد بينت الدراسة التي نشرناها قبل بضعة أسابيع ماضية بأن 26% فقط من أطباء النساء والولادة هم من يستفسر عن الحالة النفسية للمرأة الحامل أو المرأة التي أنجبت في المستشفى في أيامها الأولى، لذلك فإن نسبة قليلة من النساء الحوامل واللاتي أنجبن في الأيام الأولى قد يخرجن من المستشفى دون أن يتم فحص أو حتى إلقاء الضوء على حالتهن النفسية وهذا ما يزيد الأمر سوءاً عندما تخرج المرأة بعد ولادتها ببضعة أيام وتكون تُعاني من اضطراب اكتئابي يحتاج إلى علاج ولكن أطباء النساء والولادة لا يلقون بالاً لهذا الأمر رغم خطورته على صحة الأم والجنين، حيث أحياناً يكون الاكتئاب شديداً ويمنع الأم من رعاية رضيعها لأنها لا تستطيع رعاية نفسها وهي في حالة نفسية غير جيدة، بل قد يكون الأمر كارثياً إذا كانت الأم تُعاني من اكتئاب ذهاني ولم يتم تحويلها إلى الخدمات النفسية للتشخيص والعلاج. فبعض النساء قد تؤذي طفلها إذا كانت تُعاني من اكتئاب ذهاني ولم ينتبه له طبيب النساء والولادة ومن باب أحرى فإن الأهل أيضاً قد يستغربون سلوكيات الأم ولكن لا يخطر ببالهم بأن هذه الأم قد تكون تُعاني من مرضٍ عضال هو الاكتئاب الذهاني والذي قد يجعل الأم تؤذي طفلها تحت وطأة الأعراض الذهانية لمرض الاكتئاب.
ويزيد الأمر تعقيداً بأنه عندما أجُريت دراسة مسحية بين أطباء النساء والولادة فإن نسبة قليلة منهم أبدى اهتماماً بأخذ معلومات عن الأمراض النفسية والعقلية التي قد تتعرض لها المرأة الحامل أو المرأة حديثة الولادة، فبعض الأطباء المختصين بأمراض النساء والولادة ليس لديهم الوقت لكي يقوموا بفحص الحالة العقلية أو تقييم الحالة النفسية للمرأة الحامل أو حديثة الولادة. المرحلة الأخرى والتي تعتري المرأة بعض التغيرات الهرمونية والفسيولوجية هي مرحلة ما بعد انقطاع الطمث وهو ما يُعرف بين العامة بسن اليأس..!! وهي في نظري تسمية خاطئة يجب أن لا تُستخدم مع النساء اللاتي بلغن سن انقطاع الدورة الشهرية. في التقسيمات السابقة في الطب النفسي كان هناك مُسمى لاكتئاب ما بعد انقطاع الدورة الشهرية ولكن الآن في التقسيمات الحديثة لا يوجد هذا التشخيص حيث إنه لا توجد فروقات بين الاكتئاب بعد انقطاع الدورة الشهرية والاكتئاب في نفس السن للمرأة أو الرجل. فالتقدم في العمر يزيد نسبة الاكتئاب بين الرجال والنساء على حدٍ سواء.
هذا الاكتئاب الذي يحدث مع التقدم في العمر عند الرجال وكذلك النساء أمرٌ معروف وغالباً ما يكون مصاحباً بأمراض عضوية. فالاكتئاب في مراحل التقدم في العمر يكون شديداً ويكون مقروناً بتدهور نوعية الحياة بالنسبة للمريض، ويزيد سوءً الأمراض العضوية التي يُعاني منها الأشخاص المتقدمين في العمر ويُصعب علاجها وكذلك يجعل الشخص يُعاني من معاناة عاطفية ويزيد خطورة الوفاة بسبب الاكتئاب والذي عادةً ما يكون مصحوباً بأمراض عضوية كما ذكرنا سابقاً، فيجعل - الاكتئاب- الأمراض العضوية تتدهور وتقود إلى الوفاة. والأشخاص المتقدمين في العمر يُصابون بالاكتئاب بصورةٍ أكبر من الشباب، وتُشير الدراسات إلى أن هناك علاقة طردية بين الشخص المسن والذي يُعاني من أمراض عضوية مُزمنة وبين الاكتئاب، ولكن ليس شرطاً أن كل مُسن يُعاني من مرض عضوي يجب أن يكون مُصاباً بمرض الاكتئاب، ولكن كما أشارت الدراسات المُتعددة بأن هناك علاقة طردية بين الشخص المُسن والذي يُعاني من أمراض عضوية مُزمنة ومرض الاكتئاب، لكن الأمر ليس حتمياً بمعنى أنه ليس كل شخص مسن يُعاني من أمراض عضوية يُعاني أيضاً من مرض الاكتئاب. هذه الدراسة من استراليا استنتجت أن كلما كان المسن يُعاني من أمراضٍ عضوية صعبة يكون عرضةً أكثر للإصابة بمرض الاكتئاب . شارك في هذه الدراسة وتمت دراسة أمراضهم العضوية، وكانت نتيجة الدراسة بأنه كلما كان المُسن يُعاني من مرض عضال شديد كلما كان مُعرضاً للإصابة بمرض الاكتئاب وهذا يؤكد بشكلٍ كبير خطورة إصابة المرضى المسنين الذين يُعانون من أمراض عضوية بأنهم سوف يكونون معُرضين للاكتئاب بصورةٍ أكثر من المرضى المسنين الذين يُعانون من أمراض بسيطة أو لا يُعانون من أمراض عضوية.