دبابة ساحة الفردوس والعوائل المهجرة
سالم سمسم مهدي
كلنا يتذكر الدبابة الأميركية التي عبرت جسر الجمهورية ، وسارت عبر شارع ( أبي نؤاس ) ، لتدور فتشق طريقها بين فندقي الشيراتون والمرديان لتتمركز قرب ساحة الفردوس ، وتكسر بذلك حاجز الخوف والتردد وتصديق مالم يصدق قبل ذلك بساعات وهو أن الطاغية ولى وأنكسر .
وبين التصديق وعدمه سقط الصنم ليمسك ( أبو تحسين ) بخفه ( إنعاله ) لكي ينهال به على صورة كبيرة للمجرم ( صدام ) ليكون هذا الحدث عنواناً لعهد جديد في التأريخ العراقي .
ورغم ما عانينا من صعاب قاتلة وسمعنا عن مآسي مماثلة في ال19 يوماً التي سبقت ظهور هذه الدبابة ، إلا أن الأمل الذي تكَون لدينا لكثرة ما سمعنا عن التحرير والتبشير بخير وفير جعلنا ننسى كل ُمر وشرُ مُستطير؛ وتراءى لنا أن هذه الدبابة ترفع على برجها عبارة أو شعار : [تحرير العراق غاية وهدف دولي وإنساني شريف] ، وهذا ما جعل الملايين تتلهف وتتمنى أن تحتضن هذه الدبابة وحتى معانقتها ؛ إذا ما وجدت إلى ذلك من سبيل،لأن كلمة ( تحرير ) كانت تبعث في النفوس الطمأنينة والأمل ، وتجاوز العباد الشك والريبة الذي أثاره في نفوسهم تغير كلمة ( تحرير ) إلى ( احتلال ) بمباركة الأمم المتحدة وموافقة قوات التحالف التي تعني في ابسط الحالات وأكثرها قرباً إلى الأذهان ؛ هو أن الاحتلال سوف يجثم على القلوب وسيطول به الزمن ، مع ما يحمل من حيثيات على رأسها أن السلطة ستكون بأيدي غير عراقية بالإضافة إلى ما يترتب على ذلك من سلبيات أخرى.
لم يملك الشعب من خيار غير غض الطرف عن كل هذه المؤشرات غير المشجعة ، لأن الحديث عن الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان إستمر بوتيرة متصاعدة على أعلى المستويات الدولية ومن المسؤولين عن مراكز القوى المؤثرة في العالم ؛ وأخذنا جميعاً نقنع أنفسنا بأن التغيير من نظام دكتاتوري فاسد إلى نظام حر ديمقراطي يتطلب المزيد من التضحيات .
ناهيك عن تلك الأزمات والمآسي التي واجهناها في الحرب والتي لم يصادف شعب في العالم لها مثيل كثمن لهذه الغاية، التي أصبحت شيئاً فشيئا وكأنها صعبة المنال على أرض الواقع ، وعلينا أن لا ننسى الفوضى التي عمت البلاد خلال فترة ما سمي بظاهرة (الحواسم البغيضة المخزية) من سلب ونهب وحرق وتدمير وفتح الحدود على مصراعيها حيث تم إفراغ البلد من ثروته وتراثه وآلته الصناعية وُحل الجيش والقوى الأمنية الذي فتح الطريق من أوسع الأبواب للإرهابيين القتلة للتوافد على الساحة العراقية مدفوعين بحقدهم وضحالة تفكيرهم تساعدهم قوى شريرة تأكدت من الإفلاس المادي والسلطوي الذي اعتادت عليه فأخذوا يضربون بجبن وخبث المرأة والطفل والعاجز من أجل إثارة الرعب وإخماد جذوة الأمل التي وجدت طريقها إلى نفوس العراقيين الذين اثبتوا استعدادهم الكامل لتقديم المزيد من التضحيات على طريق الكرامة غالي الثمن مثلما أثبتوا أنهم أكثر استعدادا لنكران الذات عكس ما حصل من القادة والسياسيين ، الذين لم يرتفعوا إلى حيث وصل شعبنا الأصيل المقدام، فضلوا أسرى السلطة والمصالح الضيقة في وقت ارتقى فيه الإنسان العراقي ليصبح مأثرة إنسانية لا تقل عطاء عن ما جادت به حضارات سومر وبابل وآشور ، وبدلاً من أن يكافئ هذا الشعب الشجاع على عطائه السخي أصبح يعاني من الإهمال الخدمي والاقتصادي ، فضلاً عن المعاناة الأمنية والفساد الإداري التي لم تر شعوب العالم لها شبيهاً ، حيث التف هاذان العاملان على كل ما تحقق من مكاسب جاء بها التغيير ليستمر مسلسل الذبح العشوائي واستهداف إنسانية الإنسان وديانته .
أنا لا أنكر صعوبة التغيير من نظام شمولي جاحد إلى آخر يحترم الحقوق ، ولكن أن تمر الثلاث سنوات ويكون آخرها أكثر تدهوراً من أولها ، فهذا يتطلب إعادة نظر وخاصة بعد ما حصل في سامراء من مأساة استهدفت الرموز التاريخية الشريفة ، وما صاحب ذلك من تهجير عرقي لم يلق حتى الرد المناسب أو الرفض الحازم ، حيث وصلت عدد من العوائل المهجرة حتى الآن حوالي أربعة آلاف عائلة ، مع كل ما يعني هذا من عوامل جانبية تحمل بين طياتها خطر ( ماحق ومدمر ) يحيط بالوطن ، لتجعل هذه الحالة ( العوائل المهجرة ) دبابة ساحة الفردوس تفقد تلك المكانة واللهفة التي كانت عليها قبل ثلاثة سنوات لدى نفوس العراقيين بكل معتقداتهم وانتماءاتهم ودياناتهم لأنهم جسد واحد لا ينفصل بعضه عن بعض . [/b][/size] [/font]