الكُرد في قلب المعادلة
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.com ليست كل بؤر الصراع السياسي يمكن ان تتحول الى حلول، لنتأمل، هنا، هذا الاستثناء حيث تحوّل الكرد من ازمة تاريخية عراقية "مستعصية" الى حل للازمة الخطيرة التي يمر بها العراق، ولم يكن ليتحقق هذا "الانقلاب" في المعادلة السياسية من دون وصفة قيادية تجنبت التصلب والتطرف وضيق الافق واعتمدت قواعد جديدة وحيوية في تجسير الشراكة المصيرية، ووضعت الجسد الكردي فيما بين المشترَكات والمتناقضات السياسية العراقية كنقطة لقاء للبحث في مخرج للازمة.
وسواء نجحت ام اخفقت الجهود لتصليب عود العملية السياسية في العراق،
وللخروج بازمة تشكيل الحكومة الجديدة الى التوافق، فان احدا لن ينكر "حلول الطوارئ" التي كان الرئيس جلال الطالباني يعالج بها التوترات بين الفرقاء السياسيين والمكونات الطائفية، والتي كانت ستنحدر،
في اكثر من مرة، الى حافة المواجهة والاقتتال وربما الحرب الاهلية، او الى محاصصة بغيضة تنتهي هي الاخرى الى بركة دم طائفية.
كانت الاشهر الثلاث التي اعقبت انتخابات الجمعية الوطنية الدائمة قد كشفت عن تشابك واسع بين الارادات، وقد اتسم هذا التشابك بصعود الانانيات الفئوية والطائفية الى الحد الذي هدد مصير عملية التغيير مقابل الدور الايجابي الذي لعبه الكرد والزعيمان الطالباني والبارزاني في تهدئة الافعال، وردود الافعال، والتركيز على البرامج لا الامتيازات، ونقل العملية السياسية من سياق المحاصصة على اساس مناسيب المكونات الطائفية والقومية الى سياق يقوم على قاعدة المشاركة، بوصفها ضمانة لتجنيب البلاد المزيد من الانشقاقات والتوتر.
الموضوعية والانصاف توجبان القول، بان الكرد كانوا سيحصلون على مكاسب وامتيازات اكبر في حال قبلوا بتكريس "صفقة" المحاصصة على مقاس الحكومة الانتقالية السابقة، وانهم سيتمتعون في وضع حكومي اقوى(قدمت لهم اغراءات اضافية) لو وافقوا على العرض الذي روّج له زعماء الائتلاف لتقاسم السلطة على اساس "اكراد+ شيعة، والآخرون معارضة" كما توجب الاشارة الى ان فكرة اقامة حكومة وحدة وطنية(مصيرية) تشارك فيها الكتل الاربعة الرئيسية في الجمعية الوطنية قد صيغت، قبل كل شي، في الغرفة الكردية السياسية، وأُطلقت، لأول مرة، على لسان الرئيس الطالباني، ثم صارت مطلبا لا عودة عنه للكتل السياسية الثلاث، الكردستانية والتوافق والعراقية بوصفها خشبة النجاة للعملية السياسية، وحلا بنيويا من شأنه إشراك الجميع في مسؤولية تطبيع الاوضاع، بل ان التحالف الكردستاني نأى بنفسه عن فكرة الصفقات الجزئية أو السعي لتهميش اية جماعة لها وجود برلماني، بل انه بقي، حتى الآن، يتحدث عن تحالفه مع قائمة الائتلاف باعتباره تحالفا استراتيجيا لا رجعة عنه.
على ان انتقال الحالة الكردية من الازمة المستعصية الحل الى حل للازمة لم يكن يتم فقط على خلفية تشابك عناصر الازمة السياسية في العراق وصعود الاستقطاب الطائفي الى سطح العملية السياسية، وتماهي المشروع الارهابي في بعض الانشطة السياسية، بل وايضا، بسبب الرصيد الثقيل للكرد في سجل الاحداث العراقية العاصفة للعقود الاربعة الماضية حيث احتضنوا الحركات المناهضة للدكتاتورية، في احلك وادق الظروف، وقدموا تضحيات جليلة، وضربوا مثلا حيا في حماية الاخوة المصيرية بين الشعبين العربي والكردي، على الرغم من صعود النعرات الشوفينية العدوانية (في بعض الشرائح العربية) ولم يعكروا معاني هذه الاخوة، او يتسببوا في ايذاء السكان العرب، او يلجأوا الى تفجير مسكنهم واسواقهم ومساجدهم وحسينياتهم حين كانت الدكتاتورية "العربية" تمعن في حملة الابادة المتوحشة ضدهم وتقصف مدنهم بالاسلحة الكيمياوية وتسوي، بالارض، الاف القرى الكردية الامنة.
كل ذلك لا ينبغي ان يدفعنا الى الافراط في التفاؤل من ان الحل صار قيد التحقيق، لكن ينبغي القول، بالمقابل، على هيئة سؤال طليق: ماذا سيحدث لو لم يضع الكرد كل ثقلهم من اجل تقريب وجهات النظر المتنافرة بين اللاعبين؟.
..وكلام مفيد
ـــــــــــــــــــــــــــ
"الانسان الحر هو ذلك الذي تنبع قراراته من العقل".
هيجل [/b] [/size] [/font]