اشكالية الحالة التدريسية للغات العراقية في المدارس والجامعات العراقية


المحرر موضوع: اشكالية الحالة التدريسية للغات العراقية في المدارس والجامعات العراقية  (زيارة 531 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Dinha Gorgis

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 6
    • مشاهدة الملف الشخصي
اشكالية الحالة التدريسية للغات العراقية في المدارس والجامعات العراقية
الأستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس                                           
جامعة جدارا/ الأردن


وإن تطلع المتحمسون في شأن الثقافة العراقية الجامعة، التي يتبوأ تعليم اللغات الوطنية صدارتها، إلى تفعيل ما كان مقررا على مستوى تشريعات الدولة قبل اكثر من ثلاثة عقود وترجمته على أرض الواقع، إلا أننا نرى بأن هذه الترجمة متعثرة. وقبل الخوض في اشكالية الواقع المعاش، على القارىء العربي أن يعي تماما خصوصية المجتمع العراقي وتاريخ أقوامه وحضارتهم التي تمتد لأكثر من 7000 سنة كي لا يخرج باستنتاجات خاطئة. وإن أشرت بعض الشىء إلى التاريخ في أدناه، فالمقالة التي بين يدي القارىء ليست تاريخية أو حتى سياسية، وإنما تعبير عن حالة إنسانية قبل أن تكون وطنية، رغم علمنا أن الوطن للجميع. دعونا أولا أن نتعرف على اللغات العراقية، وبما يتناسب والحجم تنازليا بشكل عام، واشكالات التسميات قبل الخوض في اشكالات تدريسها:

1.   اللغة العربية
2.   اللغة الكردية
3.   اللغة التركمانية
4.   اللغة السريانية
5.   اللغة المندائية
6.   اللغة الأرمنية

إن معظم العراقيين الذين يتكلمون بلغاتهم القومية، أي لغة الأم، يتقنون العربية بدرجات متفاوتة، وبضمنهم كاتب هذه المقالة، علما أن الكثيرين من مثقفيهم أكثر فصاحة وبلاغة من العرب أنفسهم، والشواهد لا تحصى، بسبب سيادة اللغة العربية لقرون طويلة على حساب اللغات العراقية الأخرى. وقد جاء قرار منظمة اليونسكو في سنة 2008 بتحديد الحادي والعشرين من شهر شباط يوما للغة الأم متأخرا جدا بعد أن قطعت سياسة التعريب أشواطا لا يحسد عليها، مع اعتزازنا بالعربية، ولرأب الصدع الذي طال بنية الثقافة العراقية لعقود، أو بالأحرى قرون خلت، جاء في المادة الرابعة من الدستور العراقي الحالي بأن لغة الدولة الرسمية هي العربية، وتكون الكردية إلى جانب العربية في إقليم كردستان ولدى الحكومة الاتحادية رسمية أيضا. ومن هنا جاءت دعوة الكورد بإضافة الكردية إلى جواز السفرالعراقي مؤخرا. كما ينص الدستور على اتخاذ أية لغة محلية أخرى، إضافة إلى ما سبق، لغة رسمية في الأقاليم أو المحافظات إذا أجمعت غالبية سكانها على ذلك باستفتاء عام. وهذه، حسب اعتقادي، اشكالية دستورية بحد ذاتها، وإن كانت خطوة ايجابية بطبيعة الحال. لذلك هنالك من يطلب أن تكون كل اللغات العراقية الحية لغات رسمية ينص عليها الدستور صراحة (أنظر حميد كشكولي/ الحوار المتمدن/ العدد 1286 بتاريخ 14/8/2005)، مثلا. وبعيدا عن القرار السياسي، يمكننا تبني مقترح الدكتور احمد جواد العنابي (المنشور في جريدة الصباح)، الذي يقضي بإنشاء مجمع لغوي عراقي لغايات علمية بحتة. إذن أين المشكلة، وما أبعادها؟

المشكلة لا تكمن في الاعتراف بالهوية القومية واللغة المرتبطة بها دستوريا، وإنما في التفاصيل والممارسات على الأرض. دعونا نبدأ بمفهوم "اللغة". فالعربية إثنان: الفصيحة واللهجة العراقية التي تتميزبلكانتها الأساسية، كالموصلية والبغدادية والبصراوية، ناهيك عن البدوية. ورغم هذه التنوعات في اللكنات، فإن العراقيين يتخذون من اللهجة البغدادية ملاذا نفسيا. فإذا صادفك إبن الموصل في بغداد، سيتحدث إليك بالبغدادية قدر الإمكان. ولكن تبقى الفصيحة هي اللغة المؤسساتية المشتركة في الإدارة والصحافة والتعليم. المشكلة الحقيقية لا تكمن في الأرمنية والتركمانية، وإنما في الكردية والسريانية، وأقلها في المندائية (إحدى اللهجات الآرامية) التي تتخذ من لهجة "الرطنة" لغة كلام. وهي مزيج من الكلاسيكية والفارسية والعربية (أنظر معجم المفردات المندائية في العامية العراقية الذي صدر في ألمانيا سنة 2008 عن مؤلفه الدكتور قيس مغشغش السعدي ويحتوي على 1250 مفردة). اللغة الكردية الرسمية في كردستان هي اللهجة السورانية، وهي لغة التعليم والإدارة، وأهل السليمانية بالتحديد هم خير من يمثل هذه اللهجة، في حين أن البهدنانية (أو البهدينية) هي لهجة الكورد القاطنين في دهوك وضواحيها. وبالمقارنة التاريخية الثقافية فأن السورانية كان لديها اليد الطولى دائما. والكتابات فيها خير دليل على ذلك. ولكن يبقى السؤال مطروحا: هل سترى البهدنانية عصرا ذهبيا في العقود القادمة؟ سأترك الإجابة عى هذا السؤال للمهتمين بالصراع اللغوي في كردستان لافتقاري إلى المعلومات الوافية. بقي أن نسأل: هل اللهجة الكورانية (الهورامية) أو اللهجة الفيلية أو لهجة الشبك أو الأيزيدية لغات كردية مستقلة؟ سأترك الإجابة عن هذا السؤال أيضا بسبب شحة الدراسات في هذا الموضوع، ولكنني سأخصص للسريانية وإشكالاتها بابا فيما تبقى من المقال لأنني أحد متكلميها.

يعلم اللغويون فيما يسمى بالساميات جيدا أن السريانية التي كانت مزدهرة لزهاء خمسة عشر قرنا حتى إعلان العربية لغة رسمية في أغلب البلدان التي فتحها المسلمون. فقد كانت الآرامية-السريانية لغة عالمية، كاللغة الانكليزية في يومنا هذا، ويحدثنا الكاتب روفائيل بابو اسحق في مؤلفه "مدارس العراق قبل الإسلام" عن المعاهد الآرامية-السريانية التي تميزت بتدريس العلوم الدينية والعقلية والأدبية والرياضية والاجنماعية، ناهيك عن دورها المتميز في نقل العلوم اليونانية إليها وإلى العربية في عصر المأمون بشكل خاص. وما "بيت الحكمة" إلا دليلا دامغا يتجاهله الكثيرون أو يشوهون صورته وصورة الهامات السريانية الضالعة به. ونقلا عن أحمد أمين في كتابه "ضحى الإسلام"، يقول بأنه كان للنصارى في ما بين النهرين نحو خمسين مدرسة ألحقت بها مكتبات متكاملة. ومهما ذهب إليه المؤرخون، فقد إعتنق الاسلام من اعتنق، واستعرب من استعرب، وبقى ما تبقى من أصل قرابة ثلاثة ملايين في عراق اليوم بعد أن هاجر أكثر من نصفهم إلى الغرب، وما زال الأغلبية يتكلمون بها في المهجر. على أية حال، استبشر العراقيون الغيارى خيرا في احياء إرثهم، اولئك الذين كان يطلق عليهم في حينها بــ "الأقليات القومية المتآخية"، بقرار منح الحقوق الثقافية لهم في السبعينيات من القرن العشرين. وفي ضوء هذا القرار تأسس "مجمع اللغة السريانية" وشرع في تدريس هذه اللغة في المناطق التي يشكل سكانها الأغلبية من الناطقين بها (أنظر غلاف الكتاب المقرر من وزارة التربية بأجزاءه الخمسة للصف الأول الابتدائي في أدناه، الصادر عن دار الحرية للطباعة سنة 1974 ببغداد). وقد أصبحت اللغة السريانية فرعا في قسم اللغة العبرية بجامعة بغداد، ونقل إليه نفر من الطلاب المقبولين في اختصاصات أخرى بالجامعة المستنصرية ضد رغبتهم. وبعدما تخرجوا، لم يجدوا وظيفة يمارسون فيها اختصاصهم. ولم تدم هذه الحالة المتقدمة في شأن الأقليات طويلا، فقد ألغي المجمع السرياني وصار مجرد هيئة خاملة ومهمشة ومسيسة ضمن هيئات المجمع العلمي العراقي الذي كان صديقي الأب الدكتور يوسف حبي، رحمه الله، عضوا فيها.

ومنذ عام 1992، بدأت الأمور تعود إلى مجاريها، ولكن هذه المرة من كردستان وفي كردستان بالتحديد. وفي سنة 2004، انقشعت الغيوم تماما لتطل علينا السريانية بحلة جديدة. انتشرت عشرات المدارس في قصبات ذات كثافة سكانية سريانية في شمال العراق، وتخرج منها طلبة بتفوق والتحقوا بالجامعات، وأصبح للسريانية قسم علمي مستقل عن العبرية، كما هو الحال بالنسبة إلى الكردية، في كلية اللغات بجامعة بغداد، ليملأ طابقها الثالث بهبات عينية، كأجهزة حاسوب مثلا، من جهات مختلفة، ولتتخرج من هذا القسم  كوكبة ثانية من الطلبة ( وهن ست طالبات فقط). ولكن مع كل هذه الجوانب المشرقة، لاتزال اشكالية التعليم أمرا يؤرق القائمين على التعليم وأهالي الطلبة والطلبة أنفسهم. ونحصر أهم المشاكل بالتالي:
1.   الخط: على التلميذ في الدراسة الابتدائية تعلم الخطين الشرقي والغربي. وهذا ما كان موجود فعلا في الكتاب المقرر المعروض غلافه في أدناه. وهذا يسري على طلبة الجامعة حاليا، وإن كان حجم المشكلة أقل هولا بالنسبة لهم لأن الأدبيات المتوفرة في المكتبات، ومن بينها المخطوطات التي لا حصر لها والمتوفرة في أقبية الكنائس والأديرة، منقوشة بالخطين.
2.   اللهجة: كما أسلفنا آنفا، فأن اللهجات تشكل صراعا من أجل البقاء والسيطرة. وهي تخضع لأيديولوجيات قومية فرعية متأصلة في نفس الأقوام. لذلك قد يتقاطع الأنتماء الطائفي والممارسة الشخصية مع الوحدة القومية، بقصد أو بغير قصد. وعليه ستكون اللهجة عائقا بالنسبة للمعلم والطالب.
3.   البقعة الجغرافية: ينتشر السريان، كما هو الحال بالنسبة للقوميات الأخرى، في أرجاء العراق. ولو فتحنا مدارس بالكردية أو السريانية أو أية لغة قومية أخرى في بغداد أو البصرة مثلا، لن يكون هنالك اقبال عليها بسبب سيادة العربية، من جهة، وتخلي الكثيرين من العوائل العراقية التي نزحت إلى بغداد أو البصرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عن لغاتها القومية. وأهل بلدة تلكيف، شمال الموصل، خير دليل على ذلك. وبنظرة بسيطة إلى سجل الأحوال المدنية، سترى أن أغلب الأسماء باتت عربية في حضرة التبريرات المنطقية التي لا مجال لذكرها هنا. ويضاف إلى ذلك سبب مهم جدا، الا وهو التنافس على المقاعد الجامعية (أنظر"تأثيرات الواقع في تعثر تعليم السريانية" المنشورة على موقع: شبكة النبأ المعلوماتية في عددها الصادر يوم 12/1/2008). ففي ظل هذا الواقع، أي عائلة سترسل أبناءها وبناتها إلى مدارس سريانية أو كردية أو تركمانية في الوقت الذي لا يعرف الأبوان سوى لغة المشافهة؟ وبما أن الأهل يعينون أولادهم وبناتهم في الواجبات البيتية، كما هو الحال بالنسبة إلى العربية عادة، فهل نعكس المعادلة ليعلم الأولاد والبنات ذويهم كتابة وقراءة السريانية؟
4.   الكادر التدريسي: إذا كان هنالك نقص حاد في الكادر التدريسي المؤهل ضمن مناطق تواجد السريان بكثافة في محاقظة دهوك، بشكل خاص، والقصبات المتناثرة في شمال العراق، فكيف بالنسبة إلى بغداد أو البصرة، أو حتى مؤسسات التعليم العالي؟ وقد يندهش القارىء لو قلنا بأن الكثيرين ممن يدرس السريانية حاليا هو من غير الناطقين بها، وإنما ممن اشترك بدورة في اللغة السريانية ليقتات منها.
لن أضيف الى هذه القائمة أكثر مما ورد فيها، لأنها تقصم ظهر البعير، وليس بمقدوري أن اقترح دواء سحريا في ضوء ما يجري على الساحة العراقية، وبسبب الهجرة المتنامية للسريان، ولكن الغريق يتعلق بقشة، كما يقول المثل. وربما كان فسم اللغة السريانية بجامعة بغداد والدائرة السريانية في المجمع العلمي خير مكانين لزيادة الوعي لدى الناطقين وغير الناطقين بالسريانية على حد سواء، ولاستقطاب باحثين من جامعات العالم وتبادل الزيارات مع هذه الجامعات وعقد المؤتمرات اللغوية والحضارية، وإقامة دورات مجانية في اللغة السريانية لجميع العراقيين والتذكير بأجدادهم القدماء، وما إلى ذلك من نشاطات إعلامية مكثفة بدعم لا محدود من كل الأطراف، وأهمها مركز القرار في الدولة العراقية الاتحادية وأفليم كردستان.
والمضحك المبكي في كل ما تقدم، أن الفقير كاتب المقال هذا يتكلم السريانية ولكنه يجهل القراءة والكتابة بالسريانية، رغم أن تخصصه علم اللغة!



الأردن في 21/آيار/ 2009


 


خريجو الدورة الأولى (بالزي السرياني) يتوسطهم السيد يونادم كنا عضو مجلس النواب العراقي في احتفالية تخرجهم يوم 6 آيار 2009


 


الخريجون وأساتذتهم وضيوفهم