شاهدت .. سمعت .. قرأت من مكتبتي !
6
متي كلو
Sabti_kallo@hotmail.comشاهدتخاطرة ادبية نشرتها لي جريدة الاخبار البغدادية وكان رئيس تحريرها انذاك جوزيف ملكون نجل مؤسسها جبران ملكون بعنوان " عجلي " في الصفحة التي كان يشرف عليها الاستاذ زهير احمد القيسي سنة 1961 ، طرت فرحا وانا اشاهد اسمي في جريدة واسعة الانتشار في تلك الفترة واحتفظت بتلك الصفحة من الجريدة في خزانة كتبي ، وكنت احملها معي كلما التحق مدرسا جديدا للغة العربية لكي يطلع على هذه الخاطرة وعندما كنت اسمع منه الاطراء تزداد فرحتي ، و كانت جوازي لاكون عضوا في اي لجنة ثقافية تصدرنشرة جدارية ، وفي سنة 1963 قررت ادارة ثانوية ابن حيان في الكرادة الشرقية " خارج " التي كنت في الصف المنتهي فيها اصدار مجلة مطبوعة باسم " ابن حيان " وكنت احد اعضاء هيئة تحرير المجلة برئاسة مدير الثانوية الاستاذ رفعت البازركان .
وكان من " طقوس " الطلاب ان يتفقوا معا بعد الساعة العاشرة بترك المدرسة عندما يعرض فلما مهما في سينما التصر في السعدون التي كانت من أبرز دور السينما في بغداد والتي كانت في الايام الخوالي مكتظة بالرواد وخاصة العائلات البغدادية التي كانت تقف بالطوابير امام شباك التذاكر وتختص بعرض الافلام التي تمتلك مواصفات فنية ، حيث كنا نتسلق سياج المدرسة اثناء الفرصة وليتسلل احدنا بعد الاخر خارج المدرسة وكانت مظاهر الفرح والضحكات ذات نكهة خاصة ونحن " هاربين " لنجلس معا في السينما لمشاهدة فلما مميزا ونعرج الى الشارع المجاور اثناء الاستراحة لكي نحتسي استكان الشاي المهيل السنكين على الفحم.
في اليوم التالي من " الهروب " نقر الفراش " العم جاسم " باب الصف ليخبر المدرس بان مدير المدرسة يطلبني ، خرجت خلف " عمي جاسم " وانا اضرب اخماس بأسداس واقول يمكن ويمكن ... ، وصلت الى غرفة المدير ناقرا على الباب مستذنا :
- صباح الخير استاذ .
- ....................
لم يجب الا بعد دقائق حيث رفع راسه قائلا .
- هناك فكرة بان نضع صورة للطلاب وهم يقومون بفعالية ثقافية او فنية ، ما رائيك واي فعالية تختار وانت في هيئة تحرير المجلة !
اجبت على الفور: فكرة رائعة استاذ ، هناك الكثير مثلا صورة الطلاب في المرسم او في المكتبة او يزاولون لعبة كرة الطائرة او .. قاطعني قائلا :
- لا لا نحن نريد صورة معبرة وتكرر بصورة دائمة .
- ...............
وقطع حيرتي قائلا :
- ما رأيك بصورتك مع الاخرين وانتم تقفزون خارج سياج المدرية اثناء الفرصة !
وحرمت بعدها من متعة حضور اي فلم في الفترة الصباحية الى نهاية السنة الدراسية الاخيرة في الثانوية .
سمعتالحاج احمد رجل وقور في نهاية العقد السادس من عمره ، ازوره بين فترة واخرى لنتحدث عن مواضيع مختلفة ويحدثني عن ذكرياته في الوطن والغربة ، وفي الاسبوع الماضي قال دعني احدثك عن اول ايام وصولي الى هذا المغترب :
وصلت الى المطار ولا اعرف احد في هذه المدينة وحملت حقيبتي وقبل ان اخرج خارج صالة المطار وقفا امامي شابان ليسالني احدهما باللغة العربية هل لك احد هنا ام تبحث عن احد ! فاجبت لا احد ، فحمل احدهما حقيبتي وقال امشي معي وترك صاحبه ، فسرت معه واتجهت باتجاه سيارة كان فيها قسيس وسائق ، نزل القسيس مصافحا و مرحبا بي وقل لي الحمدلله على السلامة وانا القسيس بولس واهلا وسهلا بك ، فقلت له انا احمد ، رد علي وقال انا من بلدك وارحب بك في منزلي ، واستقلت السيارة وسالني عن حال البلد وكان هذا في سنو 1965 وبعد فترة قصيرة جاءنا الشاب الثاني ومعه شابا اخر وكذلك جلس بجانبي وانطلقت بنا السيارة الى منزل القسيس .
طلب منا القسيس اخذ قسط من الراحة من جراء السفر ، وفي اليوم التالي اخذنا الى الدوائر الحكومية لانجاز مستزمات الاقامة وبعدها باسبوع اخذني الى معمل " فورد للسيارات " حيث عملت هناك ، ثم استاجر لنا مسكنا مع مجموعة من الشباب وكان ياخذ مني جزء من راتبي كل اسبوعين وبعد سنة وانا جالس عنده قال لي :
- يا احمد غدا السبت وهي عطلتك ولكن عليك ان تاتي هنا مبكرا فقد اشتريت لك منزلا ودفعت الدفعة الاولى مما كنت توفره عندي كل اسبوعين .
في اليوم التالي كنا معا لانجاز انتقال ملكية المنزل باسمي وانتقلت بعدها الى المنزل ليكون لي او منزل تعود ملكيته لي .
واستمرت علاقتي بهذا الاب القسيس اكثر من ثلاثون عاما وكان لي المرشد والمعلم في حياتي الاغترابية .
توقف الحاج احمد عن الكلام وعندما نظرت اليه رايت عيونه تنهمر دموعا على وجنته ، فسالت ماذا حدث يا حاج !
قال لقد توفى الاب بولس عندما كنت في زيارة للوطن ومازالت الحسرة في داخلي لعدم وجودي هنا لكي اشارك بجنازته ، ثم نظر الي قائلا باسى :
هكذا كانت الأخوة المتينة والمترابطة والمتشابكة بين المسلمين والمسيحيين قبل ان نبتلي بصناع التطرف الديني والمذهبي .
قراتايام لن تعود من كتاب " رسائل جب من نيرغال " لفاروق اوهان – دار الانتشار العربي.
على شجرة جوز ،/ سنجابان يتضوعان مسك الغزل ./ وفي اسفل شابان يمصان رحيق الحب من فوهات دنان العسل ./ وعلى السياج / عجوزان يتوكأ أحدهما على الاخر / يصف أحدهما للاخر ما يشاهدانه ، فيمصان معا أصابع الندم / على الأعوام التي فاتت ولن تعود [/b] .[/size]