مشاهد فيلية - ما بين آذار ( 1974-1975 )
د. منيرة أميد
في الايام الاولى للثورة الكوردية التي اندلعت في آذار 1974 بقيادة الرمز الكوردي الخالد مصطفى البرزاني بعد فشل تطبيق أتفاقية آذار لسنة 1970، تم تحرير مدن كبيرة في كوردستان، ولكن نظراً لصعوبة الدفاع عنها ، أرتأت القيادة ان ينسحب المقاتلون الى خارج المدن لتقليل الخسائر وحتى لا تستخدمها السلطة عذراً في أبادة وهدم كل المدن الكوردية، فتحدث خسائر كبيرة في صفوف المدنيين الامنين، لكن في الحقيقة وان كانت تبدوا تلك المدن في النهارأنها بيد السلطة الا انها كانت ليلاً بيد الثوار.
كان ثوار البيشمركة قد حققوا انتصارات باهرة والحقوا خسائر كبيرة بالقوات الحكومية رغم استعانة الاخيرة بالطائرات والاسلحة المحرمة دولياً.
في بغداد ومدن الوسط والجنوب حيث كانت تسكن العوائل الكوردية الفيلية، التحق الكثير من أبناءهم بالثورة، وقد أغاظ ذلك السلطة البعثية.
تفتقت افكارها الفاشية عن خطة جهنمية تعبر عن ذهنيتها العنصرية وهو العقاب الجماعي للعوائل التي التحق أحد أفرادها بالثورة ، وذلك بترحيلهم الى المناطق التي تستعر فيها رحى الحرب بين قوات البيشمركة والقوات الحكومية، وتشكل حزاماً من حقول الالغام حداً فاصلاً بينها. كانت تترك العوائل في تلك المناطق وتجبر على السير في حقول الالغام تلك صوب المناطق المحررة.
في ذلك المساء سمعوا أهل البيت طرقات عنيفة على الباب، فخرجت الام لترى من هناك فكانوا أعضاء المنظمة الحزبية لحزب البعث في المنطقة، سألوا عن أبنها، فقالت انه في الجامعة وهو لا يعود في هذه الايام من السنة، فقالوا لها عن أي جامعة تتحدثين، وهل بقت هناك جامعة؟ قولي ان ابنك يحاربنا الان وهو مع الجيب العميل. سقطت الام مغشياً عليها. سحبها أبناءها الى داخل البيت، و لم يعد يتذكرون كيف غادر قطيع المنظمة الحزبية، ولكنهم منذ ذلك اليوم بدءوا يتهيأون للأسوء. واخذوا ينامون بكامل ثيابهم تحسباً لاي ضرف ربما يجبرون فيه على مغادرة منزلهم.
حدث ذلك في نفس اليوم الذي علمت أبنتهم بأن هناك قصفاً وحشياً أصاب القسم الداخلي للطلبة في مدينة قلعة دزة وبعد ليلة من وصول رسول من ابنهم يعلمهم انه هناك.
بعد أن أستفاقت الام ، ذهبت أبنتهم تبحث في جهاز المذياع علها تحصل على أنباء جديدة. تأكد لها ما سمعت ذلك اليوم وكانت في غمرة انشغالها وذهولها، عندما دخلت والدتها لتقول " لقد سمعت كل شئ هناك قصف أصابت قلعة دزة؟؟؟" فبادرت بسذاجتها لتوضح ولكن كل الطلبة بخير؟؟!! . ولم ترى سوى أمها تتهاوى أمامها دون حراك.
استطاعوا ان يعيدوها الى وعيها ولكن أبت قدماها أن يحملاها مجدداً، الا بعد ذلك بسنوات وبمعجزة.
أزدادت الضغوط النفسية في الجامعة، حيث كانت أبنتهم تتعرض ورفيقاتها الى متابعة شديدة، كان يقوم بها الطلبة من الاتحاد الوطني وحرس الجامعة والذين كانوا على الاكثر أعضاء في أجهزة الامن والاستخبارات المختلفة للنظام. توارد الى مسامعهم نبأ حصول أعتقالات في صفوف بعض الطلبة، كانوا أعضاء في أتحاد طلبة كوردستان وتعرف البعض منهم ، كانت أحدهم الشهيدة الخالدة ليلى قاسم وكانت قد تعرفت اليها قبل عام في رحلة أقامها الاتحاد بمناسبة السنة الدراسية الجديدة والتي كانت عادة مناسبة لكسب عناصر جديدة للاتحاد. كما كانت تعرف ذلك المتحدث اللبق والذي كان يتحدث بلغة عربية بليغة يحسده عليها كل أبناء الضاد. عندما كان مشرفاً من اللجنة المحلية لاتحاد طلبة كوردستان على عملية انتخابات لجنة الكلية لذلك العام وهو الشهيد البطل خالد الزهاوي. مع كوكبة أخرى من شباب كوردستان. كانت تهمتهم انه كان قد تم تكليفهم بأعادة تنظيمات الاتحاد، وعثر على منشورات بحوزتهم؟؟!!. ثم تم أعدامهم بعد محكمة صورية، وتعرضهم الى تعذيب وحشي حتى قيل ان الشهيد خالد الزهاوي والذي كان طالباً متفوقاً في كلية الهندسة ببغداد، قد كسر عموده الفقري.
الكوكبة صعدت الى حبل المشنقة وهي تنشد "ئه ى ره قيب" . وبذلك سجلت للفاشية البعثية السبق في أعدام أول أمرأة على أسس سياسية في الشرق الاوسط والعالم العربي.
ولتبقى روح شهيدتنا مناراً تنير به درب الاجيال المقبلة. وتلاحق قتلتها العار.
كانت الثورة تحقق انتصارات كبيرة، بينما القوات الحكومية تتعرض الى خسائر فادحة . حتى قيل عندما زجت الحكومة بقوات خاصة تلقت تدريباً لمهام الصعبة، وحاولت انزالهم على خلف خطوط المجابهة، لم يصل أي منهم في تلك المناطق العصية حياً الى الارض. حتى اصبحوا مادة للتندر في اوساط الثوار ، حيث كانوا يقولون فعلا انها خاصة في كونها لا تصل الى ميدان القتال الا وتكون جثة هامدة. فلجأت السلطة الى طريقة ابشع وذلك باستخدام عوائل الملتحقين بالثورة من الكورد الفيلية كدروع بشرية تربط على الدبابات عند اقتحامها القرى والمواقع، وأذكر منهم لا على سبيل الحصر، عائلة حجي سوراب قياسي الفيلي و كانوا ينحدرون من مدينة زرباطية وسكنوا بغداد منذ عهد بعيد.
كانت للعائلة المذكورة أبناً يعمل مديراً لبنك الرافدين ، فرع شيخ عمر، التحق بالثورة الكوردية. فما كان من السلطة سوى ان تسوق الوالدين ليربطوا على الدبابات كدروع بشرية ، عند محاولتها اقتحام مدينة راوندوز الباسلة. لم يصب اي من العائلة بمكروه في تلك الواقعة. لكنه سقط شهيداً فيلياً كان ضمن قوات البيشمركة المدافعة عن المدينة الا وهو الشهيد البطل صلاح كريم وهو لم يكن قد بلغ العشرين من عمره وكان اهله يسكنون في مدينة الهادي ببغداد، تلك المدينة التي أكتسبت تسميتها من والد السياسي الوطني المعروف أحمد عبد الهادي الجلبي لان تلك الاراضي كانت عائدة له، ثم غير اسم المنطقة الى مدينة الحرية لاحقاً. ذلك الحي الشعبي الذي يتردد أسمه كثيراً هذه الايام في نشرات الاخبار؟!
لم تكفي العائلة ما الم بها من مرض الام وحالة التوتر والقلق على أبنهم , وخاصة بعد أنقطاع أخباره. فجاءهم نبأ أستشهاد قريبهم، اثار الخبر الصدمة والاستغراب، فقريبهم يسكن في أيلام ولم يعرف له اي نشاط سياسي، وكان رباً لعائلة ،و ما يزال في ريعان الشباب. لم يفهموا ما الذي دفعه للالتحاق بالثورة؟! لكن الحقيقة كانت تقول أن ذلك يعبر عن مدى التواصل بين الكورد في جميع ارجاء كوردستان، فكم التحق بجمهورية مهاباد ودافعوا عنها من الكورد من أجزاء كوردستان الاخرى وكم من شهيد سقط لتروي دمه الطاهرة ارض كوردستان الجنوبية (العراق) في ثوراته المتعاقبة، دون ان تعرف تلك الفواصل الذي خلقها لنا الاخرون وأرادوا لنا أن نؤمن بها.
أحتارت العائلة كيف تقيم مجلس العزاء وعيون السلطة مفتوحة عليهم، فبقوا في حيرة ، حتى حصل ان مات جدهم بعد بضعة أشهر فوجدوها مناسبة ليحيوا عزاءاً كبيراً لشهيدهم. وكانت النسوة تلتقي في هذه المناسبات لتتناقل الاخبار بعيداً عن عيون المراقبين. كانت المصيبة جماعية، الجميع في قلق وترقب على مصير أمتهم ،ولم تكن تخلوا عائلة واحدة الا وكان بعض من أبناءها وعشرات من أقربائها ضمن صفوف ثوار البيشمركة. كانوا يعلمون أن المعركة المحتدمة هي معركة المصير والوجود.
أنتكست الثورة وهي كانت في قمة أنتصاراتها، بعد ان تكالب عليها أعدائها ، وخانها من كانوا يحسبون من أصدقائها. أضطرت السلطة الفاشية أن تتخذ قراراً، أقل ما يقال عنه خاطئاً، أن لم نقل خيانياً بالتنازل عن شط العرب في مقابل ان توقف أيران دعمها للثورة التحررية الكوردية عبر أغلاقها لحدودها، المنفذ الوحيد لامدادات التي كانت تصل الى الثوار وطرق أتصالاتهم بالعالم الخارجي.
وقع صدام أتفاقية الجزائر المذلة الذي باع فيها ارض الوطن للاجنبي بدلا من ان يمنح لابناء العراق من الكورد حقوقهم المشروعة. تلك الاتفاقية التي كانت بوابة الجحيم التي فتحت في المنطقة ولم تغلق بعد.
د. منيرة أميد
24 آذار 2006
-----------------------------------
مشاهد فيلية
بغداد آذار 1974
كانت مهلة الاربع سنوات التي منحت لتطبيق ما سمي ببيان 11 آذار للحكم الذاتي للكورد قد اوشكت على الانتهاء. وما بين الفترة من الاعلان عن مشروع الحكم الذاتي في آذار 1970 وذلك اليوم، كانت قد حدثت احداث كبيرة عكست نوايا سيئة مبيته ومغايرة لتلك التي اعلنت من قبل السلطة الفاشية في بغداد.
لقد ابتدأت حملة واسعة لتهجير الكورد الفيلية بعد ان اتضح دعمهم الجلي للثورة الكوردية كما جرت محاولة فاشلة لاغتيال القائد التاريخي للثورة الكوردية المناضل مصطفى البرزاني وكذلك استمرت حملات التعريب في مدينة كركوك بخلاف ما تم الاتفاق عليه كما جرى الالتفاف على الكثير من البنود وتفريغها من محتواها. حتى أصبح من المستحيل تطبيق الاتفاقية على ارض الواقع.
رغم ان كل المؤشرات كان تشير ان المفاوضات قد وصلت الى طريق مسدود ولكن الامل كان ما زال يحدوٌهم لعله يحدث انفراج في اللحظات الاخيرة.
في ذلك العام، كان لقد جرت الانتخابات للجان الكليات لاتحاد طلبة كوردستان للسنة الدراسية 1973-1974 رغم الاجواء التي كانت تبعث على التشاؤم ولكن الامل والتحدي كان ما زال قائماً في نفوس طلبة الكورد في كليات الجامعات في بغداد.
دخل شهر آذار ودخل معه الترقب، الكل كان بانتظار شئ ما قد يحدث.
للاسف في الفترة التي سبقت ذلك الشهر، كان السلطة قد نجحت في دق أسفين بين الحركة القومية التحررية الكوردية وحليفها في الملمات والمصائب الحزب الشيوعي العراقي ،بعد ان دخل الاخير في تحالف مع حزب البعث، وكانت صحيفتا التأخي لسان حال الحزب الديمقراطي الكوردستاني القائد لنضال الشعب الكوردي حينذاك وطريق الشعب الناطقة باسم الحزب الشيوعي العراقي قد دخلتا في مساجلات على صفحاتهما في أمور لا تخدم الحزبين الذين جمعهما مصير مشترك لسنوات طويلة من النضال. مما سبب توتراً كبيرا في الاجواء.
في الجامعة حيث تعود الطلبة الكورد ان يلتقوا يوميا كانوا يتناقلون الاخبار وما تصلهم من كوردستان بلهفة ، حتى جاء اليوم المرتقب، وصلت المفاوضات الى حيث لا رجعة.
فما كان من ابناء الكورد في جميع ارجاء كوردستان سوى ان يلبوا نداء النضال المشروع لنيل حقوقهم القومية. وما هي إلا ايام وقد بدأ الطلبة يغادرون مقاعد الدراسة، البعض استطاع ان يودع اصحابه والاكثر من دون ذلك. رحل معظم الطلبة للالتحاق بالثورة وحمل السلاح بينما غادرن القليل من الطالبات، وتلافياً لمعضلة ان لا يتركن لوحدهن لا اعلم ان كانت قد جاءت الاوامر بابقاء بعض الطلبة لانتهاء من العام الدراسي الذي لم يبقى منه كثيراً، أم تطوع البعض للقيام بذلك، وتلك كانت شجاعة كبيرة منهم. وبما ان بنايتي كلية الادارة والاقتصاد وكلية الحقوق والعلوم السياسية كانتا متقابلتين، لذا تبقى طالبان فقط وهما كانا في الصفوف المنتهية في الكليتين هما المناضلين بختيار أمين من كلية الحقوق والعلوم السياسية وحمه (محمد) امين من كلية الادارة والاقتصاد، بينما لم يبقى للاخرين من أثر بحلول عيد نوروز ذلك العام.
مرت ايام عصيبة بعد ذلك، في البداية كانت هناك أخبار تصل واخرى كانت تسمع من أذاعة "صوت كوردستان"، والتي لم يكن من السهل التقاطها، ولكن تلك العائلة الفيلية سعت وبكل جهدها ان تستمع الى هذه المحطة وتتلهف لسماع العبارة " ئه يره ده نجي كوردستانه له عراقه وى" ، فكانوا عند سماعها يحسون بطمئنينة، وان كل شئ على ما يرام.
كان ابنهم البكر في سنته الاخيرة من الدراسة في جامعة السليمانية، كان أملهم ان يروه وهو يتخرج ذلك العام وخاصة وهو كان من أوائل الطلبة المتفوقين في الجامعة وكان بانتظاره مستقبل كبير.
عند المساء طرق أحدهم الباب وسلمهم قصاصة وسرهم انه رأى أبنهم في "قلعة دزه" فلا تقلقوا عليه، وأختفى.
أختطفت الورقة من والدتها، وبدأت تقرأ، كانت الرسالة مرسلة اليها من شقيقها، يناديها برفيقتي في النضال ، لم تتمالك نفسها فاجهشت بالبكاء، مما اقلق كل من حولها ولكنها طمأنتهم انه بخير فلا تقلقوا ، وهو يعتذر لهم لانه لم يحقق لهم ما كانوا يحلموا به لان نداء النضال من اجل أمته كانت اقوى من كل شئ. ذكر لها انه انتظرها حتى تلتحق معه بالثورة وكان آخر المغادرين، ويبدوا ان رسالته الاولى اليها لم تصلها. وأكد في رسالته انهم سيواصلون الدراسة والنضال لان قيادة الثورة كانت قد هيأت الاوضاع لمثل هكذا احتمال وخاصة ومعظم الطلبة والاستاذة كانوا قد التحقوا بالجبال. واعلنت في الاذاعة نداء للطلبة للالتحاق بالجامعة التي أنشأت في "قلعة دزة"؟؟!!.
في ذلك المساء لم يستطعوا ان يتلتقطوا أشارات البث لمحطتهم التي اصبحت بالنسبة لهم الهواء الذي يتنفسون من خلاله. فكان كنذير شؤم لهم. في اليوم التالي سمعت الخبر المفجع من الطالبات الكورديات التي معها. لقد تم قصف الاقسام الداخلية لطلبة الجامعة في "قلعة دزة" وهناك 9 شهداء بين الطلبة؟!!
كانت الفاجعة قد حدثت صبيحة 24 من آذار 1974 ، حيث قصفت المنطقة من قبل مجموعة من الطائرات بقنابل النابالم المحرمة دولياً. وركز القصف على الاقسام الداخلية للطلبة والتي بالاصل كانت مخازن لشركة التبغ ، وبما ان السقوف كانت من الحديد ( الجينكو) فان ذلك ساعد على تخفيف من أثر الضربة.
شيع أهالي سليمانية شهداء الكورد في اجواء حزينة لم تشهدها من قبل، واعلنت قيادة الثورة ، اعتبار 24 من آذار يوماً للشهداء الكورد وكوردستان. يتم فيه كل عام احياء ذكرى من سقطوا على درب النضال الطويل لنيل الحقوق القومية لشعبنا الكوردي.
وهنا لا يسعني سوى ان اذكر باجلال ذكرى ذلك الصبي البطل صلاح الفيلي ذو 14 ربيعاً والذي أبى ان يبقي مع اخوته، وأصر ان يرافق والده الى النضال، وبعده عرف "بالبطل الذي يحارب الطائرات" حيث أصبح يضرب به المثل لشجاعته وكيف كان يصوب بمدفعيته صوب الطائرات المغيرة ليسقطها، حتى نال الشهادة، وتدفق دمه ليروي ارض كوردستان. لتنبت في ذلك المكان شقائق حمراء يحيطها النرجس كل عام.
فتحية لروحه الطاهرة في هذا اليوم
المجد والخلود لشهداء كورد وكوردستان
المجد والخلود لكل شهداء العراق
د. منيرة أميد
23 آذار2006
-----------------------------------
مشاهد فيلية - بيان 11 آذار
د. منيرة أميد
نامت متعبة بعد عودتها من المدرسة كانت قد دخلت في نقاش طويل في ذلك اليوم وصل الى حد الصدام بينها وبين احدى زميلاتها.
كان البعث قد عاد الى السلطة مجدداً. وبدأت منظماته "الجماهيرية" تنشط في كل مفاصل الدولة وأصبح لها جيش من كتبة التقارير، ولكنها لم تكن قد وصلت الى ما آلت اليه لاحقاً.
تشاجرت مع تلك البيضاء المائلة الى الصفرة، الطويلة والنحيلة ، كانت يبدوا على هندامها انها قادمة من الريف او البادية حديثاً. بعكس بقية طالبات المدرسة والتي كانت معظمهن من الطبقة الميسورة وكان الكثيرات منهن أبناء شخصيات متنفذة في الاقتصاد والسياسة في البلد . كانت احدى زميلاتها في الصف، ابنة قيادي في الدولة، ووقتها لم يكن يبدوا عليها انها ستثير أهتمام الغرب بعد ان صارت "عالمة" أطلق عليها "مس انثراكس" واول امرأة قيادية في حزب البعث الفاشي المنحل.
دخلت تلك المدرسة بالصدفة، كأن القدر كان يريد ان يريها تجربة لم تكن تعرفها من قبل وانما كانت تسمع بها. قضت سنة واحدة في تلك الثانوية ولم تكن تعرف كيف مرت ، ولكن اعتبرتها سنة مظلمة من حياتها. طبعت في ذاكرتها للابد.
كانت المديرة ومعاونتها من سوء الخلق لا يمكن ان تحسدا عليه، كانت تتفنان في قمع الطالبات وملاحقاتهن بسبب او دونه. كانت تحاسب الطالبات على ملابسهن وتأخرهن ولو للحظات عن بدء الدوام وحتى على الابتسامة على وجههن مما كان ينم عن سادية غريبة، ستتطبع بها عشرات الاخريات اللاتي سرن في نفس طريقهن.
ولكن وأدهى من كل هذا العنصرية والطائفية التي كانت متفشية في المدرسة ، وتلك ما لم تراه في حياتها قبل وبعد تلك السنة. لذا لم يكن غريباً ان تتشاجر بعد ان عرفوا انتمائها القومي والطائفي. وخاصة وهي لم تكن ممن تخبأ عواطفها وميولها بعكس الكثيرات ممن كن معها.
تشاجرت مع تلك البدوية التي كانت عضوة في اتحاد الوطني للطلبة بعد ان نعتت الثورة الكوردية وقادتها "بالجيب العميل",وأخرى من احد الاقليات كانت تتحدث عن " أفعال الكورد" في كركوك؟؟؟!!!, عندها فقط عرفوا انها كوردية، ومنذ يومها لم تعد حياتها سهلة.
أستيقضت من حلم او رؤيا ، حيث شاهدت ابواب السماء تنفتح لتخرج منه صورة شخص اضاء بنوره الدنيا ولكنها لم تحدد من يكون " أهو الرسول (ص) او أمام علي (ع). ففتحت عينها ووجدت الصباح قد اقبل. بقي الحلم عالقاً في ذهنها ، واعطاها أحساساً بأن شيئاً كبيراً سيتحقق.
وفي احد الاماسي تسمروا أمام شاشة التلفاز ، بعد ان تكرر اعلان عن بيان هام سيعلن ويحمل بشرى للشعب العراقي. واخيراً نطق المذيع بصوته الجهوري " عن اتفاق بين الحكومة العراقية والقيادة الكوردية على منح الكورد "حكم ذاتي" سيتحقق على مراحل تأخذ اربع سنوات.
عمت الفرحة البيت والحارة التي كانت تسكنها أغلبية كوردية ، فرح كل العراقيين العرب بوقف الاقتتال وعودة ابناءهم من جبهات القتال ، والكورد لتحقيق آمالهم أخيراً.
لم ترى والدتها والتي رأتها طوال عمرها متلحفة بالسواد بتلك السعادة ولم تراها كذلك بعد ذلك. استخدمت القدور كطبل لتدق عليها. وشاركت ابناءها بالرقص الفلكلوري الكوردي "هل به ركه " حتى الصباح.
في اليوم التالي كان اول مستقبليها ومهنئيها في المدرسة من تشاجرت معهم قبل فترة ، كان عيداً بكل معنى الكلمة اشترك الجميع بالدبكات العربية والكوردية ولم تتوقف طوال اليوم. كان هناك أحساساً غامراً بالسعادة و بالاعتزاز، وخاصة بعد ذلك عندما رأت أشبال البطل القومي الكوردي ، كل من السيدين مسعود وأدريس البرزاني على سطح بناية في وسط ساحة التحرير ببغداد.
أحتفل الكورد الفيلية في مناطق تواجدهم بهذه المناسبة ، وكأنهم يعيدون ذكريات الايام الاولى لثورة تموز 1958.
توسعت التنظيمات الكوردستانية الحزبية والديمقراطية وخاصة اتحاد شبيبة كوردستان وكان رئيسه في تلك الفترة عبد الرزاق عزيز ميرزا واتحاد نساء كوردستان ورئيسته القاضية زكية اسماعيل حقي واتحاد الطلبة لكوردستان العراق ورئيسه عادل مراد وكانوا جميعاً من الكورد الفيلية ، وفي مؤتمر الحزب الديمقراطي الكوردستاني ، كانت القاضية زكية أسماعيل الوجه النسوي الوحيد في القيادة الكوردية، كما كان سكرتير الحزب حبيب محمد كريم وعضو المكتب السياسي يد الله كريم وعشرات الاخرين في القيادة الكوردية هم من الشريحة الفيلية. اصبح العمل الحزبي والديمقراطي الكوردستاني شبه علني وخاصة مع فتح مقرات لها ، حيث كان مقر الفرع الخامس للحزب في منطقة الاعظمية، واتحاد طلبة كوردستان العراق في الوزيرية، واتحاد نساء كوردستان في شارع الكفاح قرب "عكد الاكراد" وبذلك كان مكاناً سهلاً لمراقبة نشاطات الداخلين الى تلك المقرات وتحديد هوياتهم وخاصة وكان ضمن الاتفاق ان تتحمل الحكومة العراقية مصاريف تلك المقرات والعاملين على الخدمة فيها.
وأذكر حادثاً وقع في مقر أتحاد طلبة كوردستان عندما ذهبنا على ما أعتق لحضور أحدى الاجتماعات. حيث العامل الموجود في المقر والذي كان يضع على رأسه عقال عربي ويتظاهر بانه لا يحسن القراءة والكتابة، كسر فوهة قنينة الغاز لانه حاول فتحها كما أدعى، ولولا شجاعة الاخوان أعضاء الاتحاد وتصرفهم السريع لتلافي الحادث وتخلصهم من القنينة بسحبها الى الخارج لكانت قد حدثت كارثة، وكان العامل قد اصيب بجرح عميق في يده ، اسعفوه بسرعة ونقلوه الى المستشفى، ويومها فسر ذلك على اساس أنه جاهل ولكنه اتضح لاحقاً انه كان عقيداً في المخابرات العراقية؟؟؟!!!.
أن كشف التنظيمات وبتلك الصورة كان خطئاً أستراتيجياً، لانه قد كشف الاصدقاء والداعمين للحركة الكوردية بالاضافة الى كوادرها مما سهل لاحقاً عملية الانقضاض عليهم من قبل النظام البعثي الفاشي. ومنذ تلك الحقبة بدأ أكبر مسلسل من التسفيرات للكورد الفيلية بحجة التبعية، بعد انكشاف دعمهم اللوجستي للثورة الكوردية. وكانت بداية مأساة وحملة تطهير عرقية شمل كل الكورد ونشهد آثارها وتبعاتها لحد اليوم.
د. منيرة أميد
10 آذار 2006[/b][/size][/font]