من أجمل النصوص المشاركة في مسابقة شمشا 2009
داخل مملكة البن والسكر
انهاء الياس سيفو
تعبتْ ساقاه وهو يتوق للجلوس على كرسيه المدور .. خارتْ قواه وتمنى من قدح صباحها حفنة من رذاذ الماء الذي ترشه على خدود ازهارها لتصحو من نومها . الى عملها الروتيني الصباحي هَمّتْ الحياة وهي منهمكة تفك في متاهاتْ الفراغ لغزه . تشابكتْ الافكار في بحر العتمة لتصيد سمكة ؛ هذا الرزق المؤجل ابدا ... تمهلتْ قليلا وهي كالشمس تفرد في الفراغ الهائل صدرها لتستر رأس الارض بنور الصباح الذهبي ... بشفتين حائرتين مُطبقتين عن الحب والشوق ، تنهي عمره القصير جدا ، ذاك المسكين كُتب له السجن داخل قفص الاخبار كقلبها العجوز المحكوم عليه بالعيش على فتات الحب خلف قضبان الذكريات . ها هي تصطحبه معها الى شرفة الروح ، كقطيع صغير ينطلق في البراري يرفس المروج برنة قلائده ، هناك تحلُّ جدائلها دون خوف او خجل يرقص حلمها وحيدا على اصابع السكون الخضراء . تسافر دون شريان او وريد في جسد الصباح ومن مصطبة الافق تُسدل في ذهاب واياب أقدامها ، فهي تعتمر قبعة الثلج لكن في داخلها غرفة صغيرة ورثها الشباب ... عميقا في احشائه تستريح امتعتها حتى يتقلّب مساء افكارها بالالوان .. ها هي تبحث ... عن ماذا ؟ .. انا والعصفور انتابنا الغثيان وهي تكثر من الدوران ؛ يشغلنا هذا السؤال كما يشغل ذهن الازهار ... تسمرتْ بلهفة كعواميد النور الخرساء عيناها ... ونحن اكثر لهفة لنرى ما ترى ... يشفق جبينها كمن يرى من ثقب الابرة الفردوس ، لا تزال تشدهُ من خصره ومن فمه يتصاعد ضباب الاسرار فتنتعش بزفيره ، تداعب يده ، تغار عليه ، يتحطب للنار قلبها عشقا له ، للمجهول المولود في حدقه عينيه ، يستطيل بين اضلعها كأنها بشرى ساره ترجوهُ ... ماذا تبحث في دوامة غسقتْ للتو ونامتْ كل افلاكها ، وما عادتْ عيون المساء تسهر في عيونه ، تثنيه يميناً نحو بوابة قراراتها الموصدة احتجاجاً لخيباتها المتكررة ... ويساراً نحو قصائدها المهداة ، حسب وصيتها ، لخريف العمر المبكر جدا ً ؛ تتمعن به كاثمن ماسة تكتنزها في صندوق الليل الطويل ، يتوغل لمعانها في خطوط دمها فتتأنق مساماتُها بهجة ً؛ ها قد ابتسمتْ ربما خبر ... ربما حصيلة العمر لقاء ولكن لماذا في مفترق الطرق قد جاء ؟! او نصيب تدوّر في رسغ مشوار قصير ؟! لاتزال تبحث والعصفور يشرع بنشيد الانتصار والازهار تنتصب لاستقبال مهيب وانا لا أدري كيف انا ، وفي الكف الاخر من ميزان الحياة لاتزال هي الاثقل ... تداخلا في دهشةٍ حاجبيها ، أتعيد الايام موعدٍ لا مبالٍ اكلتْ الريح رجليه فجثا بين الادغال مُقعداً وما أزهر ؟! تصدع رأسه وهي تدير دفة الافكار بحسب ريحها والهواء اسرعَ حولي بالدوران . من جديد تسمرتْ اللحظات ، أوشكتْ الزهور ان تهز خصرها والعصفور أن ... ولكني أضعتُ العنوان حينما تنهدَ ليل رأسها ومالتْ باتجاهين متعاكسين ساقاه فما عاد يريد عتمته التي ابتلعنا منها النور. سرٌ للمرة الاولى يبوح به ... تمهلتْ قليلا ونفختْ فيه حتى اردتّه على كرسيه المدور قتيلا ومن قبضتها تحررتْ انفاسه واطفأتْ بيديها مصباح عينيها لترى في العتمة حقيقة لم يُجدِ البحث عنها داخل مملكة البن والسكر . أغلقتْ شرفة ايامها وتركتْ الفنجان على اوراق العمر منكوبا ً .