الأب الشهيد يوحنا عبد الأحد شير في القلب
شيرزاد شير
تمر اليوم ذكرى أليمة وحزينة إلى أبعد الحدود من ذكريات أهلنا ومعاناتهم في حياتهم والظروف التي مروا بها في تأريخهم وتركت بصماتها في كل المجالات وقلبت الموازين والعلاقات رأسا على عقب وأحدثت شرخا عميقا في تربة مدينتنا العريقة بتقاليد التعايش الأخوي الراسخة بين سكانها، وقسمتها إلى قسمين بحيث أصبحت المسافة الفاصلة بينهما تنمو وتكبر شيئا فشيئا، وبات من الصعب تقبل الأخر والتعامل معه بشكل طبيعي لفترة طويلة، ولا زالت أثارها بينة هنا وهناك وتجد بين الحين والآخر انعكاسا لها في الحياة الاجتماعية في البلدة إلى يومنا هذا.
في مثل هذا اليوم وقبل عشرين سنة بالتمام والكمال غطت سماء مدينتنا الآمنة والمسالمة سحابة سوداء قاتمة، أمطرت نارا ودما وغضبا وأشعلت فتيل الفتنة اللعينة بين أهاليها وزرعت بذور الكراهية والشك والريبة بين أبنائها...
أجل، في ذلك اليوم الأسود، أي في عصرية الثامن والعشرين من آذار من عام 1986، وبعد أن اطمأن الراعي على راحة قطيعه وطاف وللمرة الأخيرة في طرقات وأزقة حي المسيحيين، وقبل أن يكسو الظلام التلال والوديان والبساتين، وبعد أن أودع أخر مرافقيه واستدار يمينا ومن ثم يسارا ليلقي أخر نظرة على محيطه منحدرا باتجاه بيته، سقط الأب الحنون " يوحنا شير " صريعا برصاص شقي مجرم وطائش، لم يتجرأ على مواجهة هدوئه واتزانه إلاّ بهذه الطريقة الجبانة، فأوقف نبض قلبه المليء بالحب والتواضع والصدق والحكمة والشجاعة والتسامح والخلق الرفيع ...
لقد أنتصر الشر في تلك اللحظات على الخير والحقد الدفين على الطيبة والوداعة وفقدت المدينة برحيله أحد أنجب أبنائها.
وقد كتب الشماس ميخائيل كوسا، الذي كان أخر من فارقه، لاحقا مقتطفا عن سيرة حياته إليكم أدناه :-
(ولد "شمعون" عبدالاحد شير في شقلاوا بتأريخ 2/2/1947 ورسم كاهنا باسم "يوحنا" بتاريخ 30/6/1970 ... خدم كاهنا لفترة قصيرة في عنكاوا وكويسنجق إلى أن استقر به المقام في مسقط رأسه عشية عيد الميلاد سنة 1970 ... وقد تميزت خدمته بالغيرة الفائقة والإخلاص العميق والإيمان الراسخ والاخلاق النبيلة والإرادة الحازمة، التي كانت تزين شخصيته الكريمة...ولو جلس معه شخص مرة واحدة فلا يمكن أن ينسى لطفه... وقد شمل الشبيبة بشكل خاص بعنايته الخاصة وفاز بحبهم له وتعلقهم به...
اغتالته يد الغدر والخيانة والإثم مساء جمعة الآلام، وحزن وبكى عليه بحرارة قل نظيرها جميع أبناء شقلاوا من المسيحيين والمسلمين وكل من كان يعرفه... )
واجتاحت البلدة في اليوم التالي مظاهرة جماهيرية عارمة، شارك فيها كل المسيحيين، حاملين صور الفقيد وشعارات تندد بالجريمة النكراء وتم تغطيتها كاملة و لا يعرف لحد الآن ماذا جرى لشريط الفيديو الذي التقط وصور مشاهد الغضب الشعبي حينئذ.
كان الأب يوحنا بحق نموذجا فريدا من نوعه لم يكن مألوفا من قبله وترك من بعده فراغا لا يمكن لأحد ملئه... ولهذا السبب بالذات يشعر أبناء شقلاوا والى وقتنا الحاضر بالآثار العميقة والحجم الهائل لتلك الجريمة الشنيعة.
ستبقى هذه الجريمة البشعة وصمة عار في جبين كل من سهّل أو ساهم أو طبّل لها أو دافع عن مرتكبها أو وقف متفرجا عليها أو لم يدينها أو يستنكرها...!؟
الراحة والآمان الأبديان" لقاشه يوحنان" ، ذلك الإنسان الرائع والودود والخادم الأمين لبني البشر والمؤمن الغيور على فكره وقناعاته وإيمانه وعلى كل عباد الله...
ولكي تترسخ وتنطبع والى الأبد تلك الوقائع المريرة في ذاكرة شعبنا ولأجل إحياء هذه الذكرى المأساوية ووفاء لدم الشهيد الخالد في ضمائر وأفئدة أبناء شقلاوا وكل معارفه ومحبيه، حصلت شقلاوا دوت كوم على لقطات تاريخية من تلك الساعات العصيبة التي مر بها المسيحيون، التقطتها عدسة أحد ابناها و تم الاحتفاظ بها كشاهد حي على تلك الكارثة.[/b] [/size][/font]