إن مجتمعنا المعاصر لهو في أشد الاحتياج إلى حوار صادق .. حيث يوجد من يكتم في داخله أمور عديدة و يتمنى لو أنه وجد من يسمعه .. فقط يسمعه .. كما أنه هناك من يتكلم ويتكلم فقط لمتعة التكلم حتى أنه احترف الكلام .. هو يتكلم و لا يسمع أحد، بل أنه وعلى ما يبدو لا ينتظر أن يجيبه أحد
إن غياب الحـوار جعل مجتمعنا منبري حيث القطعان الكثيرة الصامتة والرعاة الحنجورية القليلة . والنسبة الكبرى الصامتة قد يكون لها أعذاراً .. فربما هي تدرك أن كلامها لا يصنع كبير الفرق فتؤثر عندئذ أن تبقى صامتة
و قد يكون دعاة صمتها أنها ليس لديها ما تقوله أصلاً ..
حيث أنه كي تتكلم عليك أن تفكر أولاً فيما سوف تقوله، و لكي تفكر عليك أن تتعب قليلاً في إعادة تشغيل تروس الذهن التي اعتراها الصدأ من قلة الاستعمال . أما القلة المتكلمة دائماً فعلى ما أعتقد أنها تعودت فحسب على ذلك قد لا يكون لديها أي شئ مختلف لتقوله أو أي شئ على الإطلاق، ولكن لم يحدث ذات يوم أن أوقفها أحداً عن الكلام أو ناقشها فيه، و هكذا يبقى الحال على ما هو عليه .. هي تتكلم لا شئ يقال فعلاً !! و القطعان صامتة لا تهتم وليس لديها نية الاهتمام أصلاً
إن ما نحتاجه فعلاً هو فهم حقيقي لماهية الحـوار، فلكي يكون هناك حوار يجب أن يكون هناك آخر ليس فقط كهيئة أراها إنما أيضاً ككيان أدرك وجوده و أعترف به بداخلي و ليس فقط كذلك و إنما أحترمه لا لأنه نسخة طبق الأصل مني وإنما هذا الآخر المختلف عني قد يكون لديه من الحقيقة ما لا أملك و عنده من الخبرات ما لم أحياه قبلاً
نحتاج أن نتعلم لغة جديدة للتواصل مع هذا الآخر، لغة غير مشفرة، لغة لا تخفي الحق ولا تشوهه، لغة تحافظ على تمايزي وتفردي كما تحافظ على تمايز وتفرد الآخر دون أن تذيبنا في بعض أو تضع أمامنا الحواجز، لغة تحافظ على حريتنا كل على حدا وعن التعبير السلمي عن هذه الحرية إلى أقصى مدى، لغة تجيد بحق فعل التواصل حيث أن الحوار الحقيقي هو أولاً حوار يتمتع بالمرونة كل طرف فيه يؤمن بذاته و بالآخر، أما بدون ذلك يصبح الأمر كما قيل " أعمى يقود أعمى كلاهما يسقطان " وأكمل : أطرش يحدث أطرش
فقط كلمات تتطاير هنا وهناك وسرعان ما تذهب مع الريح . هذه المرونة التي نتحدث عنها تستوعب أكبر قدر من الاختلاف والنقد الموضوعي شرط أن يكون بالفعل موضوعي دون إفساد الود والاحترام المتبادل بينهما، حيث أنه لو ظن طرف أنه يملك الحقيقة المطلقة عندئذ يكون قد أصاب الحوار بالسكتة القلبية و أصيب هو نفسه بالطرش فلماذا عليه أن يسمع شئ آخر إذ هو لديه الحق كل الحق ؟
هذا هو الحوار .. الديالوج .. الذي يتكون بالحق من طرفين .. أحرار .. موضوعيين .. يقومون بإثراء أحدهما الآخر بدون وصاية ولا خوف .. و إنما يجمعهما الاحترام والود حتى وإن لم يتفقا على الإطلاق