اتفاق ضمني بين أكثر المجموعات والكتل السياسية لحرمان المالكي من (حلم) تجديد ولايته
المالكي يواجه بعد رحلته الى واشنطن أكبر ثلاث معضلات سياسية تهدد مستقبله
شؤون سياسية - 28/07/2009 - 9:11 pm
من سيأتي لحكم العراق ثانية؟!
محللون سياسيون: واشنطن تقاوم (سرّاً) أعلى مستويات النفوذ الإيراني لـ(التحكم) بنتائج الانتخابات
بغداد\واشنطن: خاص من منذر عبد الكريم
السؤال الذي يتردد في الشارع الآن ومنذ وقت مبكر يسبق الانتخابات البرلمانية بنحو ستة شهور، يركز على ((من سيحكم البلد ثانية)).. ثمة توقعات تستبعد قدرة المالكي على تجديد ولايته، لكنّ احتمالات –في المقابل- غير قليلة ترشيح أن طهران وواشنطن ربما تتفقان على ذلك. ويحدث هذا في وقت يقول يرى فيه محللون سياسيون ان واشنطن تقاوم الآن –سرّاً وبقوة- أعلى مستويات النفوذ الإيراني لـ(التحكم) بنتائج الانتخابات. ويقولون إن المالكي سيواجه معضلات كثيرة لمرحلة ما بعد زيارته الأخيرة الى واشنطن، لاسيما أن هناك تحالفات ضمنية خفية وظاهرة تسعى الى حرمان المالكي من الحصول على نتائج مهمة في الانتخابات المقبلة تؤهله للحكم فترة ثانية.
وتتصف الحياة العامة في بغداد بالغموض. ثمة فئات من المواطنين العراقيين، يرون أن هذا الغموض يرجع الى سببين رئيسين؛ الأول غياب القوات الأميركية عن شوارع المدن، والإجراءات التي اتخذتها الحكومة لوضع المزيد من القيود على حركة أو فعاليات القوات الأميركية القتالية في وقت تحاول فيه هذه القوات خرقها أو التخلص منها. وإذ كانت الفئات السياسية التي تعد نفسها خصماً للحكومة تستشعر بعض الخطر بعد الغياب الأميركي، باتت الآن أكثر ثقة بعدم تعرّض الوضع الأمني لانكسارات، كانت القاعدة والمجموعات المرتبطة بها، تهدد بتفجيرها في أعقاب الثلاثين من حزيران.
ويقول دبلوماسيون غربيون في بغداد إنّ نمط المخاوف ابتعدت نوعياً عن الإجراءات الأمنية، خاصة أن قوات الجيش والقوات الأمنية التابعة للداخلية المنتشرة في العراق، أظهرت الكثير من الحيادية والمهنية في عملها، بالضد من كثير من التوقعات التي كانت تشير الى احتمال نشوب أعمال مضادة لبعض المناطق السنّية أو ما وصف بأنها ((ربما تكون هجمات ضد تشكيلات الصحوة أو ضد مجموعات سياسية مخالفة في توجهاتها لنمط السياسات الحكومية)).
إن غالبية التهم التي تُوجّه للحكومة الآن –كما يقول محلل سياسي يحتل مقعداً في البرلمان العراقي- رغبتها في التمتع بكثير من الصلاحيات التي تحولها شيئاً فشيئاً الى ((فرض دكتاتورية تميل الى تعزيز حكم حزب الدعوة أو مجموعة الأحزاب الشيعية الحاكمة)). وما يدفع هذه الفئات السُنية الى مثل هذا الشعور، تركيز الأحزاب الشيعية في الفترة الأخيرة على إحياء الإئتلاف الشيعي القديم الذي انتهى تقريباً الى الفشل، خاصة بعد خروج الصدريين منه والمشاكل التي استعر أوراها بين حزبي الدعوة والمجلس الأعلى وفئات أخرى كحزب الفضيلة الذي لا تُحتمل مشاركته في إئتلاف مقبل بأي حال من الأحوال.
وكانت أطراف سياسية عدة تتحدث عن ممارسة إيران لأعلى درجات النفوذ نحو إعادة بناء أو (إحياء) الإئتلاف الشيعي برغم صدور تصريحات حكومية تؤكد على أن مرحلة المحاصصة قد ولت وأن التوجهات الحالية نحو قضايا رئيسة، أهمها (تطبيق القانون) و(مؤسساته) و(التحالفات الوطنية) ومحاولة فك تفتيت الكثير من الأزمات الناجمة بين الشيعة والسُنّة من جهة والأكراد من جهة أخرى. أو بين الفئات العربية على هامش الصراع (الطائفي-السياسي) للسيطرة على السلطة أو للحصول على مواقع أفضل في هيكليتها.
ويرى محللون سياسيون في بغداد أن زيارة رئيس الوزراء نوري المالكي الأخيرة الى واشنطن، وما اكتنفها من تصريحات أو من زيارة الى قبور الجنود الأميركان الذين قتلوا في حرب العراق، ستثير المزيد من التساؤلات بشأن (الاتفاقات الحكومية العراقية الأميركية) التي يمكن أن تشكل مصدر دعم للمالكي أو لحزبه أو للإئتلاف الشيعي في العموم. لكن ما يلقي الظلال على مثل هذه التصورات أن التيار الصدري الذي بدأ مهاجمة سلطة المالكي فعلاً رافضاً أولاً زيارته الى (دولة الاحتلال) ومنتقداً ثانياً زيارته الى مقبرة الجنود الأميركان. إن الصدريين يسعون بكل السبل –كما هي لغتهم في البرلمان وفي المحافل السياسية والدينية- الى الوقوف بوجه جميع المواقف والسياسات الحكومية، تعبيراً عن حالة الصراع السياسي المستمرة بين الطرفين على هامش (الحروب العنيفة والسريعة) التي انتهت الى غياب جيش المهدي تماماً من الشارع العراقي، وفرار قادته الى الدول المجاورة وخاصة إلى إيران وسوريا.
وفي الجانب الآخر ثمة عوامل عديدة يواجهها المالكي في أعقاب زيارته الأخيرة الى واشنطن:
-ربما تنتهي الانتخابات المحلية في كردستان الى نشوء حكومة أكثر قوة من التي سبقتها، وبالتالي فإن أي حوار بشأن كركوك ومصادر النفط والمناطق المتنازع عليها، سيكون أكثر صعوبة من ذي قبل، فيما تعاني (الجبهة العربية) من تصدعات كثيرة على الرغم من ظاهر الاتفاق الضمني على جميع المسائل آنفة الذكر. إنّ أية حالة ضعف من المالكي في مواجهة (الإصرار الكردي) على انتزاع المزيد من الاستقلالية لكردستان، بل المزيد من التمدد الجغرافي والسياسي، سيجعل رئيس الوزراء العراقي في المكانة الهشة التي قد تعرّضه لنكسة انتخابية في التصويت الشعبي خلال دورة البرلمان المقبلة التي ستُجرى في كانون الثاني من السنة المقبلة. وهي الحال التي يراهن عليها الكثيرون وخاصة الأطراف التي تسعى الى تشكيل تحالفات مضادة للمالكي.
-لم تظهر حتى الآن أية مؤشرات حقيقية على إمكانية نجاح عملية إعادة الإئتلاف الشيعي. ومن المستبعد –كما يرغب بذلك بعض أطراف هذا التحالف- صدور أية تعليمات من المرجعية الدينية في النجف الأشرف باتجاه تشجيع أو (تحتيم) إحياء الإئتلاف. وطبقاً لتحليلات يتحدث بها الكثيرون من خصوم الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة، فإن إيران تجد مصلحتها في ممارسة المزيد من الضغوط لإعادة العمل بكيان الإئتلاف الشيعي، لكنّ مرض زعيم المجلس الإسلامي الأعلى، والأزمات التي نهشت جسد هذا الإئتلاف تشكل عقبة حقيقية أمام قدرة إيران على المضي في هذا المسار.
-وفي الفترة الأخيرة برزت، أو انكشفت حقائق جديدة –مازالت الحكومة غير واثقة من صحتها، طبقاً لزعم مصادر مسؤولة فيها- عن حوار بين مجموعات متمردة يقودها (علي الجبوري) وبين الولايات المتحدة بوساطة تركية. مثل هذه المحادثات تشكل عنصر ضغط جديد على حكومة المالكي خاصة أن ممثلي الحكومة يزعمون أنا ليست على علم بها من جهة، وتأكيد مصادر الحكومة الأميركية أن حكومة المالكي ليست بعيدة عن ساحة هذه الحوارات.
وما أثار الانتباه أكثر (الانقلاب الأخير) في منطق أياد علاوي رئيس القائمة العراقية الذي وجه انتقادات حادة ضد هذه المباحثات، ووصل مستوى حدة انتقادته الى مطالبة حكومة المالكي بتوضيح موقفها منها، وحثها على قطع العلاقات مع الولايات المتحدة إن كانت قد أجرت مثل هذه المباحثات من دون علم الحكومة العراقية بها. وعلى الرغم من أن علاوي معروف جداً على صعيد علاقته الحميمة بالأميركان، إلا أن هذه الدعوة ربما تنطوي الى محاولات ممارسة المزيد من الضغوط على الحكومة لوضعها في زاوية الاتهام بأنها تعلم أو لها علاقة بهذه المباحثات التي جرت في أنقرة إلا أنها فضلت عدم الكشف عنها. وكانت مصادر سياسية عربية قد كشفت أن أطراف التمرد التي شاركت في الحوار هي التي كشفت عن الوثائق التي أشارت الى احتمال إجرائها في العاصمة التركية.
ويقول محللون سياسيون إن ما يشعر المواطنين العراقيين بالاطمئنان أن هناك محاولات جادة على صعيد الحوار السياسي وتدعيم واقع (المصالحة السياسية) الذي يكاد يعاني من جمود كامل لأشهر كثيرة مضت. ومن جانب آخر فإن فشل مثل هذه الحوارات الكامل قد يعني أن الهجمات ستزداد في المقبل من الأشهر التي تشهد تطورات دراماتيكية في مسار التهيئة ليوم الانتخابات البرلمانية المقبلة.
لكنّ كل هذه التطورات أو التداعيات تتمحور حول شخصية المالكي ومدى نجاحه في تكرار قيادة الحكومة لفترة مقبلة. على الطرف الآخر ثمة محاولات تهيئ لنشوء تحالفات كردية-عربية، وسُنية-شيعية علمانية، تهدف الى افشال المالكي في الانتخابات وترشيح رئيس وزراء جديد. البعض يزعم أن جواد البولاني رئيس الحزب الدستوري –في واقع حاله- والوزير الحالي للداخلية، فيما يقول آخرون إن هناك مرشحين آخرين بينهم شيعة دينيين وشيعة علمانيين، لكنّ ذلك لم يذكر بشكل يؤسس لحقائق جديدة في المناخ العراقي بقدر ما يثير زوابع قد يكون الهدف منها فقط الإقلاق والتشويش.
ويقول سياسيون عراقيون مستقلون إنهم يرون أن المالكي وفي أعقاب عودته من واشنطن قد يخطط لإعلان أجندة عمل جديدة تؤسس لطريقة خوضه الانتخابات البرلمانية المقبلة. هناك توقعات كثيرة لا رباط بينها، وبالمقابل هناك توقعات تشير الى تنسيقه مع عشائر في الأنبار وفي محافظات أخرى ذات غالبية سنيّة.
العراقيون الآن ينتظرون شيئاً، لكن أكثرهم –على صعيد الشارع- يرفعون شعارات مضادة لحكومة المالكي، كنتيجة لوعود كثيرة صدرت ولم ينفذ منها شيء، وايضا كحصيلة لاستمرار معاناة المواطنين من فرط تزايد معاناتهم في مواجهات أزمات البطالة ونقص الخدمات وتعقيدات الحالة الاقتصادية. إن المالكي –كما يقول محللون سياسيون- سيعجز عن التأثير مجدداً في المجتمع العراقي، وبخاصة المواطنين الشيعة، مهما اختار من لغة خطاب يحاول فيها تفسير عدم إيفائه بوعوده. وعلى حد قول أحد المواطنين، فإن المالكي (انشغل بسياسات البقاء في السلطة أكثر من الانشغال الحقيقي بهموم الناس، ولهذا فليس من المستبعد أن يفقد هو وحزبه سلطتهما). هذه النتيجة يسعد لها كثيرون ومنهم أتباع مقتدى الصدر، وأتباع المجلس الأعلى، والكثيرون من أتباع المجموعات السياسية السُنّية، ومجموعة التحالف الكردي، ولهذا فهي وإن كانت قوى موزعة ومصطرعة أو متنازعة إلا أن اتفاقها الضمني على هدف واحد قد يوصلها الى نتيجة كهذه، لكنها بالتأكيد ستخوض من جديد مشكلة (من سيأتي لحكم العراق ثانية؟).
المصدر : النور - الكاتب: النور
http://www.almalafpress.net/index.php?d=143&id=89078