المنطق وتضاريس الإنحناء للسفسطة
القس شليمون إيشو خوشابا- دهوك ليس من عادتي صرف الوقت في نقاشات وردود أو دحض أفكار وآراء ساذجة تزخر بها صفحات مواقعنا على الشبكة العالمية (الإنترنيت).. وخاصة عندما تكون هذه الكتابات صادرة عن أشخاص لا يفقهون من الأمر ما يؤهّلهم للتعاطي به. ولكن عندما تصدر آراء أو وجهات نظر عن أشخاص يُفترض (من مؤهلاتهم العلمية.. ماجستير.. دكتور..) أنّ لهم دراية ومعرفة كافية عن أساسيات الموضوع وتكون هذه الآراء خاطئة، أو هي بالأحرى مغالطات هدفها تمرير رأي أو وجهة نظر على البسطاء والسّذج، فهذا يتطلب منا الدَّلْوَ لاستخراج الخفايا واستجلاء غوامض الأمر لدى العامة وكشف حقيقة ما تسترته تلك المغالطات المقصودة ...
لقد كتب وتكلّم الكثيرون عن موضوع التسمية القومية لشعبنا ولا زال الكثيرون يتخبطون في الأمر خبط عشواء، ومنهم مثقفون وعالمون ببواطن الأمر، منهم علمانيون وإكليريكيون، وكل يريد أن يُقيم رأيه أو يُحقّق رغبته في تسمية دون الأخرى ولو على حساب منطق الحقائق التاريخية.. كما قال البعض بوجود ثلاث قوميات أو أربع قوميات، حيث اختلف القوم بهذا الشأن إلى فريقين، فريق من السّذج والبسطاء والجاهلون لحقائق الأمر قالوا بأن الكلدان قومية والسريان قومية والآشوريين قومية، أي أنّ هناك ثلاث قوميات في (السوريايي ܣܘܼܪ̈ܵܝܹܐ)، وهذا أخطر فريق على وجود ومصالح السورايي، حيث يُجزّئ ويٌفرق ولا يوحّد، وهو لا يُقيم وزناً للمبادئ القومية ولا للمبادئ المسيحية (أحبّوا بعضكم...). وفريق ثانٍ يُفضّل تسمية قومية من التسميات التاريخية الأربع(الكلدان، السريان، الآراميين، الآشوريين) على التسميات الأخر.. أي أن محبّي التسمية الكلدانية مثلاً يعتبرون أن كل السورايي هم كلداناً وكذلك محبي التسمية الآشورية والسريانية والآرامية يعتبرون السورايي اشوريين وسريانا وآراميين، وهذا الفريق مصيب ولا شك ويستند في وجهة نظره إلى الأسس المنطقية والعلمية لمفهوم القومية عندنا في هذا الشرق المضطرب.. ولكن مشكلتهم هو تعصبهم لتسمية دون الأخر.. ولا أجد ضرراً فادحاً على الأمة من هؤلاء حيث يُحافظون على جسد الأمة الواحد، حيث يُقرّون بكون السورايي أمة أو قومية واحدة كما فعل آباؤهم، لها لغة قومية واحدة وتراث أدبي وحضاري مشترك وعلاقات ووشائج اجتماعية مشتركة..
والآن آتي إلى مادفعني للدلو بدلوي في هذا الأمر، ألا وهو إصطفاف رجل علمي(أكاديمي) عارف بالأمور إلى جانب الفريق الأول.. فريق التفرقة والتجزئة.. وهو الدكتور حكمت حكيم (وهناك دكاترة آخرون يعتبرون أنفسهم علماء إجتماء وأساتذة جامعات غربية.. يا لبؤسهم).. حيث خرج علينا ناطقا باسم (التنظيمات الكلدانية) مقرّاً برأي القوميات الثلاث للشعب الواحد.. حيث في بيانه يستعمل عبارة (شعبنا)، ولكن يُفهم من سياق بيانه وجود ثلاث قوميات في هذا الشعب (الكلدان والسريان والآشوريين).. وهنا لا بدّ لنا من بعض التساؤلات وإيراد الأمثلة أو فرضها لإيضاح أو لاستجلاء الغموض لدى هذا الفريق أو بالأحرى لدحض مغالطاته.. وعلينا لهذا أن نعود قليلاً القهقرى ونجلس على مقاعد الدراسة الإبتدائية أو المتوسطة (ما عدت أذكر) ونسأل معلم (التربية الوطنية أو الإجتماعيات) مرّة أخرى ونقول له:
أستاذ رجاء ما هي القومية؟ ما هي خصائصها؟ كيف لنا أن نميّز بين العربي والكوردي والكلداني والسرياني والآشوري والتركماني والأرمني واليزيدي( أو الإيزيدي) والكاكة ئي .. الخ قومياً؟ وسنفترض بأننا أتينا إلى الأستاذ من كل مجموعة مذكورة أعلاه شخصاً أميّاً ساذجاً لا يعرف القراءة والكتابة وطلبنا من أستاذنا الجليل تصنيف كل واحد قومياً... حتماً أستاذنا لكي يكون صادقاً في تصنيفه ومقنعاً لنا، عليه أن يستند إلى تعريف للقومية وإلى جملة مميزات أو خصائص بها نُفرّق هؤلاء العراقيين الأصلاء إلى قومياتهم.. تُرى ما هي تلك المميزات أو الخصائص؟ هل يستطيع الأستاذ الدكتور الحكيم وفريقه أن يُعددوا لنا هذه المميزات والخصائص بوضوح ويَثْبتوا على جوابهم ولا ينقلبوا في الإجابة في اليوم التالي...؟
أنا لا أستطيع الإنتظار حيث حتماً سوف لن يجيبوا، وسأشحذ ذاكرتي وأحاول الحصول على الإجابة من معلم الإجتماعيات والتربية في الإبتدائية.. وببساطة سيقول لي:
يا بني القومية مجموعة من البشر يشتركون في خصائص أو ميزات معينة لا تجدها كلها أو بعضها لدى مجوعة بشرية أخرى... ومن أهم هذه الخصائص هي:
اللغة، التراث الأدبي والثقافي المكتوب بهذه اللغة، العادات والتقاليد، الجغرافيا، المعتقدات.. ولا يعني هذا أنّه لا يوجد مشترك من هذه الخصائص بين المجموعات القومية وخاصة في منطقة جغرافية وسياسية واحدة، ولكن تبقى اللغة وتراثها المدوّن بها، أو حتّى الشفاهي، الميزة الأهم الذي تميز مجموعة قومية في شرقنا عن الأخرى.. وعلى هذه الإجابة المفترضة الواضحة والبسيطة سوف أصنّف الأفراد العراقيين المذكورين أعلاه إلى مجموعات قومية ودون ذكر التسمية القومية، حيث أترك التسمية خياراًً لهم يستنبطونها من تراثهم المدون بعد أن يتعلّموا القراءة والكتابة بلغتهم ويُفتّشوا بطون مصنّفات آبائهم أو (إذا عدموا هذا التراث) يستعينوا بموروثهم الشفاهي الذي وصل إليهم عن آبائهم.. وسأقول أنّ كل من ينتمي واقعاً وتاريخاً إلى اللغة العربية وتراثها فهو ينتمي إلى قومية (1)، وإنّ كل من يتكلم أو ينتمي في أصوله إلى اللغة الكوردية فهو من القومية رقم (2)، وإن من يتكلم أو ينتمي في جذوره التاريخية إلى اللغة السريانية (أو الآرامية) فهو من القومية رقم (3)، ومن يتكلم أو ينتمي في أصوله إلى اللغة الأرمنية فهو من القومية رقم (4) وإنّ من يتكلم أو ينتمي في أصوله إلى اللغة التركمانية فهو من القومية رقم (5)..
وحتماً سيظهر أنّ هناك سنّي عربي وسنّي كوردي وسنّي تركماني وإنّ هناك شيعي عربي وشيعي كوردي وشيعي تركماني، واستناداً إلى هذا التصنيف والنتائج فإنّ اليزيدي هو كوردي القومية وليس قومية مختلفة عن الكوردية بالرغم من الإختلاف الساسع في الدين.. وإنّ الكلداني والسرياني والآشوري ينتمون إلى قومية واحدة، وإنّ التسميات كاليزيدي والشيعي والسنّي تُعبّر عن انتماء طائقي أو ديني، ونفس الحال يمكن أن نقول عن الكلداني والسرياني والآشوري فيما إذا كان أصحاب هذه التسميات يلصقونها بالكنيسة وليس بالقومية كما يحلو لفريق التجزئة (إنتماء كنسي في ذهنية رجال الكنيسة ومعهم العامة السّذج)، على أنّه قد تُطلق هذه التسميات بمفهوم قومي، أي أنّ من يحبّذ التسمية الكلدانية يعمّمها على السريان والآشوريين أيضاً، وكذا بالنسبة للتسميتين الأخريين كما أسلفنا القول.. وإن لم يكن الأمر كذا فليجبني فريق التجزئة كيف يُفسّر المثال الواقعي التالي:
حماي(مرقس أوراها) من أبناء الكنيسة الشرقية الآشورية(النسطورية) وشقيقه (كوركيس أوراها) هو من أبناء الكنيسة الكلدانية وهما ولدا من أمّ ذاتها، كيف يمكن أن نصنّف شقيقين من أب واحد وأم واحدة إلى قوميتين؟ أيّة مفاهيم علمية إجتماعية ودستورية وقانونية تقرّ هذا التصنيف؟ على الأستاذ الدكتور حكمت الحكيم (والبروفيسور الدكتور عبدالله مرقس رابي وغيرهما من البروفيسورية العظماء في أمتنا) أن يجيبوا وفق أسس علومهم ومواد دستورهم وقوانينهم ... ما هي المميزات القومية التي تميّز ثلاث إخوة أشقاء واحد من الكنيسة الكلدانية والآخر من الكنيسة الآشورية والثالث من الكنيسة السريانية الأرثوذكسية؟
هل هو اختلاف في اللغة وما تحمله من إرث لألفي سنة، أم في الجغرافيا .. أم في الدين..؟ هناك اختلاف فقط في الإنتماء الكنسي والذي يمكن تغييره من يوم لآخر وحتّى إلى كنائس المسيحية الأخرى...
أرأيتم أيّها السادة أين أوصلنا منطق هؤلاء الحكماء والبروفيسورية العارفين...!؟ أتعتقدون أنّ هؤلاء الحكماء يجهلون الحقائق العلمية والمنطقية والتاريخية؟ كلا.. إنّما هم يغالطون لينسجوا حجابات تحجب نور الحقائق عن البسطاء لكي يلعبوا بمصائرهم كما يحلو لهم فلعلّهم عن طريق هؤلاء البسطاء يحصلون على منصب أو منزلة أو....
ثمّ هل يُعقل أنّ أسقفاً في أيّة طائفة من طوائف كنيسة المشرق(كلدانية، سريانية، آشورية) لا يعرف بواطن هذه الأمور..؟ وإن كان أحد كذلك، فإنّها الطامة الكبرى أن يقود الناس مرشدٍ جاهل بتاريخ أمّته وكنيسته ... لكن الأمر ليس جهلاً بل تعمّد المغالطة...
مار أفرام الذي كلّ هذه الطوائف تعتبره إمامها وشاعرها المبدع، آباؤهم سمّوه: ܢܒ݂ܝܼܵܐ ܕܣܘܼܪ̈ܝܵܝܹܐ نبيّ السريان.. ثمّ أيّها السادة الأفاضل، إقرأوا نرساي (كنّارة الروح ولسان المشرق) في ميمره عن برج بابل.. إبحثوا في ميمره عن إسم قومكم ....
وعند هذا أقول قول المثل: الحكيم تكفيه الإشارة .. أما الجاهل.. فعليه أن يجتهد في طلب العلم قبل طلب الكلام....
آباؤنا سمّوا أنفسهم، خاصة بعد اعتناق المسيحية، بتسمية ܣܘܼܪ̈ܝܵܝܹܐ او ܣܘܼܪ̈ܵܝܹܐ ولا زال مسطور في الصفحة الأولى من كتاب الحوذرا(الصلوات الطقسية لمدار السنة) للكنيسة الكلدانية ما يلي: (ܨܠܘܬ݂ܐ ܩܢܘܢܝܬܐ ܕܟܗܢ̈ܐ
ܐܝܟ ܛܟ݂ܣܐ ܕܣܘܪ̈ܝܝܐ ܡܕܢܚܝ̈ܐ
ܕܗܸܢܘܿܢ ܟܠܕܝ̈ܐ أي: الصلاة القانونية للكهنة
حسب طقس السريان المشارقة
الذين هم الكلدان)..
هذه حقائق تاريخية وواقعية.. أمّا ولواقع الحال الآن ولحل إشكالية التسميات التي ابتلينا بها نتيجة الإنقسامات الكنسية، فليس أمامنا سوى أن نجلس معاً ونتباحث بروح قومية واحدة واضعين نصب أعيننا قول الربّ ( كونوا واحداً..) و(أحبّوا بعضكم..).. ولا شك إنّ الوصول إلى إتّفاق حول تسمية معينة من التسميات التاريخية الأربع يحتاج إلى وقت قد يطول، وإلى أن نصل إلى ذلك فليس من المعقول أن نضع أنفسنا في الثلاجة أو المجمّدة ونتوقف عن الحياة كليّاً، هذا ليس بمنطق.. فالأيام تمرّ والقطار سيفوتنا في مراحل كثيرة سوف نندم إن لم نعشها بحرارتها ونضع بصماتنا عليها وإن لم نرتّب بيتنا فسيخرب أكثر حتماً.. لذا لا ضير من استعمال التسمية الثلاثية بين قوسين للتعبير عن هذه المجموعة البشرية القومية (الكلدان السريان الآشويين) ولا علينا من قول الآخرين هذا شأننا وقرارنا وليس للآخرين شأن بنا.. كل المطلوب من الإخوة الآخرين في الوطن هو مساعدتنا لنتجاوز ضعفاتنا (كما فعل الإخوة الكورد في مسودة دستور إقليم كوردستان العراق حيث أقرّوا التسمية الموحدة لشعبنا دون فواصل)، وليس زيادة جروحنا وآلامنا.. فالتزام هذه التسمية الثلاثية بين قوسين ودون فواصل هو مخرج مرحلي ولحين توفّر المؤسسات القومية المفوّضة من الشعب لإقرار هذا الأمر بعد البحث والدرس وفحص الحقائق التاريخية بالإستعانة بالمختصين من أهل البيت والإخوة في الوطن وآخرين.. وحتماً سنصل أخيراً إلى الإصطلاح على التسمية القومية، وعلينا دوماً كقوميين حقيقيين أن نعتبر هذه التسميات الأربع هي تسميات قومية شاملة، بمعنى عليّ أن أقول: أنا كلداني وأنا سرياني وأنا آرامي وأنا آشوري ولا ضير في هذا كلّه.. وأنا في قولي هذا متجرّد من الإنتماء الكنسي، ولا ألصق هذه التسميات التاريخية القومية بكنيسة من كنائس شعبي، فإنّ هذا اللصق قد أجحف بوجودنا القومي الواحد وهو ما أوصلنا إلى الحال التي نحن عليها الآن.. أنا شخصياً لا أخجل ولا أتردّد في قبول أيّة من هذه التسميات الأربع لتكون تسمية قومية لنا، كما لست أتردّد في مشاركة إخواني طقوسهم ومن أية كنيسة ذات التقليد السرياني المشرقي.. فلنسمو على صغائر الأمور وكفى العيش في الحضيض وقيادة العميان إلى الهاوية...