المنطق أقـوى من التصويت أيها الموقـرون القادة الأكـراد
بقـلم : مايكـل سيـبي / عَـبر البحارالديمقـراطية هي حـكـم الشعـب بما يخـدم الشعـب وليس بما يهـضم حـقـوق الشعـب .
ليست الشعـوب آلات للإستخـدام كـما ليست صناديق فارغة للتعـبئة .
إنّ الشعـوبَ بشرٌ ومشاعـر وأفـكار وقِـيَـمٌ وتاريخ وتراث وقـوة وإعـتـزاز بالذات .
في عام 1978 نــُـقـِـلتُ من الكـوت إلى بغـداد وكان من السياقات الإدارية أنْ يملأ المدير صفـحة في سجـل المـدرسين خاصة بالمـدرس الملتحـق حـديثاً بالمـدرسة ، وكان حـقـل القـومية واحـداً من بـين حـقـول تلك الصفـحة . سألني حـضرته عـن قـوميتي فأجـبتــُه : الكـلـدانية ، فـقال : ( شـنو كـلـدانية ؟ ) فأردفـتُ : أنا قـوميتي كـلـدانية ، فسألني مستفـسراً بإستغـراب : ( منو هـُمـّه هـذوله الكـلـدان ؟ ) فـقـلتُ له : أستاذ ! أنـت عـراقي ومـدير مـدرسة ومُطــَّـلِع ثـقافـياً ، ألا تـتـذكــَّر ما الذي درسناه في دراستـنا الإبتـدائية والمتوسطة عـن تاريخ العـراق القـديم ! ألـَمْ يـبقَ في بالك شيئاً عـمّا قـرأتــَه عـن حـضارة الكـلـدانيـّين والآشوريّـين ! هـل نسَيتَ معـلوماتك عـن السومريّـين والأكـديّـين والبابليّـين ؟ آثار بابل ونينوى والحـضر والزقـورة ؟ فـردَّ عـليّ قائلاً : ( والله آني ما أعـرف غـير العـرب والأكـراد ) . فـقـلتُ له : أستاذ ، إنْ كــُـنـتَ تسألني عـن قـوميّـتي فأنا كـلـداني وإنْ كـنـتَ تريـد أن تكـتب ما يروق لك ، فـلماذا تسألني ، أنـتَ حـر واكـتب الذي تريـده دون أن تسألني ! وتركـتــُه دون أن أعـرف ما الذي كـتبـَه .
وفي عام 1981 شاءتْ الضرورة أن أقابل وزير التربـية آنـذاك عـبـد الجـبار عـبـد المـجـيـد ( قـيل أنه كان رئيس نقابات العـمال سابقاً ) ، مع خـمسة مـدرسين آخـرين كـلٌ له موضوعه الخاص به . وفي عَـرض ٍ لشكـوى أحـدهم قال للوزير : أنا مـدرس اللغة العـربـية حـصلتُ عـلى مقـعـد دراسي في جامعة لـنـدن لمواصلة دراستي العـليا ، إستوفـيتُ شروط الخـدمة العـسكـرية والأمنية والإدارية وهـيّأتُ بـديلاً لي في المدرسة وأنا جاهـز للسفـر الآن ، إلاّ أن حـضرة المدير ليس يوافـق عـلى تزويـدي بكـتاب الإنـفـكاك من المدرسة . سأله الوزير : وما الذي ستـدرسه هـناك ؟ قال المدرس : والله أستاذ سأخـتار المتوفـر إنْ كانـت اللغة العـربـية نفـسها ، الإنـكـليزية ، الآرامية ، أوالعـبرية . وهـنا إستوقـفه الوزير بلهـجة فــَـضـّة بعـض الشيء دلـَّتْ عـلى إفـتـقاره الواضح إلى الثـقافة العامة وجـموده الفـكـري ، قائلاً : ماكو آرامي وعـبري ، هـذي كـلها عـربـية ! . ولشدة إنـدهاشي من كـلام الوزير الموقـر صرتُ لا أركـّـز ولم أدر ماذا كانـت نـتيجة شكوى المدرس . ولو لم أخـَـفْ في حـينها ، كـنـتُ أكـلـِّمُ السيد الوزير بلغـتي الكـلـدانية ، وإذا سألـني ما هـذه ! كـنـتُ أقـول له : أنا أكـلــِّمك باللغة التي ذكـرتــَها وقـلتَ بأنها عـربـية فـكـيف لستَ تفـهـمني ؟
وفي إجـتماع خاص مع أبناء جاليتـنا في أستراليا قـبل بضع سنوات ، دار نقاش بـينـنا حـول موضوع بـديهي لا يقـبل الخـطأ ولما شعَـر المعـترضون بركاكة رأيهـم طـلبوا التصويت للحـفاظ عـلى ماء الوجه ولتبرير النـتائج ، فـقـلتُ لهـم : وَ لِـمَ التصويت ؟ إنّ منطق الحـقـيقة أقـوى من التصويت الديمقـراطي وليس بحاجة إلى أي نوع من الأصوات قـليلها أو كـثيرها ، فـهل يتـطـلـّب أن نـُصَوّتَ حـول شروق الشمس شرقاً إنْ شـَـكَّ البعـض بذلك مثلاً ؟ وهـل نحـن في حاجة إلى أصوات الأكـثرية لحـسم موقـف كـهـذا ؟
هـذه محـطات بسيطة من أيام الحـياة إتـخـذتــُها كـمقـدمة للمشاركة في الحـديث الجاري خـلال هـذه الأيام من رغـبات ومداخـلات وآراء متفـقة في بعـضها ومتـناقـضة في بعـضها الأ ُخـَر وما آلت إليه في نهاية المطاف فـكانـت رياحاً جـرتْ بما لا يشتهي السَّـفـن عـنـد مراسي البعـض ولكـنها عـنـد غـيرهـم كانـت رسواً بجانب الشواطئ .
نعـم نحـن أولاد آبائنا وأجـدادنا ولكـنـنا لسنا أبناء أيامهـم ، فـلنا يومنا الذي نحـياه الآن مليءٌ بمشاعـر وأحاسيس ومفاهـيم ومقايـيس تخـتلف عـما كانوا عـليه في زمانهـم ، ونحـن في أجـواء وإمكانيات لم تـتوفــّر عـنـدهم إبّان تلك العـهـود القـديمة . اليوم لنا ديمقـراطيـتـنا وحـريّـتـنا وإخـتياراتـنا مع فـضائيّاتـنا والأهـم من كـل ذلك صار لنا منطـقـنا الذي يُـمَـكــِّـنـُـنا من أنْ نضع الرفـيق المقابل تحـت أمر واقـعه بأسلوب مهـذب عـصري لا يمكـنه مغالطـته إذا كان سَـويَّ العـقل ، ولا يرفـضه إذا كان متواضعاً قـوي الشخـصية ، ولا يقـبل أن يوصف بأوصاف سلبية لا تليق به كالمتعـنــّت بموقـفه أوالمنفـرد برأيه أوالمنجـرف وراء أهـوائه . إنّ كـثافـتـنا الكـلـدانية في شمال الوطن مع الأكـراد كانـت في السابق ولا تزال هي واقـعـنا اليوم ، والعـلاقة التاريخـية متأصلة وعـميقة بـينـنا دونما حاجة إلى مزايـدات ، والإقـليم الكـردي صار واقـعاً بعـد نضال شعـبه المرير وليس بحاجة إلى توضيحات ، والكـلـدان معـهم لهـم من الطاقات الكـثير والتي تؤهـلهـم للمساهـمة في تـطوير البلد الإقـليمي أو العـراق كـكل بأفـق واسع ونظرة شاملة تمتـد إلى كل مساحة العـراق ، وعـليه فالإقـصاء والتهـميش أو عـدم إحـترام المشاعـر ، يثبط العـزائم ويخـيـب الآمال ويهـدر الطاقات وفي نهاية المطاف يقـلل من كـفاءة الماكـنة الوطـنية وهـذا لا يرتضيه لنفـسه كل وطني غـيور .
يشعـر الكـلـدانيّون بأنّ قـوميتهم كـلـدانية منـذ عـهـود قـبل الميلاد فهـل يحـق لأحـد أن يَـنـكـُرَ شعـورَهم هـذا ؟ لقـد تعَـرّض موطنهم إلى موجات إحـتلال عـديـدة عـبر التاريخ فـهل تلاشتْ تربتهم ؟ إعـتـنـقـوا المسيحـية ديناً لهـم فـهـل جـرّدتهـم مـن قـوميّـتهـم ؟ شاء النظام السابق أن يحـسبهم مع العـربان ( مع إحـترامنا للعـرب ) فـهل تبخـّرَتْ مشاعـرهم القـومية بجـرّة قـلم الطاغـية ؟
المنطق يقـول إنّ الأكـراد أبناء وطـنـنا ونحـن الكـلـدان أبناء الوطن ذاته الذي يعـيش فـيه العـرب والآثوريّـون والسريان والتركـمان والأرمن واليزيديّـون والصابئة والشبك ، وبهـذا المنطق نفـهم أنـنا إخـوان في الوطن شركاء فـيه بأسهـم متساوية كإستحـقاق الأبناء من أبـيهـم دونما حـساب الأعـمار . وكـل منا يسَمّى بإسمه الذي سُمّيَ به يوم تسجـيله في السجـلات الرسمية ويحـلو له ذلك ، أليس جـميلاً أن نـنادي كـل بإسمه ! إنه سؤال بسيط يجـيـب عـنه المنطق ولا يحـتاج إلى تصويت ديمقـراطي ، شأنه شأن أفـراد الأسرة الواحـدة فـيها سمير وسعـيـد ومنير ولبـيـب ، فإذا كانـت لي حاجة عـنـد لبـيـب مثلاً فـهل أناديه ( سمير سعـيـد منير لبـيـب تعالَ أريـدك ؟ ) فـكـيف بالشعـوب والحالة هـذه ! أليست تجـربة جيكو- سلوفاكيا كافـية لنا ؟ ضـغـط الدكـتاتورُ الشعـبَـين عـلى بعـضهـما ليجـعـل منهـما شعـباً واحـداً وكأنهـما قـطعـتا حـجـر – ولكن بعـد سنين طويلة وأجـيال مُروّضة قـسراً – وحـين زالت القـوة الدكـتاتورية الضاغـطة رجـعـتْ القـطعـتان كما كانـتا أصلاً . إنّ الشعـوب ليست آلات للإستخـدام وليست صناديق فارغة للتعـبئة ، ولكـن الشعـوبَ بشرٌ ومشاعـر وأفـكار وقِـيَـمٌ وتاريخ وتراث وإعـتزاز بالذات .
تــَعـلـَّـمْـنا من غـيرنا من الشعـوب التي تحـترم الإنسان ، كـيف يسألون الشخـص عـن الإسم الذي يريـد أنْ يُـنادى به ، وحـتى معـلمات رياض الأطفال يستفـسِرنَ من أولياء أمورهم عـن الإسم الذي به يُنادون طفـلهم في البـيت كي يستخـدمْـنـَه عـنـد نـدائهـن للطفـل أثـناء وجـوده بـين أصدقائه في الروضة لأن إسمه في محـل إعـتـزاز عـنـده . إنّ الإسم مُـلــْـكُ الشخـص نفـسه ولا يسمح للغـير بتـشويهه . فـهل نحـتاج إلى التصويت الديمقـراطي في قـضية كـهـذه ؟ وعـلى ضوء ذلك تـتسمّى الشعـوب بأسمائها القـومية وتعـتـز بها ولا تسمح بتـشويهـها . وهـنا أودّ أن أعـلـّق مزاحاً وأقـول : هـل يقـبل الأكـراد أن نسميهم - سورهـدينان أو بيهديسوران أو ما شابه ذلك ، مستـنـدين إلى بهـدينان و سوران ؟
فـيا أيها الإخـوة الأكـراد ، هـل تعـملون بالمنطق الذي لا يقـبل الجـدل أم تـحـكـمون بما سُمّيَ سابقاً - حُـكم قـره قـوش – إرضاءاً لهـذا أو ذاك ؟ نحـن كـلـدان متغـلغـلون في عـمق تاريخ أصيل وآثارنا تـدل عـلينا لمن لا يعـرفـنا ، نعـتـز بما لدينا ليس لإنشاء إمبراطورية جـديـدة ولا لبناء برج بابلي آخـر في الحـلة ولكن لمواصلة الحـياة والمشاركة مع الشعـوب في بناء حـضارة اليوم بالتآخي والسلام مسترشـدين بالقـيم العـصرية . لقـد كـتب الكـثيرون من الإخـوة الكــُـتــّاب الكـلـدان في السياق هـذا وأوفـوا منطقـياً وعـلمياً وجـدلياً والآن جاء دَوركـم لإعـطاء أذناً صاغـية لرفاقـكـم في الحـياة والوطن والإقـليم - كـلٌ حـسب شخـصه - معـتمـدين عـلى المنطق السليم الذي لا يحـتاج إلى جـمع الأصوات أو مناقـشات ، فالديمقـراطية هي حـكـم الشعـب بما يخـدم الشعـب وليس بما يهـضم حـقـوق الشعـب . إنّ التاريخ سيكـتـب أوراقه عـنـكم فأكـتبوا أنـتم مسودّته اليوم ودام الجـميع بخـير .