من الذاكرة طفولة وذكريات
في الذكرى الحادية والخمسين لثورة 14 تموز / 1958
فائز الحيدرقد يكون من الصعوبة أن يتذكر المرء أحداث وقعت قبل سنوات قليلة ، فكيف بحدث قد مر عليه أحدى وخمسين عاما" ونحتفل به نحن العراقيين كل عام ، واقصد هنا بالذات ثورة الرابع عشر من تموز / 1958 فرغم هذه السنين فلا زلت اعيش تلك الأيام بساعاتها واحداثها التي حفرت في الذاكرة .
ترعرعت بأحضان عائلة وطنية تقدمية ، ساهمت بالرغم من صغر سني في النضال الوطني مع اني لا أملك حينها ذلك الفهم والأدراك الكامل للأوضاع السياسية المعقدة والسائدة في تلك الفترة في الوطن ، وكان الحس الوطني يجعلني اتابع واشارك في بعض الأحداث أسوة ببقية المواطنين من أبناء الشعب بغض النظر عن أعمارهم ، اتذكر مشاركتي الأولى وأنا في العام الحادي عشر من عمري مع الآلاف من المتضاهرين في انتفاضة عام 1956 التي أندلعت تضامنا" مع الشعب المصري ضد العدوان البريطاني الفرنسي الأسرائيلي جراء تأميم مصر لقناة السويس ، كنت والمئات من أبناء الشعب البواسل من الأطفال والنساء والشيوخ في ساحة باب المعظم التي تحولت الى ساحة معركة حقيقية بين قوات الشرطة السيارة وقوى الأمن من جهة وبين الطلبة وبقية قطاعات الشعب المنتفضة من جهة أخرى ، كنا نسمع ونتابع الأضرابات والأعتصامات التي يقوم بها الطلبة في الجامعة ، لذلك كانت مهمتنا نحن الأطفال جمع الحجارة من الأرصفة والأزقة المجاورة وتهيئتها ومن ثن أيصالها من خلف جدران الكليات الى الطلبة المعتصمين في كليات القانون والآداب والأقتصاد ودار المعلمين العالية للبنات والهندسة لتي كانت متجاورة للبعض في ساحة باب المعظم في ذلك الوقت ، لغرض مقاومة الشرطة الملكية التي استعملت القوة المفرطة ضد المتضاهرين والمعتصمين في حين كانت مهمة النساء تجهزهم بالخبز والمياه والهلاهل . لقد تركت تلك الأيام وأحداثها ذكريات لا تنسى في الذاكرة رغم مرور أكثر واحد وخمسون عاما" عليها ومنذ ذلك الوقت عرفت حب الشعب والوطن وبدأ يزداد لدي الحس الوطني المعادي للنظام الملكي خاصة وان اعداد ليست بالقليلة من المناضلين العراقيين قد قتلوا أو دخلوا المعتقلات والسجون بسبب نشاطهم السياسي وأخلاصهم للوطن .
محاولة أغتيال الملك فيصل الثانيوقبل ان ندخل تفاصيل معايشتي لأحداث اليوم الأول لثورة 14 تموز عام 1958 بساعاتها وتفاصيل ما حدث ، لا بد من العودة لعام 1957 أيضا" والتطرق لأحداث جرت في ذلك العام ، ولم أكن حينها قد تجاوزت عامي الثانية عشرة من العمر وفي المرحلة النهائية للدراسة الأبتدائية في مدرسة التضامن الأبتدائية في محلة الدوريين قرب مستشفى الكرامة في الكرخ . كانت من عادة موكب الملك فيصل الثاني أن يتوجه الى عمله الرسمي في البلاط الملكي الواقع في منطقة الكسرة في الأعظمية . أن يأخذ مساره من قصر الزهور أو قصر الرحاب مارا" بشارع دمشق فساحة المتحف ، فعلاوي الحلة ، ثم يسارا" الى الشارع الموازي لشارع الشيخ معروف والذي تقع في وسطه مدرستنا ( مدرسة التضامن الأبتدائية ) ، ثم الشارع المحاذي لمقبرة الشيخ معروف ومنها عبور جسر الصرافية الحديدي ومن ثم الى منطقة الكسرة في الأعظمية حيث البلاط الملكي ، وطيلة سنتين لي قضيتها في هذه المدرسة كنا نشاهد بين فترة وأخرى ومن خلف سياج المدرسة قليل الأرتفاع الموكب الملكي وهو يمر ببطئ في حوالي الساعة التاسعة صباح كل يوم تقريبا" ونكون نحن الطلبة في فترة الأستراحة الأولى بعد الدرس الأول ، حيث تجرى للموكب التحضيرات الأمنية في الشارع يسبقه وعلى بعد عدة مئات من الأمتار عدد من افراد الحرس الملكي بزيهم الأبيض المميز وخوذهم المعروفة وهم يستقلون الدراجات النارية ، ويحيط بسيارة الملك ما يزيد عن تسعة من افراد الحرس الملكي بدراجاتهم أيضا" ، ثلاثة منهم أمام السيارة وأثنان على جانبيها وثلاثة في المؤخرة مع انتشار بعض افراد الشرطة ورجال الأمن هنا وهناك في كل محلة يمر بها .

في صباح أحد أيام شهر نيسان من عام 1957 كنت متوجها" الى المدرسة كالعادة وجلب أنتباهي وعلى الأرض حجرة كبيرة) حصوة ) يقدر وزنها بربع كيلوغرام مصقولة وذات ألوان جذابة وكأنها من صنع نحات مميز ، حملتها معي الى المدرسة وانا فرح بها لغرابتها وألوانها الجميلة ، بمرور الوقت أحسست بثقلها وقررت التخلص منها رغم أعتزازي بها ولكن كيف ؟ والكل يتمنى ان يحصل على هذه التحفة الزاهية ، دقائق من التفكير قد مرت بسرعة البرق ولا أدري كيف خطرت ببالي فكرة رميها على الموكب الملكي عند مروره هذا اليوم من أمام المدرسة غير مباليا" خطورة وتبعات عملي هذا .
وفي وقت مرور الموكب وبعد ان شاهدت الدراجة النارية الأولى للحرس التي عادة ما تسبقه بعدة مئات من الأمتار للأطمئنان على الوضع الأمني ، صممت على تنفيذ المهمة مهما كانت تبعاتها دون ان ادع أحدا" من الطلبة ينتبه لي ، كان جميع التلاميذ قد أصطفوا كالعادة بجانب سياج المدرسة لمشاهدة الموكب ، توجهت خلسة الى أحد اركان المدرسة اليمنى والقريبة من الأدارة وبحذر شديد رميت الحجارة على الموكب وحسب الصوت الصادر من الدراجات النارية المرافقة للملك وعدت مسرعا" مندسا" بين بقية الطلبة المصطفين على السياج وهم يصفقون للملك وكأن شئ لم يحدث ، أصاب الهرج الموكب الملكي بعد ان أصابت ( الحصوة ) مقدمة السيارة ، وتعالت أصوات وصافرات وزادت السيارة الملكية من سرعتها يحيط بها الحرس الملكي في حين رفع بعض افراد الشرطة اسلحتهم النارية تحسبا" للطوارئ . بعد ثوان من الحدث دخلنا الدرس الثاني مسرعين وقد أصابنا الخوف والرعب .
لم تمض اكثر من نصف ساعة ونحن داخل الصف حتى أقتحمت قوة من رجال الشرطة والأمن المدرسة وأدارتها وطلب من كافة المعلمين التوجة لغرفة الأدارة وتم احتجازهم وبدأ التحقيق معهم وخاصة مع المعلمين المعروفين بميولهم الوطنية لكون إن أحد أفراد الحرس الملكي قد شاهد ان مصدر الحجارة كان من المدرسة . ، وبعد نصف ساعة تقريبا" طلب من كافة الطلبة الأصطفاف في ساحة المدرسة وبدأ ضابط شرطة وبرتبة رائد يهدد الجميع بما فيهم أدارة المدرسة ويستعمل كلمات نابية ويتحدث عن ( محاولة لأغتيال جلالة الملك المفدى ) ويطلب من التلاميذ تزويده بأي معلومات عن الفاعل لكن دون جدوى . وبعد حديث طويل وتوجيهات استمرت لفترة طويلة طلبت ادارة المدرسة من كافة الطلبة العودة الى بيوتهم وحتى اليوم الثاني على ان تقوم الشرطة بتحقيق مطول فيما بعد .
عدت فرحا" للبيت لأنقل ما جرى للأهل والجميع غير مصدق ما عملته وتحدثت به أمامهم مع توصية الوالد ان يكون الأمر سرا" لكونه يسبب خطرا" كبيرا" على جميع أفراد العائلة ومثقفيها المحسوبين على التيار الوطني اليساري حينها . بعد تلك الحادثة لم نشاهد الموكب الملكي يمر من امام المدرسة ويبدوا ان خط سير الموكب الملكي قد تغير لأسباب أمنية .
في درس العلوم وكما يسمى في ذلك الوقت ( الأشياء والصحة ) طلب مني المعلم ( وصفي ) المعروف بميوله الوطنية بين المعلمين ، مقابلته لأمر هام بعد أنتهاء الدرس وفي قاعة المرسم ، كنت خائفا" ومرتبكا" للغاية وخاصة من دعوته الغريبة الغير عادية رغم علاقتي الجيدة به ، وسألني فيما أذا كنت قد شاهدت من رمى الحجارة على سيارة الملك ؟ وكان جوابي طبعا" بالنفي ، ثم عاود سؤاله هل انت متأكد من ذلك ؟ وكان جوابي بالنفي أيضا" ، وعندها مد يده اليمنى ومسك أذني اليسرى وأخذ يعصرها بقوة وهو يقول لا داعي للكذب لقد شاهدتك من خلف نافذة الأدارة وأنت ترمي الحجرة على الموكب ، واستمر يتحدث وهو ما زال يعصر أذني بقوة وهو يقول .. أولا" ان أرت ان تفعلها ثانية فعليك ان لا تدع احد يشاهدك مهما كان هل فهمت ، وثانيا" عليك ان تكون دقيقا" في التصويب في المرة التالية حتى تكون الأصابة موفقة أكثر ، وثالثا" لا تخف فسيكون الأمر سرا" بيننا . الحقيقة لم أكن أتوقع ما حدثني به المعلم وصفي وأستمرت علاقتي به لسنوات طويلة وهو يناديني داخل الصف بالبطل دون ان يفهم بقية التلاميذ ما يعني بذلك ، وفي السنة التالية وبعد ثورة 14 تموز كنت قد تخرجت من الأبتدائية ودخلت المتوسطة ، وفي احدى زياراتي للمدرسة قدمني لزملاءه في أدارة المدرسة ضاحكا" ... أتعرفون من هذا البطل الشاب ؟ أنه من أراد أغتيال الملك في السنة الماضية وتحملنا نحن تبعات عمله هذا وسط ذهول وضحك جميع المعلمين ومن كان في الأدارة .
ثـورة 14 تمـوز / 1958لقد أجمع المؤرخون على وجوب كتابة التأريخ بحيادية والأبتعاد عن الأراء الشخصية لكي يكون سجل للأجيال القادمة كي تتعلم منه بصورة صحيحة دون التاثر بآراء المؤرخ الشخصية وفكره السياسي او الطائفي ، فالتأريخ هو ذاكرة الشعوب . لقد أختلفت الروايات وتناقضت التصريحات عن أحداث ثورة 14 تموز / 1058 ، وكيفية تنفيذها وظروف مقتل العائلة المالكة ، وكتب الكثير من الكتاب والباحثين والدارسين عشرات المقالات عن هذه الثورة وغالبيتهم اعتمد في كتاباته على روايات منقولة عن مصدر واحد ، أو أشخاص متعاطفين مع العائلة المالكة كان غرضهم الأساسي تشويه الثورة كما فعل السيد فالح حنظل الضابط في الحرس الملكي في ذلك الوقت ، والبعض الأخر سمعوا عنها من مقربين لهم دون ان يساهموا بها واصبحت أرائهم معتمدة للكثير من الدارسين رغم عدم دقتها . وهناك البعض من المساهمين بالثورة فعليا" قد كتبوا عن الثورة حسب دور كل منهم في تنفيذها وما جرى من مفاوضات مع الحرس الملكي والعائلة المالكة والتي استغرقت حوالي الساعتين وما جرى بعدها من تطورات أدت الى مقتل الملك وعبد الأله وبعض افراد العائلة المالكة . ومع ذلك فهناك الكثير من الأسرار التي لم يتم لأحد التوصل الى معرفتها لحد اليوم .
والغريب ان البعض ممن كتبوا عن الثورة لم يميزوا حتى بين قصر الرحاب الخاص بعبد الأله الواقع في الجهة اليمنى من نهاية شارع دمشق وبالقرب من جسر الخر وبين قصر الزهور الخاص بالملك فيصل الثاني والواقع في الحارثية وفي الطرف المقابل لقصر الرحاب بجانب ثكنات معسكر الحرس الملكي والذي لم تصله الجماعير يوم الثورة ، ففي ليلة الثورة كان الملك فيصل الثاني قد قضى ليلته مع خاله عبد الأله وبقية العائلة في قصر الرحاب أستعدادا" للسفر الى تركيا ، وبذلك كانت فرصة موفقة لقادة الثورة في محاصرتهم فيه .
وما اكتبه اليوم من ذكريات هي شهادة واقعية لليوم الأول للثورة كما عشتها بساعاتها والأيام التالية لها وما يتناسب مع عمري في ذلك الوقت .
بعد أنهاء دراستي للمرحلة الأبتدائية وفي العطلة الصيفية تعوت النهوض صباح كل يوم مبكرا" لأرافق الوالد ذاهبا" الى العمل . كان صباح يوم الأثنين الرابع عشر من تموز / 1958 يوما" هادئا" لطيفا" بنسيمه العليل ونحن نقضي ليلتنا على سطح الدار كأي أسرة عراقية . في ذلك الصباح وفي الساعة السادسة تقريبا" استيقظت فزعا" وليس كعادتي بعد سماع رشقات لأسلحة رشاشة وبعد ثوان تبعتها رشقات أخرى ، أيقضت الأهل مسرعا" وأسرعت الى جهاز الراديو لنستطلع الخبر ، ليس هناك سوى البرامج الأعتيادية مما يدل على ان هناك شئ غير طبيعي لم يصل الى الأذاعة بعد ، وبعد مرور ما يقارب العشرة دقائق سمعنا رشقات لأسلحة رشاشة أخرى صادرة عن بعد وأخرى عن قرب مع سماع اصوات وهتافات غير مفهومة ، تركت البيت مسرعا" الى ساحة المتحف القريبة لأستطلاع الخبر وشاهدت الآلف من المواطنين وهم يتحدثون عن الثورة وسقوط النظام الملكي .عدت مسرعا" لأخبر الأهل بما شاهدت ولنتابع ما يصدر من بيانات للثورة ، وبعد دقائق أستمعنا الى البيان الأول للثورة على لسان العقيد عبد السلام محمد عارف كما علمنا فيما بعد ، وبعد نصف ساعة أعيد البيان مرة أخرى وتلتها دعوة للعقيد عبد السلام مجمد عارف وهو يدعوا الجماهير للتوجه لقصر الرحاب ( لدك أوكار الخونة ) ، طلب الوالد منا جميعا" الهدوء لغاية معرفة الأمر عن كثب فلربما هناك محاولة أنقلابية فاشلة كما حدث سابقا" لأسقاط النظام الملكي . اسرعت ثانية الى ساحة المتحف لأستطلع آخر تطورات الوضع فشاهدت الآلاف من الجماهير وهي تسير بأتجاه شارع دمشق المؤدي لقصر الرحاب حيث يدعوا البيان الأول للثورة والجميع يهتف بحياة الثورة والموت للطغاة .عدت مسرعا" للبيت لأخبر الأهل بما شاهدت من جديد ولأخبرهم بنجاح الثورة ، طلب منا الوالد عدم مغادرة البيت والأستماع الى الراديو خوفا" على حياتنا من المجهول ، وفي غفلة من الوالد قفزت لأتناول رغيفا" من الخبز وخرجت مسرعا" حيث حشود الجماهير وهتافاتهم .

في تلك الأثناء وصلت قوة عسكرية صغيرة مكونة من بضعة أفراد وأخذت لها موقع قدم في الساحة ، خيمة عسكرية خاكية اللون مع بضعة جنود ومدفع مضاد للجو مع طاقمه الذي لا يزيد عدده عن عدد الأصابع ، وأخذ أحد الجنود وضع الأنبطاح واضعا" أصبعه على زناد رشاش آلي قديم من مخلفات الحرب العالمية الثانية ، الجماهير تواصل مسيرتها بأتجاه قصر الرحاب وقد أصابهم الذهول لسماعهم البيان الأول للثورة والبعض الأخر فرحا" يهنئ من بجانبه ليعبر عن سعادته وآخرون لزموا الصمت لربما ينتظرون نتائج الثورة وأستقرارها .
الساعة تشير الى ما قبل التاسعة صباحا" وبالقرب من ساحة المتحف ووسط الجموع الغفيرة لمحت دبابتين تتوجهان بأتجاه القصر قادمة من معسكر الرشيد وعلى ظهر أحدها كان أبن العم الملازم الأول جبار خضير الحيدر مع ضابط آخر هو الرائد أبراهيم كاظم الموسوي بعد ان جاءت التعليمات لهم بالتوجه لقصر الرحاب لدعم القوة المهاجمة ولأسكات المقاومة هناك ، حييته وحاولت الصعود على ظهر الدبابة وهي تسير ببطئ من شدة الفرح وسط حشود الجماهير ولكني لم أفلح في ذلك .
يقول أبن العم النقيب المتقاعد ( جبار خضير الحيدر ) في الذكرى الخمسين للثورة ( كما وصل في الوقت ذاته عدد من الدبابات آتية من معسكر الرشيد عبر جسر الجمهورية بقيادة الرائد الشيوعي الشهيد ( ابراهيم كاظم الموسوي ) الذي استشهد على يد البعثيين يوم 8 شباط الاسود عام 1963 ، كنت اعرفه جيدا" ، ركبت معه في نفس الدبابة ، وزميلي النقيب نعمة صعد في الدبابة الثانية وتوجهنا نحو قصر الرحاب حسب طلب العقيد الركن عبد السلام عارف ، مررنا بساحة المتحف التي كانت مكتضة بالجماهير الثائرة تهتف بحياة الجمهورية وقادتها ، لا يوجد عتاد في الدبابات ، فاخذنا غدارات الجنود داخل الدبابة ولكن دون عتاد ايضا ، وعند وصولنا الى قصر الرحاب وجدنا ان المقاومة قد انتهت بفعل قوة المهاجمين الابطال الذين هم ضباط من مدرسة الاسلحة الخفيفة والتي آمرها الزعيم المرحوم ( ابراهيم الجبوري )
(1)الآلاف من الجماهير تأخذ طريقها نحو قصر الرحاب ، وتزداد الحشود كثافة كلما تقدمت الى الأمام ، قبل ان نصل الى مفرق المنصور ، سمعنا رشقات لأسلحة رشاشة وأخرى فردية متباعدة وتلاها صوت أنفجارين هزت أجواء المنطقة آتية من موقع قصر الرحاب الذي لا يبعد عنا سوى نصف كيلومترا" ، أصبت بالتعب والأعياء لشدة الأزدحام وحرارة الجو ولم اتمكن من المواصلة وقررت العودة , خاصة وان بعض الجنود وقفوا حائلا" دون وصول الجماهير للقصر لكون ان المقاومة من داخل القصر لا زالت مستمرة ، والبعض من الجماهير يسأل هل نجحت الثورة ؟ ما مصير الملك وعبد الأله ونوري السعيد ؟ من هم قائدة الثورة ؟ .
لم نعد نسمع بعد الأنفجارين العنيفين أية اصوات لأعيرة نارية وهذا يعني ان المعركة قد حسمت لصالح الثورة وكانت الساعة تقترب من الثامنة صباحا" أو ما بعدها بقليل ، سيارات عسكرية ومدرعات محملة بالجنود لا زالت تتوجه نحو القصر لدعم الثوار والبعض الآخر قادمة منه بالأتجاه المعاكس لشارع دمشق ، كانت هناك مدرعة عسكرية ومجموعة من الجنود بأسلحتهم الرشاشة وضعت عند الباب الرئيسي لمعسكر الوشاش ( منتزه الزوراء حاليا" ) بعد ان تمت السيطرة عليه من قبل الضباط الأحرار والمراتب المؤيدين للثورة ، وعلى بعد عدة مئات من الأمتار من الباب الرئيسي للمعسكر هناك جماهير غاضبة تحيط بسيارة خاصة صغيرة حمراء اللون تحمل ارقام أجنبية وبداخلها أثنين من الأجانب ( وهذا خلاف لما يقوله فالح حنظل من ان السيارة كانت تحمل أجنبي واحد فقط ) تحاول الجماهير أخراجهم منها وقد أغلقوا أبوابها ، لم نعرف من هؤلاء الأجانب ولمن تعود هذه السيارة ، العديد من الجنود وبعض المدنين يحاولون الحفاظ على حياتهم وأبعاد الجماهير الغاضبة عنهم . واصلت مسيرتي نحو ساحة دمشق قرب المحطة العالمية وقد أصابني الأعياء ولم أتمكن من السير بفعل الحرارة الشديدة ، جلست في المتنزه الواقع في الركن المقابل للمحطة لبعض الوقت والذي سمي بعد الثورة بمنتزه 14 تموز . ومن ثم عاودت السير بأتجاه ساحة المتحف .
الساعة تشير الى ما يقارب الحادية عشرة صباحا" ، المئآت من الجماهير متوجهة نحو ساحة المتحف قادمة من جهة المحطة العالمية وهي تحيط بشئ ما وسط الهتافات العالية ، دخلت وسط هذه الجموع الغاضبة لأرى جثة ممزقة لأنسان عاري ذو جسم ابيض مصفر وكأنه لم يرى الشمس وقد فقد كل الدماء الموجودة فيه من كثرة الطعنات والجروح ، كانت هذه الجثة تعود للوصي عبد الأله خا الملك وقد ربط بحبلين أحدهما حول الرقبة والآخر ربط من تحت الأبطين ، وبالرغم من كل شئ فملامح عبد الأله كانت واضحة لمن رآه سابقا" وهو مفتوح العينين ، الجثة المشوهة وعبارة عن شحم ابيض يعلوه وجه عبد الأله ، انهالت عليه ركلات الحشود بالاقدام وصاح أحدهم هذا جزاء الخونة وأخذ ينهال بحذاءه على الجثة ، أخر سحب خنجره وطعن الجثة بعدة طعنات وهو يصيح هذه لأخي الشهيد ، العار للقتلة الخونة ، واصلت مسيرتي مع الجموع وأنا انظر الى الجماهير الغاضبة الفاقدة للشعور والأنضباط في تلك اللحظات ، وكلما تقدمت الحشود الى الأمام صادفتهم الجماهير الهائجة والغاضبة القادمة من احياء مجاورة لتلقي نظرة او ضربة او طعنة آلة حادة في الجثة ، الحرارة تزداد تدريجيا" والجماهير تواصل سحل جثة عبد الأله نحو علاوي الحلة ومن ثم شارع المأمون المؤدي الى جسر الشهداء ، وأمام مخزن أحذية باتـا المقابل ( لفندق المأمون )
(2) توقفت الحشود والسحل وصعد أثنان منهم الى الطابق الثاني من الفندق ومن شرفته رموا حبلين تم ربط الجثة التي تقطعت بعض أطرافها وتم رفعها الى ما فوق الشرفة بحوالي المترين وبقيت هناك لفترة اكثر من ساعة وبعد انزالها تركت آثارا" على شكل بقعة دهنية واضحة على جدار الفندق لفترة طويلة كنت اشاهدها كلما مررت من امام الفندق ولأشهر طويلة ، في ذلك الحشد والحرارة الشديدة والروائح المختلفة والعرق المتصبب من الأجسام المتراصة مع بعضها أصبت بالأعياء ولم أستطع التنفس وأخرجت نفسي بصعوبة من بين الحشود متوجها" لمنطقة الشواكة حيث السفارة البريطانية وتمثال مود المنتصب أمامها . بينما واصلت حشود الجماهير سحل الجثة بعد انزالها متوجهة نحو وزارة الدفاع مرورا" بجسر الشهداء كما سمعت فيما بعد .
وبعد عدة أشهر من الثورة حصلت من أحد الأقارب على مجموعة أسنان مع جزء من اللثة حصل عليها من فك عبد الأله بعد ان تكسرت جمجمته وتناثرت أسنان الفكين ، كانت عبارة عن أربعة أسنان ، أثنان منها محشوة بالبلاتين ، وقد أحتفظت بهذه الأسنان في مادة الفورملدهايد لغاية السبعينات من القرن الماضي ومع الأسف لم اتمكن من الأحتفاظ بها حيث تخلصت منها بسبب تكرار عمليات الدهم والتفتيش من قبل قوى الأمن لدارنا وقد تكون مستمسكا" يدخلني في مشاكل فيما لو وقعت بأيديهم .
في الشواكة حيث ينتصب تمثال فاتح بغداد في 11 / تموز / 1917 الجنرال الأنكليزي مود وبملابسه العسكرية ممتطيا" حصانه في ساحة صغيرة أمام السفارة البريطانية ، انه رمز لأحتلال العراق من قبل بريطانيا ، ( أصيب الجنرام مود بمرض الكوليرا وتوفي في 18 / تشرين الثاني / 1917 ودفن في مقبرة الأنكليز في باب المعظم في بغداد ) ، شاهدت جندي عراقي يمسك رشاشة ميدان ثقيلة نوع فيكرس منبطحا" على الأرض بجانب الساحة الأيمن ، باب السفارة مفتوح على مصراعيه ، السيارة الحمراء الخاصة التي شاهدتها قرب معسكر الوشاش كانت متوقفة في مدخل السفارة وعلى بعد عدة امتار من الباب الرئيسية ، المئات من الجماهير تحاول أسقاط هذا النصب ، مستخدمة المطارق والفؤوس دون جدوى ، كانت البداية تحطيم وأزالة اللوحة البرونزية المثبتة على مقدمة قاعدة النصب الكونكريتية ، وبقي التمثال عصي عن السقوط رغم كل المحاولات ، وضعت عدة سلالم خشبية على الجانبين وتسلق العديد من المواطنين وربطوا حبال غليظة وسلاسل حول أماكن ضعف التمثال وحاولت الجماهير اسقاط التمثال دون جدوى ، بعد عدة محاولات فاشلة توجهت سيارتين حمل ثقيلة وتم ربط السلاسل بها وتم سحب التمثال بأتجاهات مختلفة ولعدة مرات لغاية أتمام المهمة بنجاح وسط هلاهل وهتافات الجماهير ، وتكسرت بعض أطراف التمثال واكملت الجماهير بما تملك من ادوات تكسير ما يمكن تكسيره ، في تلك الدقائق قابلت أبن العمة الدكتور لفته طارش العبيدي وهو يحمل كامرة صغيرة قديمة وطلب مني ان آخذ له صورة تذكارية عند سقوط التمثال ، ساعده البعض على تسلق القاعدة ووقف في مكان التمثال بعد سقوطه ولكنه فقد توازنه لضيق المسافة التي وقف عليها واستدار قليلا" وبدون أي انتباه اخذت الصورة وكان مع الأسف في وضع معاكس ولم يظهر غير ظهره في الصورة بعد سقوط التمثال ، وكانت هذه آخر صورة في الكامرة مع الأسف .
في تلك الساعات كان هناك تبادل أطلاق نار متقطع بين المواطنين من خارج السفارة وموظفي السفارة من داخلها لمنع أقتحامها ، ثم قامت على اثرها حشود المواطنين الغير مسيطر عليهم بأقتحام السفارة ونهبها ، وتم حرق بعض أجنحتها ، المئات من المواطنين تحمل ما يمكن حمله من داخل السفارة من بابها الأمامية وبابها الجانبي القريب من نهر دجلة والمقابل لدار المرحوم رئيس الطائفة المندائية ( الشيخ عبداللة الشيخ سام ) ، كراسي خيزران ، طابعات ، مكاتب مختلفة الأحجام ، سجاجيد ، أسرة نوم ، قاصات حديدية صغيرة وضعت على عربات خشبية ... لوحات ، وحتى أدوات المطبخ الخ .
بعد تلك المشاهد توجهت الى ساحة الملك فيصل الأول حيث ينتصب تمثال الملك فيصل الأول لآرى ان التمثال قد تم أسقاطه في وقت سابق . والمئات من المواطنين يتضاهرون اما مبنى دار الذاعة العراقية في الصالحية والتي تحيط بها المدرعات تايدا" للثورة وقادتها . كانت جولتي لهذا اليوم مرهقة جدا" ولكنها طبعت في الذاكرة .
في اليوم الثاني الخامس عشر من تموز وما تلاه تم السماح للمواطنين بزيارة قصر الرحاب ووجدتها فرصة للزيارة ، كان قصر الرحاب من الأمام مكون من طابقين ومربع الشكل ، بابه الأماميه تؤدي الى الداخل ، وعلى ذات الباب شرفة واسعة تتوسط الطابق الثاني من القصر مستندة على أربعة أعمدة ( دنك ) متباعدة عن بعضها بشكل متساوي ، كما يحيط بالقصر سياج خارجي بارتفاع حوالي المترين مبني من الطابوق ايضا على شكل مربع ، يفصل بين السياج الخارجي ومدخل القصر حديقة بسيطة تحيط بها الزهور ، وله باب عريضة امامية للدخول وعلى جانبي الباب الخارجية غرفتين مخصصة للحرس الملكي ، ومنها يوجد طريق يؤدي لباب القصر الداخليه
بضعة جنود موزعين على البوابة الأمامية وبعض ردهات القصر للحراسة ، المئات من المواطنين يدخلون القصر ، أصاب القصر الكثير من الدمار والنهب ، وما تبقى هو عبارة عن حطام مبعثر هنا وهناك أثار حريق قد حدث في أحدى الغرف في الطابق الثاني نتيجة القصف بقذيفة مدفع قد أصابت أحدى دنك شرف القصر من جانب اليمين ، .. صور العائلة المالكة الزيتية محطمة ومرمية على الأرض ، الأثاث محطمة وممزقة ، قاصة حديدية مثبتة في الحائط شق بابها الرئيسي بآلة حادة وسرقت محتوياتها ، أسرة النوم والأفرشة مبعثرة في كل مكان ، حنفيات الماء تكسرت وسرق النفيس منها ، اوراق وووثائق في كل مكان ، بعض الغرف حرقت ويبدوا حدث ذلك من جراء القصف للقصر يوم الثورة أو من قبل الجماهير عند دخولها ، السرداب أصابه الحريق ويبدوا ان المياه قد تسربت أليه وظهرت منه رائحة العفونة ، كل شئ مبعثر ومحطم وفي كل زاوية من زوايا القصر ، في حديقة القصر الخلفية حيث حيث تتواجد ساحة الطائرة والتنس وأماكن تربية الطيور النادرة فارغة إلا من مخلفاتها ، أجزاء وقطع من أفلام سينمائية متناثرة لحفلات رقص صاخبة في حدائق القصر أحتفظت بأجزاء منها لسنين طويلة تبين الملك فيصل الثاني وعبد الأله ونوري السعيد وآخرين يلعبون ويقفزون فوق بعضهم البعض في احدى الحفلات ، أجزاء من أفلام لنساء ولرجال مجهولين مبعثرة على الأرض . وبعد اسابيع ظهرت في الأسواق كثير من الحاجات التي تم سرقها من القصر ..

بعد يومين زرت مع بعض الأصدقاء قصر نوري السعيد في منطقة كرادة مريم بجانب نهر دجلة ، لقد أصاب القصر هذا ما أصاب قصر الرحاب من نهب وتدمير ...!!! ويمكن اعتبار المشهد واحد سوى تغيير في الأسم .
وبعد أيام فتح بيت قائد الثورة عبد الكريم قاسم في بغداد بالقرب من ساحة الجندي المجهول وفي الشارع المجاور لمسجد الفردوس المطل على ساحة الفردوس في شارع السعدون للجمهور ، ذلك البيت المتواضع لمواطن عادي فقير وبكل ما يحتويه البيت من آثاث ، واعتقد ان أبسط موظف في الدولة كان يملك أفضل منه بكثير
الهوامش
1 ـ جبار خضير الحيدر ، ستبقى شمس تموز خالدة مهما جار الزمن ، الحوار المتمدن - العدد: 2343 في 15 تموز / 2008
2 ـ لقد ذكر أسم الفندق بأسماء مختلفة من قبل بعض الكتاب فمنهم من أسماه ( الرحاب أو الأحرار ، أو الكفاح ) ولكني أوكد ان أسم الفندق هو ( فندق المأمون ) تماشيا" من أسم الشارع الموجود فيه .
3 ـ الصورة الأولى تبين طبيعة الموكب الملكي .
4 ـ الصورة الثانية لقصر الزهور في منطقة الحارثية .
5 ـ الصورة الثالثة أخذت من قبلي شخصيا" لجماهير بغداد وهي تعتلي قاعدة تمثال الجنرال مود بعد ان حطمته صبيحة يوم الثورة
6 ـ الصورة الرابعة للواجهة الأمامية لقصر الرحاب قبل الثورة .
7 ـ الصورة الخامسة للواجهة الخلفية المقابلة للنهر لقصر نوري السعيد والواقع في كرادة مريم .
8 ـ الصورة السادسة للبيت عبد الكريم قاسم بعد الثورة بالقرب من ساحة الفردوس خلف الجامع .
12 / تموز / 2009