العين تسمع والأُذن ترى!
في رثاء سينما صلاح الدين
د. سعدي المالح
تجري الآن عملية هدم لمبنى سسينما صلاح الدين في أربيل. وكانت هذه السينما منذ تشييدها في عام 1946 معْلَمَاً حضارياً كبيراً من معالم المدينة، ولعِبت إلى جانب سينما الحمراء، التي تأسست بعدها بسنة، دوراً فنياً وثقافياً وترفيهياً كبيراً في هذه المدينة الصغيرة والمحافِظة نوعاً ما آنذاك.
أوَّلَ مرةٍ دخلتُ فيها دار سينما في حياتي كانت في صالة سينما صلاح الدين في عام 1965 عندما كنتُ أعملُ في الصيف بائعاً متجولاً لِحَبّ الباسورك في أربيل. وبما أني كنت أتجوَّل في المقاهي والشوارع لبيع بضاعتي كنت أتردَّد على سينما صلاح الدين وسينما الحمراء قبل موعد عرض الأفلام وإثناء فترة الاستراحة لازدحامهما بالرُوَّاد الذين كانوا يشترون أنواعاً من البذور للتسلية.
كانت سينما صلاح الدين الواقعة على تقاطع شارعين مهمين في وسط المدينة واحداُ من أهم مراكز البيع بالنسبة لي. ذات يوم وكنت قد انتهيت مبكراً من بيع بضاعتي تجرأتُ واشتريْتُ تذكرةً بعشرين فلساً لمشاهدة نصف الفيلم الأخير من صبي في مثل عمري لم يعجبه النصف الأول منه. وكان هناك دائماً من يبيع تذكرته أثناء فترة الاستراحة بنصف القيمة فيشتريها غيره من الأولاد بعد أن يطلب منه أن يشرح له باختصار مضمون النصف الأول من الفيلم. أما أنا فلم أحظَ بمثل هذا الشرح إذ قال لي الشاب الكردي إنهم يتكلمون بالمصرية ولم افهم منهم شيئاً.
أخذت التذكرة فرحاُ ودخلت القاعة وكأنني أنا الضليع باللهجة المصرية . اِستلم الصبي الواقف على الباب مني تذكرتي وقادني إلى مقدمة الصالة المخصصة لرواد الأربعين فلساً حيث كان يجلس عدد من المشاهدين معظمهم من الأولاد المراهقين والجنود. تلفتُّ يميناً ويساراً، كانت القاعة عبارة عن فناءٍ مسَّورٍ رُتِّبَتْ فيه مصاطبَ خشبية. وقبل أن أمتع نظري بمشاهدة قاعة السينما جيداً أُطفِأتِ الأنوار.
بدأ الجزء الثاني من الفيلم وانتهى ولم أفهم منه إلا اليسير. كما لم تبق في ذاكرتي إلا تلك المشاهد التي كان يُقَبِّلُ فيها بطل الفيلم حبيبَتَهُ.
في هذه السينما ( وفيما بعد في سينما سيروان التي افتتحت في النصف الثاني من الستينيات) شاهدتُ عشرات الأفلام المصرية والأمريكية والهندية وغيرها، حتى أصبحت مولعاً بمشاهدة الأفلام السينمائية إلى درجةٍ كنتُ في بعض المرات أترك المدرسة مع زملائي بعد حصتين أو ثلاثة لنتمكن من مشاهدة فيلم ونفلحُ من لحاق الباص نفسه الذي يعود فيه طلاب الثانوية إلى عنكاوا لكي لا يعرف أهالينا بجريرتنا هذه.
وأجمل ما في هذه السينما (وغيرها من السينمات الأربيلية) صالة العرض الصيفية المكشوفة المرشوشة أرضها بالماء التي كنا نجلس فيها نأكل "الدوندرمة" ونفقس الحبوب المختلفة ونضحك إلى أن يبدأ الفيلم ثم نتقاتل في نهايته بعد أن تتباين آراؤنا حول مضمونه أو شكله الفني أو قدرات ممثليه.
ومن كثرة تعلقي بقاعات السينما الصيفية في أربيل، والتي كان هناك عدد منها في تلك السنوات، نقلت حبي لها معي إلى غربتي. ففي أواسط الثمانينات عرفت بوجود سينما صيفية في طشقند، عاصمة أوزبكستان ، حيث عملت مترجما للأدب وأستاذا في الجامعة فترة. كان الوقت شتاء، انتظرت بصبرٍ نافدٍ أن يأتي الصيف لدخول هذه السينما. كانت السينما تقع في مدخل مُتَنَزَّهٍ، على طرف الشارع، وفي منطقة تعجّ دائماً بالمارة والمتنزهين والسياح الأجانب وغيرهم طيلة أيام الصيف. في المساء كنت أما أدخل هذه السينما ذات الأرضية الترابية المرشوشة بالماء أيضا لمشاهدة أحد الأفلام وأتذكر سينما صلاح الدين الصيفية في أربيل، أو في الأقل أمرُّ من أمامها متمشياً في نزهة قصيرة وأشتري من كُشْكٍ في مدخلها "دوندرمة" لذيذة أو حَبْ عباد شمس يَبِعْنَهُ نسوةٌ في ورقِ جرائد ملفوفة مخروطياً كما في أربيل.
في تلك السنوات- الستينيات والسبعينيات- كانت السينما مركزاً ثقافياً وترفيهياً كبيراً يرتادها المثقفون والموظفون والتجار والطلاب وبعض العائلات المتعلمة والميسورة في المدينة. كانت السينما متنفساُ اجتماعياً حتى للكثير من العائلات الناشِدة إلى التحرر الاجتماعي والفكري، فترى المقصورات والمقاعد الخلفية تزدحم بهنَّ دائماً.
ما تزال السينما في معظم دول العالم تلعب الدور نفسه، بل وتشيَّدُ الآن مجموعةٌ من صالات العرض في دار سينما واحدة (مجمَّع سينمائي) وتعرض بعض الدور أكثر من عشرة من أحدث الأفلام في آن واحد. ما تزال هوليود في أَوْجِها، وكذلك صناعة السينما العالمية. وما تزال جوائز الأُوسكار تشعُّ بريقاً أخّاذاً ومهرجانات السينما العالمية في كان وكارلو فيفاري وروما وموسكو ومونتريال وغيرها من المدن تُعْقَد بنجاحٍ كبير، بينما السينمات في أربيل، وربما في كثير من مدن العراق، قد هرمت، وأصبح لا يؤمها غير عدد ضئيل من الرواد الهامشيين، ولا تعرض فيها إلا بعض الأفلام القديمة والهابطة أو المثيرة للشهوات، حتى صرنا نتجرأ أن نرثي حال السينما في المدينة مع غياب واحدة من أكبر دور العرض فيها.
المفارقة المثيرة في أمر دور السينما في أربيل أنه يوجد الآن في هذه المدينة، التي أصبحت عاصمة لإقليم كردستان منذ سنوات، أكثر من لجنة ومؤسسة حكومية وشيه حكومية، تُعنى بالسينما بينما لا توجد فعلياً أفلام سينمائية حقيقية تعرض في المدينة إن كان في دور العرض العامة أو في المراكز الفنية والثقافية والاجتماعية!
اليوم تُهدم سينما صلاح الدين، وقد تزال غدا سينما الحمراء، أو سينما سيروان، ولا نعرف ماذا سيبنى في مواقعها، لكن الذي نعرفه بالتأكيد أننا نفقد صرحاً ثقافياُ وترفيهياُ يستحق الرثاء. إننا نرثي فنا جميلاً ومؤثراً في الوقت الذي ما يزال يعيش هذا الفن شبابه في العالم المتحضر!
ألا تستحق السينما، أفلاماً ودور عرض، أن تُعاد إلى الحياة الثقافية في المدينة على نحو فعّال وهادف؟
والعين تسمع والأُذن ترى![/b][/size][/font]