شلاما إلى زوعا في ذكرى الـ (26) لتأسيسها
مفاهيم في التطـور والممارسة السياسية
أبرم شبيرا – لندن
إن الإلمام بالحياة السياسية وبأبجدية الحركات القوميــة الأصيلة والنابعة من ضمــير الأمة يستلزم أن نعرف بأن مؤسسات وأحزاب وحركات الأمة هي كيانات حية غير جامدة.
فهي الأخرى كالكائنات العضوية الحية تمتلك مقومات النشوء والتطور والتقدم، وتحمل أيضاً في طبيعتها التطورية جملة تناقضات تشكل الأساس الذي يبني عليه تقدمها وتأخرها، حياتها وموتها. فهي تحمل مقومات الحياة من حركة ونشاط مثلما تحمل مقومات الموت من تخلف وجمود.
من هذا المنطلق يجب أن نعرف بأن تطور حياة الإنسان ليس على الدوام حركة مستمرة إلى الأمام فحسب بل أن المفهوم الفلسفي لتطور الحياة والإنسان وحتى الحركات السياسية هو المحصلة النهائية الناتجة من جملة تفاعلات قائمة بين التقدم والإخفاق والتي تفرز في نهاية المطاف مقومات التطور والاستمرار لهذه الحركات. وهي الظاهرة التي يمكن تفسيرها بمفهوم " خطوة إلى الوراء وخطوتان إلى الأمام ".
فالحركة الديمقراطية الآشورية، كحركة قومية لم تلد بقرار سياسي صرف أو كانت نتاج بحوث أكاديمية أو قرارات رجال السياسة والقانون والمعرفة، وإنما ولدت ولادة طبيعية ومن مخاض ومعاناة الأمة ومن رحمها الشرعي. لذلك فهي تمتلك كل مقومات الكائنات الحية التي تنعكس مفاهيمها الفلسفية في الظواهر والكائنات الاجتماعية والسياسية.
فإذا كان هذا الإقرار الواضح والصريح بحيوية الحركة الديمقراطية الآشورية وبامتلاكها للمقومات الأساسية في كونها حركة عضوية وحية في تفاعلها مع معاناة وطموحات الشعب، فهي أذن حركة طبيعية لها مقومات التطور الواجب توفرها فيها مثل كل الكائنات الحية والعضوية، كالتقدم ثم التعثر وبالتالي الوصول إلى محصلة التطور أو الموت والفناء.
أي بعبارة أخرى إن المفهوم الفلسفي للتطور القائم على "خطوة إلى الوراء وخطوتان إلى الأمام" ينطبق على الحركة الديمقراطية الآشورية عندما نريد الكشف عن المسار السياسي لها ومعرفة مدى تطورها في تحقيق أهدافها ومنهاجها وبالتالي تحقيق طموحات الأمة.
من هذا المنطلق يعد من السذاجة الفكرية والضعف السياسي عندما ينظر إلى مسيرة زوعا السياسية من خلال تعثر وتراجع في خطوة معينة وتقييم تطورها من خلالها ومن دون النظر إلى الخطوات الإيجابية الناجزة. والعكس صحيح أيضا، فلا يجوز النظر إلى مسيرتها من خلال خطواتها الإيجابية فحســب وتجاهل خطوة التعثر والتراجع، بل أن استمرارها وديمومة تواصل نضالها يقوم بالأساس على دفع الخطوات الإيجابية دفعاً أمامياً مع النظر العميق والتفحص الدقيق والنقد النافذ للخطوات السلبية والمعوقات التي واجهتها في مسيرتها هذه واستخلاص الدروس والعبر منها واعتمادها في تصحيح مسار المستقبل.
وهذا المنطلق هو الأساس أو المصدر الذي ينبع منه الفكر السياسي الواقعي النير للحركة وتتسلح به في مواجهة التحديات التي تواجه الأمة وتتحصن به أيضا من المفاجئات والاحتمالات غير المتوقعة .
وعلى هذا الأساس، لا يمكن إطلاقا فصل السلبيات عن الإيجابيات في مسيرة كل حركة قومية سياسية، كالحركة الديمقراطية الآشورية.
فحتى نفهم معايير تطور مسيرة هذه الحركة لابد من اعتماد المحصلة النهائية لهذا التطور الناتج من تفاعل مجمل عوامل التقدم والتعثر في مسيرتها المتواصلة. أي بعبارة أخرى يجب النظر إلى تطور مسيرتها من خلال الكل وليس الجزء أو من خلال العام وليس الخاص. والعكس من هذا صحيح أيضاً، أي النظر إلى الخاص دون العام هي نظرة أو فكرة انتقائية وانتهازية مريضة تسعى في مرماها الأخير إلى نقل مرضها وانتهازيتها إلى أبناء هذه الأمة وبالتالي إلى طعنهم في الصميم وتحجيمهم في الخاص الضيق والمظلم دون العام المنفتح، وبأسلوب سادي يقوم على خنق كل محاولة أو نشاط وهو في مهده الأول الذي حتماً ستواجهه خطوات سلبية تزداد بزيادة التناقضات المحيطة بها من جهة وبتواصل استمرار مسيرتها من جهة أخرى.
ومن هو الخاص الضيق والمظلم بالنسبة للحركات السياسية القومية الآشورية غير النزعات العشائرية والطائفية والأنانية والتوجهات الشللية والنفعية السائدة في الزوايا العفنة من مجتمعنا والتي لا يستقيم بها المقام إلا في محاربة الفكر القومي المستقل والأصيل ومنظماته وحركاته الشرعية.
وانطلاقاً من هذا المفهوم، فان الحركة الديمقراطية الآشورية لا تدعي ولا ترغب إطلاقا الادعاء بأن مسيرتها القومية الطويلة والصعبة تقوم على خطوات في جميعها خطوات ناجحة وعظيمة، فهذه المثالية الخيالية في عالم السياسة والبعيدة المنال لا وجود لها في أفكار ومنهاج الحركة لأنها لا تعتد بالنظريات المثالية والرومانسية في النضال القومي ولا تسلك السلوك الافلاطوني القائم على "الكلام البيزنطي" في عملها السياسي بل تعتمد على الممارسة السياسية والتطبيق السياسي للأفكار (Political Praxis) على ارض الواقع في مسيرتها المأطرة بوعي قومي ناضج نابع من ضمير الأمة، تلك الأرض المليئة بتناقضات ومعوقات متوارثة ومستديمة وتجاوزها ليس بالأمر السهل والهين.
وممارسة زوعا للسياسة الواقعية لا يعني إلا اشتقاق أساس تطورها من مبدأ الخطأ والصواب المسترشد بوعي قومي قادر على مواصلة مسيرتها النضالية وفاعلة في عملية البناء السياسي للفكر القومي السليم المنير لطريق المناضلين نحو تحقيق أهداف الأمة المشروعة.
ومن يلتصق ضميرياً بهذه الحركة وبغيرها من الحركات السياسية الأصيلة في مجتمعنا ويتعمق في فكرها ووجودها سوف يكتشف هذه الحقيقة وبسهولة ومن دون أن يكون مرتبط بها تنظيمياً، ذلك لأن من هو ضميره مرتبط بالداخل وحراً في الخارج يكون قادراً على اكتشاف الحقائق أكثر بكثير من مًن هو في الداخل أو في الخارج فقط.
والحركة الديمقراطية الآشورية تدرك هذه الحقيقية إدراكاً كبيراً ولهذا السبب نرى الكثير من المثقفين والمفكرين ورجال العلم والمعرفة يرتبطون ضميرياً وفكرياً بها ولكن ليسوا أعضاء ولا طلبت الحركة منهم الانضمام إليها، لأنها تعرف بأن هؤلاء يخدمون الأمة أكثر من خدمتهم وهم في داخل زوعا، وهذا شعور ينم عن نكران الذات وعن تفضيل مصلحة الأمة على مصلحة الحزب.
من المؤسف الشديد أن يسود في جوانب معينة من المجتمع الآشوري، ولأسباب موضوعية وفكرية ونفسية، نوع من عدم النضوج الفكري تجاه المسائل السياسية الجادة وتجاه الحركات القومية لمجتمعنا التي تخوض غمار حرب المواجهة مع التحديات المصيرية. هذا العجز الفكري أفرز، ولا يزال يفرز، نوع من حالات الغموض والارتباك في فهم الفلسفة السياسية لمسيرة الأحزاب السياسية والحركات القومية، بما فيها مسيرة الحركة الديمقراطية الآشورية المتصاعدة.
وبالبعض من هذه الحالات لا تخلو من سذاجة فكرية نابعة من أسباب طبيعية ونفسية راكنة في الزوايا المظلمة لنفسيات بعض أفراد المجتمع في بناء تصوراتها وسلوكها السلبي تجاه كل الأحزاب السياسية الآشورية والمسائل القومية بشكل عام والتي فسرناها بـ " عقدة الخوف من السياسة ".
في كتابنا الذي صدر في السنوات القليلة الماضية. كما أن البعض الآخر من هذه الحالات ليست طبيعية بل هي مقصود ولأسباب دنيئــة قد تكون قائمة على أسس عشائرية أو طائفية أو مصلحية أو تحزبية أو شخصية صرفه تجد في تصاعد وتقدم مسيرة زوعا تهديدا خطيراً لوجودها وتوجهاتها والتي هي بالأساس ليست معادية لهذه الحركة أو ذاك الحزب فحسب بل هي معادية لكل ما هو إيجابي وخير لهذه الأمة.
ولعل من أكثر الحالات إساءة أو غموضاً للفهم هي ظاهرة احتكار القيادة العليا من قبل شخص أو شخصين أو في أحسن الأحوال عدد قليل جداً من الأفراد، وبقاءهم فيها، أو كما يسمونها، إعادة انتخابهم أو اختيارهم لفترات طويلة ومن دون إعطاء الفرصة لغيرهم. شخصياً أكره هذه الظاهرة كثيراً وانتقدها بشدة لأنها هي بالضد تماماً من المفاهيم الديمقراطية التي ننادي بها ليل نهار، خاصة نحن الذين نصبنا خيامنا في المهجر.
فهذه الظاهرة تصلح كمثال في الحديث عن مسار تطور الحركة السياسية الآشورية. لقد انتقدنا زوعا وانتقدها غيرنا لا بل تهجموا عليها ووصفوا يونادم كنا وغيره بالدكتاتورية وحب السيطرة والظهور، وإلى غير ذلك من الوصفات والشتائم، لا بل شخصياً وصفت هذه الحالة وكأنها تقليداً لسياسة العرب في الحكم بعقلية شرق أوسطية في الاستمرار في كراسي الحكم لمدى الحياة وهي الحالة التي وصفها معمر القذافي رئيس ليبيا في تفسيره لمفهوم الديمقراطية (Demo- cracy - ديمو كراسي) بـ الاستمرار في الكراسي. وهي ظاهرة لا شك فيها إطلاقاً بأنها تحمل جوانب سلبية خطيرة تؤثر كثيراً على مسار التنظيمات السياسية وتفقد مصداقيتها وشعبيها بين الجمهور.
ولكن هذه الظاهرة السلبية التي تعتبر نوع من التراجع في المسيرة القومية السياسية والاستمرار بها هي خطوة إلى الوراء، يجب أن لا ينظر إليها كحالة خاصة فقط ، كما سبق ذكره، من دون أخذها ضمن الظروف العامة، خاصة الإمكانيات السياسية للآشوريين، وضمن الخطوات الإيجابية الأخرى التي تتفاعل معها وتحاول التقليل من سلبياتها من أجل دفع المسيرة نحو الأمام.
فمن الخطأ الكبيرة جداً أن نلعن ونشتم كل ما له علاقة بزوعا أو بغيرها ونقاطعهم نهائياً ونلغي بكلمات غير محترمة كل الإنجازات الكبيرة التي حققوها لأمتنا بمجرد أن هذا الشخص أو ذاك بقى في القيادة لسنوات عديدة أو أنه صرح بكلمة أو أتخذ موقفاً معيناً لا يرضى البعض. أقول هذا ليس دفاعاً عن هذه التنظيمات والشخصيات وإنما تحليلاً علمياً لهذه الظاهرة ليس من خلال مقارنة هذه التنظيمات السياسية بغيرها من الأحزاب السياسية في المهجر وحتى مع الأحزاب الأخرى في الوطن من حيث الإمكانيات الفكرية والسياسية والمالية والتنظيمية.
فنحن، كما يعرف الجميع، حديثي العهد في التنظيم السياسي لا نملك أخصائيين أو مستشارين أو كوادر متفرغة بالتمام والكمال لشؤون التنظيم، فالمطلع لحال هذه التنظيمات سوف يرى بأن كل نشاطها وفكرها وتمويلها وتنظيمها يقع على عاتق هؤلاء الذين في قمة القيادة. لنسأل هذه القيادة ونبحث معهم، كم مستشار أو خبير سياسي أو قانوني أو مالي يحيط بيونادم أو بغيره من قيادي الأحزاب في مجتمعنا ويعملون معهم ليل نهار من أجل خدمة التنظيم.
أعتقد الجواب معروف ولا يستوجبه إلا أن نقول بأن كل ما يتلقونه من استشارة أو مساعدة لا تأتي إلا من الذين هم حولهم، وحال هؤلاء لا يختلف عنهم، حيث يسرقون من وقت عملهم وعائلتهم وراحتهم ليخصصوها لتنظيمهم، أو قد تأتي بعض الشذرات من أشخاص قد تتوفر لديهم في بعض الأحيان سويعات قليلة لنقاش موضوع معهم، كما هو الحال معي. إذن لماذا نلوم هؤلاء بينما خيرة المثقفين والمتعلمين على المستويات العليا لا يقتربون من هذه التنظيمات ولا يساعدونهم في مهمتهم القومية ولكن في عين الوقت يتهجمون عليهم وينعتونهم بأشنع النعوت.
فالمسؤولون على تنظيمات مجتمعنا، مهما ادعوا وتظاهروا بسعة المعرفة وإدراك الأمور ومعرفة خفاياها، إلا أنهم لا يمكن أن يكون دائماً هكذا وفي كل المجالات والأوقات ولا يمكن أن يكون خبراء وعلماء في عالم السياسة والاقتصاد والدبلوماسية والتفاوض وغيرها من حقول المعرفة التي تتطلبها ممارسة السياسة. فبدون المساعدة من غير أعضاء تنظيمهم قبل أعضاء تنظيمهم لا يمكن أن يكون الحال أحس مما هو عليه الآن.
لنأخذ الحركة الديمقراطية الآشورية كمثال، ليس لأنها تحتفل في هذه الأيام بذكراها الرسمي لتأسيسها فحسب وإنما باعتبارها قد تأسست في الوطن وتنشط هناك وفي ظروف سياسية صعبة للغاية، ذلك لأن الجميع يعرف بأن الاشتغال بالسياسة ليس بالأمر الهين والسهل في بلدان كبلد وطننا الأم فهو كاللعب بالنار الحارق محفوف بالمخاطر والتضحيات والتحديات التي قد تؤدي في بعض الأحيان إلى زهق الأرواح والاغتيالات أو إقلال للراحة وإثارة الخوف والرعب أو التورط في مشاكل خطيرة هي بعيدة تقريباً عن الذين يشتغلون في السياسة في المهجر الديمقراطي الذي تعتبر السياسة بالنسبة للبعض، خاصة الآشوريين منهم، نوع من قضاء الوقت أو التسويق الدعائي الشخصي وربما نوع من "الونسة" أو أسلوب للعبة التنافسللتنافس مع غيرهم وتحديهم في هذا المجال.
لقد سبق وذكرنا بأن زوعا تأسست طبيعياً من مخاض الأمة ومعاناتها ولم تؤسس بقرار من خبراء في السياسة وعلم الاجتماع أو الاقتصاد ولا من رجالات الحكم والبرلمانات وإنما تأسست من مجموعة شباب وطلبة وهم في مقتبل حياتهم السياسية لا يعرفون من فنون السياسة وألاعيبها غير حبهم الشديد والمتفاني لأمتهم الآشورية، فكيف والحال معهم عندما يلتحقون بركب الكفاح المسلح ويتحالفون مع أحزاب وحركات لهم باع طويل وخبرات متمرسة في السياسة والنضال، كالحزب الشيوعي العراقي وأحزاب الحركة الكردية والأحزاب الإسلامية المتطرفة والمعتدلة والتنظيمات التركمانية وحتى الزيدية والفيلية والشبكية. أليس من المنطق والمعقول أن تعرف مع من تتعامل؟
وأليس من المفروض أن تكون ملمة بأفكارهم وسياساتهم وأهدافهم؟ ، وإلا كيف تتعاون أو تتنافس معهم من أجل تحقيق أهدافها القومية. هنا الضرورة تفرض نفسها لنؤكد للقارئ الكريم بأن السياسة هي تعاون وتنافس مع الطرف الآخر وبأشكال مختلفة وليس من الضروري أن يكون أراء وأهداف وأساليب العمل السياسي للطرفين متطابقة أو متشابه، بل المهم هو أن يكون كل طرف مدرك ومطلع ومتفهم للطرف الآخر حتى يستطيع التعامل معه تعاونياً أو تنافسياً.
وكلما زاد حدة الاختلافات والتناقضات بين الطرفين وبالتالي زادت حدة التنافس على حساب التعاون ووصلت العلاقة إلى حالة الصراع، كلما يتطلب ذلك خبرات وإمكانيات أكثر، وسعة كبيرة في المدارك والوعي. وكلنا نعرف مدى التناقض التاريخي والصراع الدامي الذي كان يحكم علاقة أمتنا بهذه الشعوب ومدى صعوبة التعامل معهم في هذا اليوم، خاصة عندما يحضر التاريخ أمام أعيننا.
من هذا المنطلق نقول بأن حدة التناقضات العميقة التي تحيط بأمتنا في وطن الأم، وخاصة في مسألة التعامل السياسي، يتطلب ذلك تسلح في المعرفة والخبرة وتوفير الإمكانيات المطلوبة لخوض العملية السياسية(تعاون/تنافس).
إذن من أين تأتي زوعا بهذه المستلزمات ونحن نعرف جميعاً بأنه ليس لها مصادر مالية ثابتة ومستمرة، فلا دولة تمولها أو تساندها سياسيا، كما هو الحال بالنسبة لتركمان مع تركيا، كما ليس لها معاهد وأكاديميات تخرج خبراء وكوادر في السياسة، هذا إلى جانب الفقر السياسي والفكري الذي يسود تقريباً معظم نواحي مجتمعنا، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع الغير والمختلف، فأبناء أمتنا، بحكم تجربتهم المريرة والدامية في التعامل مع الغريب والمختلف، فأنهم بطبيعتهم يخافون منه ولا يريدون التعامل معه، خاصة الغريب الذي يرتبط بالماضي الأليم وبمذابح ارتكبت بحقهم من قبلهم، مثل الأكراد والترك والفرس والعرب وحتى غيرهم من المسلمين.
هذه الشحة أو الفقر في مصادر توفير كوادر سياسية وملمين بشؤونها وبشؤون الغير تجعل أن يكون هناك قلة قليلة متواجدة وعلى الدوام في قمة الهرم التنظيمي للأحزاب. ولكن إلى متى نبقى على هذه الحالة، هل ننتظر إلى ذلك اليوم الذي نؤسس فيه مدارس حزبية وأكاديميات قومية تخرج أكفاء يخدمون تنظيمات حركتنا القومية؟؟. طبعاً الجواب هو بالنفي. لأنه إذا انتظرنا فغيرنا، المنافس والمعادي، لا ينتظر في هضم حقوقنا وسلبها ونحن في سبات الانتظار.
إذن فالحل الأمثل يكون في الممارسة الفعلية الحقيقية للسياسة نفسها وعلى أرض الواقع لا في سماء الخيال، فالممارسة السياسية الواقعية هي أكثر فاعلية من المعاهد الأكاديمية ومدارس الكوادر الحزبية، فهي وحدها، في هذه المرحلة والظروف الراهنة، التي تستطيع أن تخلق لنا كواد سياسية وحزبية قادرة على ركوب موجة التطور السياسي التعاوني والتنافسي وعلى تفهم الغير والاختلاط به وانتزاع الحقوق منه إذا تعدى عليها أو سلبها.
أتذكر بهذا الخصوص الطيب الذكر المناضل فرنسو فرنسوا الحريري، رحمه الله، عند اللقاء به في لندن قبل بضعة سنوات واستغربت جداً من كلمات الإطراء والمدح والتقييم التي قالها بحق الحركة الديمقراطية الآشورية، فقال لي "عندما اشتركت زوعا في الكفاح المسلح والتحقت بالفصائل الأخرى للجبهة الكردستانية، كانت تتكون من مجموعة شباب لا يحملون شيئاً من الخبرة والمعرفة بشؤون السياسة وخفاياها غير الوعي القومي الآشوري النابض من ضميرهم ويطغي عليه نوع من العاطفة والحماس أكثر من المنطق والواقعية، ولكن اليوم وبعد سنين من الخبرات والتجارب القاسية والتعامل الصعب مع مختلف الاتجاهات والتناقضات السياسية والفكرية في المنطقة أصبحوا اليوم فعلا وحقيقة كوادر سياسية متمرسة، فالممارسة السياسية خلقت منهم أن يكون خبراء في شؤون المنطقة وفي التعامل مع القوى المتحكمة فيها" ثم أشار إلى نشاط وفاعلية ممثلو زوعا في برلمان الإقليم وكيف أصبحوا بعد هذه السنين الطويلة من أنشط أعضاء البرلمان واستطاعوا في كثير من الأحيان تحقيق إنجازات مهمة للآشوريين عن طريق الحصول على قرارات أو تشريع قوانين تخص حقوق أمتنا، كما استطاعوا إفشال مشاريع لقرارات وقوانين مضرة بمصلحة الأمة.
هذه الشهادة من شخص من خارج زوعا وكانت له مواقف وأفكار قد تكون مختلفة تماماً عنها، هو تأكيد موضوعي وحقيقي للدور الكبير الذي لعبته زوعا من خلال ممارستها السياسية الواقعية في خلق كوادر بالمستوى السياسي وبكل معنى العلمي لهذه الكلمة.
هكذا نؤكد مرة أخرى بأنه من خلال الممارسة السياسية الحقيقية الحاوية على الخطوات الإيجابية والسلبية نتوصل في نهاية المطاف إلى نتائج مفيدة ومثمرة. فإذا كانت ظاهرة تربع نفر قليل من الشخصيات على قمة القيادة في زوعا حالة سلبية في الوقت الحاضرة ومبررة بالفقر السياسي والفكري في الأمة بشكل عام وعدم قدرتهم على خلق كوادر وقيادات كافية للتناوب على القيادة فإن التاريخ القريب للعقد الماضي وما خاضته زوعا من تجارب سياسية وتحديات مصيرية خلقت بعض الكوادر التي استطاعت أن تفي بالمطلوب في الوقت الحاضر، ولكن المستقبل القريب سيشهد تخرج دفعات ودفعات من الكوادر السياسية المتمرسة القادرة على تحدي الصعاب وانتزاع الحق من بين أسنان الضباع، وهذا ما لمسته شخصياً في كل زيارة أقوم بها إلى أرض الوطن، فالشاب اليافع الخجول الذي كان قبل بضعة سنوات مجرد عضو بسيط في الحركة ولكن نقي وطاهر بوعي قومي صادق، فاليوم، وبدون أكاديميات أو معاهد حزبية أو علمية، أصبح قيادي بارع قادر على تعامل مع الغير، مدرك لحقوق أمته كما يدرك أهداف وأساليب الطرف الآخر سواء أكان هذا قائماً على أساس التعاون أم التنافس.
ويجب أن لا نستعجل كثيراً في قضايا الأمة التي يتطلب تحقيق أهدافها سنوات طويلة جداً، فغداً سيكون مليئاً بأكثر من كادر سياسي آشوري سياسي يتنافس مع غيره على قيادة هذه الحركة أو ذاك الحزب تنافساً ديمقراطياً حقيقياً.
ولكن، بالرغم من بعد هذا المطمح من الناحية الزمنية إلا إنني أراه يتحقق اليوم لأن مسيرة زوعا قائمة على الطريق الصحيح في النضال القومي، من هذا المنطلق ومن دون انتظار سنوات طويلة، أبعث للحركة الديمقراطية الآشورية ولقيادتها وكافة أعضاءها ومناصريها لا بل ولكل شرفاء أبناء امتنا، أصدق التهاني بهذه المناسبة وأن أباركهم بكل وجداني على صواب الطريق الذي يسيرون عليه رغم الصعاب والتحديات التي يواجهونها، فأنا واثق بأن بنشاطهم المثمر سوف يجعل إرادة الأمة بخير وبصون، لأن إيماني قوي جداً بأن الأمة التي لا يوجد فيها أحزاب سياسية ومنظمات قومية قوية ونشطة ستكون إرادتها مرهونة بإرادة الأمم الأخرى. [/b][/size][/font]