ما ذنب الأجيال القادمة
على الرغم من كل الثراء المادي والمعنوي والعلمي والتكنولوجي التي تتمتع به الأمة الأمريكية، لا زال التخطيط الأستراتيجي فيها، خاصة في المجالين السياسي والأقتصادي، قاصرا ويفتقر وبشكل مدّقع الى النظرة المستقبلية البصيرة الضرورية لرعاية وحماية حقوق الأجيال القادمة. فكما هو واضح، كل هم قيادات هذه البلاد ومنذ عقود لا زال منصبا على أستغلال الماضي والحاضر وعلى حساب المستقبل، وكأن هذا الأخير هو ملك لنا، وليس أمانة في أعناقنا لأولادنا وأحفادنا من بعدنا.
ترى، ما ذنب الأجيال القادمة في كل الديون الهائلة المتراكمة عليها نتيجة سوء تصرف الأباء والأجداد؟! أن دلّ هذا على شيئ فانه يدل على أنانية واستخفاف وتلاعب معظم قيادات أمريكا بمصير البلاد والعباد، ناهيك عن تواطؤ هذه الزعامات المعيب مع بعض جماعات الضغط المتنفذة وعلى حساب ذات شعوبها ومبادئها وقيمها الدستورية والأخلاقية والعقائدية والأنسانية.
كيف نفسر وضع أغنى بلدان العالم بحكومة فدرالية فقيرة بل ومفقرة حتى النخاع؟! ولماذا نرى غالبية قيادات الدرجة الأولى التي توالت على حكم البلاد مشبعة ثراء ماديا (مليونيرجية)، في الوقت الذي الدولة وعشرات الملائين من المواطنين الكادحين يئنون تحت وطأة البطالة والحرمان والعوز والديون؟! من المسئول عن هكذا أوضاع شديدة التناقض والسلبية؟! أوليس ذات النظام الجشع البالي الرأسمالي الأستغلالي الذي لا زال يدمر أعظم وأجمل وأروع ما في الأنسان، انسانيته؟! ماذا يبقى من الأنسان بدون هذه، بدون أنسانيته؟! بالتأكيد ينقلب الى أسوء من الحيوان. فهذا الأخير متوحش بطبعه، واذا قام بافتراس الأضعف منه فانه يفعل ذلك مدفوعا بغريزته ومن أجل البقاء. ولكن لماذا يواصل فعل ذلك الأنسان الواعي المفكر الثري بعقله وماله؟! لماذا؟! نورونا يا جماعة.
أجل، الولايات المتحدة الأمريكية تغلبت في الأنتخابات الرئاسية الأخيرة على العنصرية المقيتة، ولكن يبقى أمامها غربلة ما هو أشرس وأعتى وأدهى. نقصد بذلك مواجهة وتحييد نفوذ جماعات الضغط، فلا يعقل أن تكون وتستمر رغبات هؤلاء الطفيليين أقوى من ارادة الدولة والدستور والشعب الذي هو مصدر كل السلطات. البلاد بحاجة الى ثورة معنوية تصحيحية اصلاحية ذاتية متحضرة ومتحررة من الضغوط والقيود، بدأ في الكونكرس، مرورا بغيره من مؤسسات الدولة، وانتهاءا بالباقي.
مما لا شك فيه أن أمريكا سبق لها وأن ساهمت كثيرا في بناء وتطور وازدهار العالم، ولكنها في نفس الوقت ساهمت أكثر في تراكم همومه ومشاكله ومصائبه، وخاصة للقائم منها بسبب حربها على أفغانستان وعدوانها على العراق ودعمها المطلق لاسرائيل المعتدية والمغتصبة لحقوق وحرية وكرامة وأراضي غيرها. وطبعا منطق كهذا أثر ولا زال يؤثر بشكل سلبي ومتصاعد على مصداقيتها، ناهيك الى أنه لا يليق بدولة تنشد وتتبوء موقع الريادة، كما في حالة أمريكا.
اذا أرادت أمريكا الفوز بمثل هذا الموقع الرائد، بل وقيادة العالم الى ما لا نهاية، عليها أن تفعل ذلك بعد الآن باحترام وعن جدارة واستحقاق، وهذا يتطلب ليس فقط تحسين، وانما تغيير صورتها الشديدة السلبية، وذلك عبر البدأ بنبذ كافة أشكال التهديدات والأملاءات والأعتداءات والتخويف والظلم والأستغلال حتى مع من تعتقدهم وتتصورهم خصوم وأعداء، أضافة على ألتزامها واحترامها الصادق والأمين بقيم ومبادئ الحرية والعدالة والديمقراطية وحقوق الأنسان وحكم القانون التي تتباهى بل وتتبجح بأمتلاكها والدفاع عنها والعمل على نشرها. وفوق كل هذا وذاك، الأهتمام الأكبر بالوضع الداخلي واعطائه أولوية أبدية، حتى وان كان ذلك على حساب الربيبة المدللة اسرائيل العائثة في البلاد بأذرعتها الصهيونية والمتصهينة فسادا وافسادا. فلا يجوز أن نضحي في سبيل الآخر ونحبه أكثر من أنفسنا، لأن في ذلك تطرف وغلو وافراط واستنزاف للمشاعر والطاقات والأفعال يقودنا حتما في النهاية الى الندم. وانما لنحب هذا الآخر بقدر محبتنا لأنفسنا كما جاء في الوصية الألاهية
(أحب قريبك كنفسك)، ففي ذلك توازن وأعتدال وأنصاف ما أحوج أن يكون اليها انسان عالم اليوم المتمادي في غيّه بحق ذاته والطبيعة والخالق.
لا نذيع سرا اذا قلنا بأن من واجب الأنسان المؤمن بما فيه الكفاية، العمل بالقليل بالحد الأدنى الكافي لهذه وغيرها من الوصايا المنزلة. فاذا قام كل منّا من جانبه بذلك، صدقونا سنتمكن عندها من التغلب خاصة على جميع مظاهر الفقر والعنف والتخلف وبأسرع مما نتصور. ولكي لا نذهب بعيدا ويتصور البعض خاصة المتمكن ماديا بأننا نطالبه بمد يد العون للغرباء، نقترح أن تكون البداية مع الأهل والأقرباء والأصدقاء، فلا يعقل، وليس من الموضوعية والمنطقية والأدمية بمكان رؤية هؤلاء يعانون فقرا وحاجة وجوعا ونعطي لهم ظهورنا.
واذا كان لمجرد العمل بالحد الأدنى لهذه الوصية الفريضة على المؤمن
(أحب قريبك كنفسك)، ممكن أن يقود ويحقق كل هذه الأمور الباهرة، فكيف وماذا ستكون النتيجة لو تعاملنا مع هذه الوصية وطبقناها بحدها الأعلى؟! طبعا ستتحقق عندها المعجزات. اننا هنا لا نطالب المؤمنين بأكثر من القيام بواجباتهم تجاه خالقهم وأنفسهم عبر الأقتراب والأهتمام ورعاية بعضهم البعض الآخر. فاعلم أن ("الدهر يومان يوم لك ويوم عليك فأن كان لك فلا تبطر وأن كان عليك فأصبر فكلاهما سينحسر"). شكرا.
سالم عتيق/كاليفورنيا
salemateek@yahoo.com