الاقتداء بالمسيح
الاقتداء بالمسيح
« لقد أبقى لكُمُ المسيحُ قدوةً لتقتفوا آثاره »
(21 : 1 بطرس 2 )
الاقتداء بالمسيح
نقله عن اللاتينية
الأب بطرس المعلم البولسي
طبعة جديدة
1999
جميع الحقوق محفوظة
منشورات المكتبة البولسية
جونيه شارع القدّيس بولس – ص ب 125
09/ 09 - فاكس: 918447 /933052 - ھاتف 911561
01/ بيروت – شارع لبنان – ھاتف 448806
08/ زحله – الحمراء بلازا – ھاتف 812807
تصدير
بقلم صاحب السيادة
المطران بطرس كامل مدور
لقد كثر في عصرنا إقبال الاكليريكيين والمؤمنين أنفسھم على العمل الرسولي، لبنيان جسد المسيح السرّي أي كنيسة لله. واندفع
كثيرون منھم في ھذا التيّار بإفراطٍ بات يخشى معه على حياتھم الروحية الداخلية وعلى فاعلية رسالتھم عينھا. ولا تزال الكنيسة نفسھا ومعلمو
ويدعون كل من يزاول العمل الرسولي الى صيانة حياته الداخلية أولا، باتخاذ ،« ھرطقة العمل » الحياة الروحية يحذرّون من خطر سموه
وليس لھذا الغرض وسيلة افعل في النفس من مطالعة الكتب .« حياة مستترة مع المسيح في لله » الوسائل التقليدية في الكنيسة لممارسة
الذي لا يحتاج الى تعريف. « الاقتداء بالمسيح » الروحية التي تدعو الى الحياة الداخلية، واشھرھا كتاب
فذلك ما حدا احد المرسلين البولسيين الى إخراج ترجمة جديدة لھذا الكتاب النفيس في قالب أنيق أقرب ما يكون الى النص اللاتيني
الاصلي وأنفذ ما يبلغ الى صميم النفس التقية العابدة. واذا ھو كتيب جميل الطبع لطيف الحجم يدخل في كل جيب، ويطالع في كل آن، ويتغلغل
في كل نفس، لانه جعل بظرفه واسلوبه وضآلة ثمنه في متناول الجميع.
فليجزل لله أجر ناشريه، وينلھم غاية مبتغاھم، لمجده تعالى وتقديس النفوس العاملة وفائدة المؤمنين وبنيان كنيسة لله. ذلك أحر دعائي
واسمى مبتغاي.
* بطرس كامل مدور
رئيس أساقفة بيلوسيوس
معاون البطريرك
مقدّمة
بقلم الأستاذ بولس سلامه
حسبُ ھذا الكتاب من الشرف ونباھة الصيت أنّ المسيح في عنوانه، فكيف به وھو دعوة للاقتداء بيسوع، اي اقتفاء الأثر الأرفع الذي
حلمت بصاحبه الدنيا، واشرأبّت الى طلعته العصور، فشرّفھا بميلاده في مغارة، وودّعھا – في الظاھر – كما سيعود اليھا على جناح سحابة!
وبين المھد والصعود دارت الأرض حول الشمس ثلاثاً وثلاثين مرة، وكانت ھذه الحقبة أجمل برھة في عمر الأرض، لو صحّ إدخالھا في
حساب الزمن، وأحرِ بھا أن تدخل في نظام الابدية: ذلك أن ثوانيھا حافلة بالخلود، وأنّ مالئھا ھو الجامع بين الازل والابد، وھو الذي أنار ما
بعده، وألقى الضياءَ على ما سلف، فبعث التاريخ من جديد كما تخلق الشمس الألوان للعين عندما تنسخ الظلال، فتنكشف الافاق عن دنياوات لم
تكن في البال، لا بالفعل ولا بالقوة.
ولقد طالما انشعبت آراء الباحثين في ھوية مؤلف ھذا الكتاب؛ وما يضير الالماسة النفيسة أن تلقيھا في صندوق الحسنات يمين لم تشعر
يُسراھا بما فعلت ؟ وعندي ان ھذا الاغفال المقصود ھو أول البراھين على اقتداء المؤلف بالمسيح، فالمقتدى به ولد في مذود، والكاتب
ثمره التواضع والحياة الباطنية، ،« الذي لم تسطر اجمل منه يدٌ بشرية » ، المقتدي طلب العزلة والتخفي في دير قصيّ منفرد. فكان ھذا الكتاب
إذ استنار واضعه بنور المسيح فأوحى اليه ما أوحى.
ومن دواعي العجب علم المؤلف بالنفس البشرية، وبما يعتريھا من خور، ويضطرب فيھا من لجج فيھا الدّرّ والصدف، والحيتان
والمرجان، والعافية والسرطان. ولا ترى صاحبنا يقف عند عرض الداء فيروعك بما يصف من ھوله، ويشيع الوھن في أعصابك واليأس في
قلبك، بل يدعوك الى الرجاء لا الى قنوط شوبنھور، والى التسلح بقوة من غير طراز قوة نيتشه، بعد أن يفتح بصرك على الاغوار الصاخبة،
على غير طريقة سيغموند فرويد وأضرابه.
يريك الھاوية لتنصرف عنھا الى القمة بوثبة كوثبة الطائر الذي يساعده التواء الغصن على الوثبة، لتبسط جناحيك لا في الزوبعة التي
ترد القوادم على الخوافي، بل في الاثير السماوي، في جو المسيح. يغطّ المؤلف ريشته مرة بالايمان ومرة بالمحبة، فيصرف الاسماع عن
.« تعالوا اليّ يا جميع المتعبين » : ضوضاء الأرض، والابصار عن اباطيلھا، عادلا عن طريقة سليمان الى طريقة القائل
ھذا الكتاب دعوة الى السلام في ظل الصليب، لا الى اللذات العابرة يحسھا الغواة كما يجد الاجرب لذة في حك البثور، ولا يزيده
الحكّ إلا ھياجاً على ھياج وسوءا على سوء؛ ولا الى الخيرات الزمنية التي انتظرھا اليھود من يسوع، فكان يومه المحجل عندھم يوم أشبعھم
سمكاً وخبزاً؛ بل الى الخيرات الروحية التي تھزأ بالفناء، وتصل الأرض بالسماء. صاحبنا يدعو الى الاقتداء بيسوع العملي، الذي عاش وجوده فكانت حياته فعلا موصولا فحق له القول (( انا الطريق والحق والحياة )) .
Page 2
الاقتداء بالمسيح
ولطالما كان ھذا الكتاب واحةً منقذة للذين أضلھم الشيطان فتاھوا من قفر الى قفر وساخت أقدامھم في الرمضاء حتى الركب، لا
يكادون ينقعون غلة حتى تسلمھم الشھوات الى اختھا، فأتاح لھم ھذا السفر ريّاً سماوياً وھداھم ينبوعاً زلالا، من يشربه لا يظمأ الى الابد لانه
ماء الحياة، ينھل من كأس ربّ الحياة. بيد ان العطاش الذي ارتووا لم يقبلوا عليه متكبرين متوشحين غطرسة الفلاسفة: فتلك عنجھيةٌ تفضي
الى شك دافيد ھيوم وجفاف عمنوئيل كنط ، بل انھم تناولوه بتواضع العقل، الذي يفتح الباب للنسيم العلوي. فيدخل منعشاً ويرفع النفس الى
الاجواء العلى؛ فمثل القلب الوديع مثل الارض المطمئنة يغمرھا الماء فتخصب. أما الرعان المتشامخة فنصيبھا الشمس المحرقة لا يلبث نبتھا
أن يجف ويستحيل ھشيماً. وخير لمن سيج على قلبه بغرور العلم الناقص، وغشى بصيرته بالادعاء الفارغ، ألا يتناول ھذا السفر الغالي، إذ
قال الحكيم. ،« يا بنيَّ، أعطني قلبك » : يقع البرُّ الجيد على الصخر الجلمد
التواضع في الاھداف الرئيسة التي يدعو اليھا الاقتداء، وأحسبه رأس الفضائل. ومن المؤسف أن تتقلص الوداعة من الصدور في ھذا
العصر الشماخ؛ وقلما تجد لھا ظلا في صدور النشء الطالع المدّعي المعرفة وليس له منھا إلا الدعوى، فتراه ھازئاً بالقيم، متھكماً بالدين،
ساخراً بالعقائد، زاعماً انھا صلحت لعصر المحراث ومركبة الخيل، وتخلفت عن موكب الحضارة في عصر المذياع والطائرة. وإنھا لنظرة
ضالة، نصيبھا من الصحة نصيب زعم القائل: كان المثلث مؤلفاً من ثلاثة أضلاع في عھد إقليدوس، اما اليوم فلا.
ومن اركان الاقتداء وجوب التضحية والصبر على المكاره والتمرّس بالالم، والعالم أحوج ما يكون الى ذلك في عصر طغى فيه حب
الذات، وأخذه الترف فأصيبت العزائم بسلٍ روحي نزع الرجولة من صدور الرجال، والانوثة من أفئدة النساء، فكأنھم وكأنھن آلاتٌ في جملة
آلات المدنية الزائفة، التي كان لھا القسط الأوفر في خنق الھمم، وقتل المروآت، وإشادة المعابد للمادة والتنكر للميتافيزيقية، وشيوع الالحاد
حتى اعتبر ضرباً من ضروب الرُّقي، وغدت الروحانيات آخر ما يخطر في البال. ولا عجب، فإن الملاحدة لا يؤمنون إلا بالمحسوس، وعبثاً
أجھدوا أبصارھم فلم يجدوا الروح لا في المعمل ولا في المختبر ولا في قاعة السينما.
ومن أھم نقاط الاقتداء الدعوة الى الحياة الروحية الباطنية التي تسمو على الطقسيات سمو الباب على القشوط – وان كانت القشور
.« انّ ملكوت لله في داخلكم » : تعين على حفظ اللباب فتقيه لفح الھجير، وتحوّطه بحرز لا بد منه – والى ھذا الجوھر أشار المسيح بقوله
، وھي الطريق التي سلكھا اوغوسطين وبسكال وكيركغورد وتيريز دافيلا ويوحنا الصليبي وسواھم من فالحياة الداخلية اتصال مباشر با
كواكب التاريخ، وكان ھنري برغسون منھا قاب قوسين أو أدنى كما يظھر من كتابه (مصدرا الدين والاخلاق). ولقد لمح ذلك اليھودي النير
الفؤاد أنّ العقل الكنطي، وحده، قاصر بدون الحدس أو الوثبة الكبرى التي عرفھا الوجوديون الجديرون بھذا اللقب، وإن ھي الا ارتماء الابن
الشاطر في حضن أبيه تائباً متواضعاً مطرحاً كبرياءه وجھله في زرائب الخنازير، بعد أن تشھى مآكلھا وظل جائعاً .
ولا ريب ان للمطالعات الروحية – بصرف النظر عن الكسب الاخلاقي – وقعاً في النفس يملك عليھا مشاعرھا، ويبعث فيھا من
الغبطة ما تقصر عن مثله روائع النوابغ، لأنّ روحاً علوياً يشيع فيھا فتقرأ وراء السطور أكثر مما تقرأ في السطور نفسھا. وأذكر اني طالعت
كتاب (حياة نفس) للقديسة تريزيا الطفل يسوع منذ خمس عشرة سنة فأنساني كثيراً مما قرأت لقمم الادب في أوربا: ذلك أنّ المحبة تغمره من
الدفة الى الدفة، وأنّ لغة القداسة ليست لغةً ھجائية تتآلف حروفھا فتولد معنى معروفاً في اصطلاح البشر: إن ھي إلا نفحة سحرية تنزلُ على
الافئدة من عالم غير ھذا العالم.
والكتاب الذي بين يديك ايھا القارئ تنزَّلَ من عالمٍ آخر، فإذا أسعدك الحظُّ باطلاعه، فمن الفطنة أن تحافظ على طھره في ذاكرتك، فلا
تعمد بعده الى الكتب الخليعة التي تكتظُّ بھا المكتبات كما تحفل القمامات بالاقذار. ومن العجب أنّ حروف المطابع لا تذوب خجلاً إذ تصكُّ
على الورق محالفة بين مؤلفيھا والشيطان، لان أولئك المرتزقة يشدون بالناس الى تحت، وأية عبقرية ترى في دعوتھم الانسان الى الحيوانية،
ذلك الانسان الذي احصى لله شعر رأسه، فلا تسقط واحدة منه إلا باذنه، الانسان الذي اقتداه بدمه الثمين يسوع مدار ھذا الكتاب ؟
بقي أن أھنئ حضرة المترجم الجليل الذي أفرغ جھده في ھذه الترجمة لتأتي أقرب ما يكون الى الأصل، فأمعن في البحث والتقصي،
ذاھباً الى أبعد المصادر وأوثقھا في اللغة اللاتينية، مقابلاً مقارناً بين شتى الترجمات في اللغات الحديثة، غير مدّخرٍ وسعاً في التمييز بين
الاصداف واللآلئ. ولقد أسبغ على المعاني لغة من حرير خالٍ من الزخرف البين والصناعة المزركشة، على أنه الحرير الخالص لا خشونة
فيه ولا تعقيد، فما أبعده عن ديباجة القدامى التي علاھا الغبار وأخلقھا التزمت، وھلھلة العصريين التي ذھبت بالرونق والوقار. إنھا لغة الحياة
المطواعة التي لا تتخلف عن ركب الحضارة حتى ليرضى عنھا سعيد عقل نفسه. ومن محاسنھا انھا جمعت بين الطلاوة والانسجام إذ ألزم
المترجم قلمه ما لا يلزم إلا الشاعر الذي يتعمد المؤسيقى، فلا تنافر في التركيب ولا اعتلال في الايقاع، أو الرسّام الذي يؤلف بين الالوان
فتخرج باسمة زاھية لون الفجر الأشقر الذوائب، أو حمرة الشفق في عشايا الربيع الصاحية، لا كدّر ولا غيم بل صفاءٌ في صفاء.
ولم يقصر صاحبنا ھمه على إرضاء الاذن بالاوتار الحرفية والكلم الصوادح، بل تعدّى السمع الى متعة النظر، فعمل على إخراج
الكتاب أفضل ما يكون الاخراج، إذ اتخذ للمحتوى النفيس، إطاراً جميلاً من حرف جيد الى ورق وضيء، فأرضى السمع والبصر والذوق
جميعاً، ناظراً في كل ذلك الى مجد لله ونفع القارئ، إذ يسر للمطالع أسباب الراحة، فجعل الكتاب لطيف الحجم بحيث يحمل في الجيب –
وإن كان محتواه يوازي الوزنات العشر- . ولا خوف على القارئ من اللحن والتصحيف فقد جعله المترجم في حرز حريز منھما بأن ضبط
Page 3
الاقتداء بالمسيح
الكلام بالشكل وعلامات الوقف. ولا خطر من اضاعة الوقت في التفتيش عن موضوع معين، فقد ألحق الكتاب بتقويم ھجائي نفيس يسھل
للباحث جميع مطالبه.
ويقيناً ان ھذه الترجمة جاءت قمة الترجمات السالفة، فكانت حسنة مضافة الى حسنات حريصا التي يحسن في تقريظھا الاجمال،
حفاظاً على التواضع وھو إحدى الجواھر في فضائل ھذا الكتاب.
بولس سلامه
____________________________________________________
السفر الأول
نصائح مفيدة للحياة الروحية
طوبى لمن يعلمه الحق بذاته... ليصمت جميع المعلمين »
«. ولتسكت الخلائق كلھا في حضرتك؛ وأنت وحدك كلمني
( 1 اقتداء 1:3 و 2 )
الفصل الأول
في الاقتداء بالمسيح واحتقار اباطيل العالم كلھا
.«[ من يتبعني - يقول الربّ- فلا يمشي في الظلام[ 1 » -1
ذاك ھو كلامُ المسيح، يخصنا به على التشبه بسيرته وأخلاقه، إن أردنا الاستنارة الحقة، والتحرّر من كل عمى في القلب.
فليكن إذن جُلُّ اھتمامنا، التأمل في حياة يسوع المسيح .
-2 إن تعليم المسيح يفوق تعاليم القديسين كلھا، ومن كان فيه روح المسيح، فإنه واجدٌ في تعليمه المنّ الخفي.
بيد ان كثيرين، في الواقع، قلما يتأثرون بسماعھم المتواتر للانجيل، إذ ليس فيھم روح المسيح.
فمن أراد أن يتفھم جيداً ويتذوق أقوال المسيح، فعليه أن يجتھد في التوفيق بين حياته كلھا وحياة المسيح.
-3 ماذا يفيدك البحث العميق في الثالوث، إن خلوت من التواضع، بحيث تصبح غير مرضي لدى الثالوث.
حقاً ليست الأقوال السامية ھي التي تجعل الانسان قدّيساً وصديقاً، بل السيرة الفاضلة ھي التي تجعله عزيزاً على لله.
اني أفضل الشعور بانسحاق القلب، على معرفة تحديده.
لو عرفت على ظھر قلبك كل الكتاب المقدس، وأقوال الفلاسفة جميعاً، فأيُّ نفع لك في ذلك كله، ان خلوت من محبة لله ونعمته ؟
Page 4
الاقتداء بالمسيح
ٍ
ما خلا حب لله والتعبد له وحده . ،«[ باطل الأباطيل وكل شيء باطل[ 2 »
ھذه ھي الحكمة السامية : أن يسعى الانسان الى الملكوت السماوي، باحتقاره العالم.
-4 فباطلٌ إذن طلب الأموال الزائلة، والاتكال عليھا.
باطلٌ أيضاً الطمعُ في الكرامات، والتطاول الى المرتبة الرفيعة.
باطلٌ اتباع شھوات الجسد، وابتغاء ما يستوجب لنا أخيراً شديد العقاب .
باطلٌ تمني العمر الطويل، مع قلة الاكتراث لعيشةٍ صالحة.
باطلٌ قصر النظر على الحياة الحاضرة، وعدم التبصر في الأمور المستقبلة.
باطلٌ حب ما يزول بكل سرعة، وعدم الاسراع الى مقر الفرح الدائم.
.«[ العين لا تشبع من النظر، والأذن لا تمتلئُ من السماع[ 3 » : -5 تذكّر مراراً ھذا المثل
فاجتھد إذن أن تصرف قلبك عن حب المنظورات، وتنتقل به الى غير المنظورات.
فإن الذين ينقادون للحواس، يدنّسون ضمائرھم، ويفقدون نعمة لله.
*** ***
الفصل الثاني
في استحقار الانسان نفسه
-1 كل انسانٍ، من طبعه، يرغب في العلم، ولكن ماذا ينفع العلم من غير مخافة لله؟ .
، لأفضلُ، حقاً، من الفيلسوف المتكبّر، الذي يرصد دوران الفلك، وھو غافلٌ عن نفسه. ان الأميّ الوضيع، المتعبّد
من يحسن معرفة نفسه، يحتقر ذاته، ولا يلتذ بمديح الناس.
لو كنت أعرف كل ما في العالم، ولم تكن فيّ المحبة، فماذا يفيدني ذلك أمام لله، الذي سوف يدينني على أعمالي؟
-2 كفّ عن الرغبة المفرطة في العلم، فإنّ فيھا كثيراً من التشتت والغرور.
إنّ أھل العلم يرومون أن يظھروا وأن يدعوا حكماء.
كثيرة الأمورُ التي قلما تفيدُ النفس معرفتھا، وقد لا تفيدھا البتة.
أنه لعلى جانب عظيم من الحماقة، من يھتم بغير ما يأول الى خلاصه.
عظيمة. كثرة الكلام لا تشبع النفس، بل العيشة الصالحة تثلج القلب، ونقاوة الضمير تنشئ ثقة با
-3 بمقدار ما تزداد توسعاً وتعمقاً في العلم، تكون دينونتك أشد قسوة، إن لم تزدد سيرتكم قداسة.
فلا يزھونك علم أو فن، بل خف بالحريّ لما أوتيت من معرفة.
إن خيّل اليك أنك واسع العلم، سريع الإدراك، فاعلم مع ذلك أن ما تجھل أكثر بكثير.
بل بالحريّ أقرر بجھلك. ،«[ لا تستكبر[ 4 »
لم تريد أن تفضّل نفسك على غيرك، وكثيرون ھم أعلم منك، وأفقه في شريعة لله؟
إن أردت أن تتعلم وتعرف شيئاً مفيداً، فارغب في أن تكون مجھولاً ومعدوداً كلا شيء.
-4 ان أسمى الدروس وأجزلھا فائدة، أن يعرف الانسان نفسه معرفة حقة، ويزدري ذاته.
إنھا لحكمة سامية، وكمال عظيم، أن لا يحسب الانسان نفسه شيئاً، وأن يحسن الظن دوماً بالآخرين ويحلّ قدرھم.
إن رأيت أحداً يخطأ جھراً - وأن خطأً جسيماً- فلا يحقّ لك، مع ذلك، أن تعدّ نفسك أفضل منه، لأنك لا تعلم كم تستطيع أن تثبت على
الصّلاح.
كلنا ضعفاء، أما أنت، فلا تحسب أحداً أضعف منك.