مكاشفات
من اجل حكومة طوارئ وطنية
أ.د. سّيار الجميل
بادئ ذي بدء ، لابد ان يدرك الجميع بأنني لست ضد أي عملية سياسية لتطوير البناء السياسي في العراق ، ولكنني ناديت طويلا بأن تطور أي عملية سياسية لا يمكنها ان يحصل في ظروف امنية صعبة ، وقد زادت العملية السياسية من انهيار الاوضاع لكي يغدو العراق مذبوحا بأجمعه . لقد حصلت على نسخة من البرنامج السياسي الذي اتفقت عليه الكتل السياسية العراقية ..
ونحن ننتظر ولادة الحكومة العراقية الجديدة التي طال الزمن من اجل تشكيلها ، في حين تشكّلت وزارات وحكومات غيرها في المنطقة .. ان المشاكل والانقسامات التي تعصف بالعراق اليوم قد أخّر هذه " الولادة " التي لا نريدها ان تكون وزارة عادية في مثل هذا الظرف الصعب جدا من حياة العراق .. بل لابد ان تكون حكومة انقاذ وطني تسعى الى استعادة الامن والاستقرار للبلاد ، وتعالج الاسباب والعلل التي خلقت هذا الوضع الشاذ لها .
واذا كانت الكتل السياسية العراقية قد اتفقت على برنامج سياسي معين ، فلابد ان نتساءل : هل ان العراق بحاجة الى برنامج سياسي ام اولويات وطنية .. دعونا نعالج هذا " البرنامج " بهدوء لنرى مدى فائدته او ضرره . وليعلم كل العراقيين بان الديمقراطية لا يمكنها ان تطبخ على مراجل تغلي في كل جزء من اجزاء العراق !
لقد اشار البرنامج المتكون من 33 فقرة الى : ضرورة ان يكون تشكيل حكومة الوحدة الوطنية استنادا الى مبدأ المشاركة وتمثيل المكونات العراقية اعتمادا على اساس الاستحقاق الانتخابي ومقتضيات المصلحة الوطنية و العمل وفق الدستور والالتزام به.
يبدو لي ومن خلال رؤية بعيدة ومعمّقة للاحداث ان هناك اتجاهان يسودان في العراق : اتجاه يمتلكه الشعب وهو يأمل ببرنامج عراقي يؤمن مصالح العراقيين في الامن والاستقرار اولا واخيرا .. واتجاه يتصارع من اجله السياسيون العراقيون وهو يأمل ببرامج سياسية تلبي مصالح فئوية معينة ، وكلها تسعى للمغانم والمناصب وتقسيم الحصص ..
وعليه ، فمن هذا الباب يمكننا تحديد مستلزمات كل من الاتجاهين .. بل ونطمح ان يلتفت الساسة العراقيون الى ابناء شعبهم الذي نخشى ان تأكله التمزقات الدموية يوما بعد آخر ، وهم في غيهم يعمهون ! انني واثق تمام الثقة بأن أي حكومة عراقية سواء تسّمت بالوطنية ام بغيرها سوف لن تنجح ابدا اذا بقيت تعبر عن ولاءات حزبية وطائفية ومذهبية وجهوية وعرقية لا عن ولاء للعراق نفسه .
ومهما تنّصل الساسة العراقيون من هذه الولاءات بادعاءاتهم انهم مع العراق .. فان العراق يطالبهم بتشكيل حكومة طوارئ وطنية من رجال مستقلين عسكريين ومدنيين .. ولكن ؟
دعونا نسجل ملاحظاتنا على الفقرات الاولى من النص الكامل للبرنامج الذي يفتتح بيانه بالقول :"حكومة الوحدة الوطنية هي الحكومة التي تشكل من مجموع القوائم الفائزة في الانتخابات والتي تعلن التزامها بالمبادئ والأسس التي يتشكّل منها برنامج وسياسة الحكومة .
انني واثق تمام الثقة بأن " الدستور العراقي " والالتزام به سيقدّم العملية السياسية في العراق ، ولكن في ظروف هادئة ، ولكنه سوف لا ينقذ الوضع في ظروف امنية سيئة ، بل سيزيدها سوءا نظرا لأن نسبة عالية من الشعب العراقي رفضت هذا " الدستور " ، وان مجرد الاشارة الى أية تعديلات يعني وجود خلل ، ومن الصعب جدا على من ينتظر ويطمح لتغيير الدستور تصّور ان تلزم التعديلات وفقا للقانون لاحقة ستجري وفق المادة 142 من الدستور.
وعلى كل الاخوة ان يدركوا بأن المسألة مصيرية ومستقبلية لوجود كل من الدولة والمجتمع . وان أي وزارة ستتشكّل من قبل الكتل السياسية الحالية سيبقى الوضع سيئا ، بل سيسير العراق من سيئ الى أسوأ !
ان تشكيل حكومة وحدة وطنية في النقطة الثانية ، والأخذ بمبدأ المشاركة وتمثيل المكونات العراقية اعتمادا على أساس الاستحقاق الانتخابي ومقتضيات المصلحة الوطنية.
وهنا لابد من القول ، بأن الاسس الاولى التي اعتمدها المشّرع العراقي والتي تمّثل الحكومة العراقية هي نفسها التي كان يكرّسها مجلس الحكم ..
ان أي مبدأ يسمح بالمحاصصة سيودي بالعراق الى المهالك اذا استمرت الحالة وستشتعل اكثر دوامات العنف .. لقد سمعت قبل قليل بأن المداولات الحاصلة حتى الان تخص المبادئ العامة ولم يتطّرق الفرقاء الى توزيع الحقائب الوزارية ..
فهل يمكن تخّيل ما يجري بين كل هؤلاء الذين يتداولون من دون أي نتائج والعراق يحتدم في كل دواخله .. عندما تتهدد دواخل العراق ، فلا يمكن ان يبقى الساسة يسترسلون الكلام ، بل لابد ان يتنازل الجميع عن اجندتهم السياسية من اجل حالة طوارئ للعمل من اجل انقاذ البلاد ..
ان النقطة الثالثة تجعلني اتساءل : كيف يتم السير قدما في سياسة الحوار الوطني ؟ وكيف يمكن توسيع دائرة الاشتراك في العملية السياسية والعراقيون يتساقطون يوميا ؟ هل المشكلة في العملية السياسية ايها القادة الجدد ام ان المشكلة في المبادئ اصلا ؟ وهذا ما اشعل الاوضاع ..
كيف تنادون للسير في العملية بما ينسجم مع الدستور والمشكلة اصلا في الاعتراض على الدستور من قبل ملايين العراقيين ؟ ان المشكلة ليست في بناء عراق حر تعددي اتحادي ديمقراطي وبروح المصالحة والمصارحة .. وبالرغم من ايماني بذلك ايمانا شديدا ، فهكذا عراق لا يبنى بالكلام المعسول والتمنيات الجميلة والمقالات الصحفية دفعة واحدة ، بل ان ما يمّر به العراق لا يسمح ابدا بتحقيق ذلك ..
ولمن يقال هذا الكلام ؟ هل تتبادلونه بين انفسكم ايها القادة الاعزاء ؟ انكم بأمسّ الحاجة الى اعادة النظر بالعملية برمّتها .. انكم تذكرون بأنكم راهنتم على كل حدث وخطوة على استقرار الوضع .. والوضع يزداد سوءا !
الا تفكرون بأن كل الخطوات التي مضت بالرغم من كل نجاحاتها ، ولكنها كانت تسير بالاتجاه المعاكس ، أي : في طريق خاطئ .. اذ لا يمكن ابدا المضي في صلب هكذا عملية سياسية نحن نؤمن بها ايمانا حقيقيا ، ولكن في ظل اوضاع امنية كانت تمضي من سيئ الى أسوأ ، وكم نادينا ؟ وكم كتبنا ؟
وأسألكم حول ما ذكرتموه في النقطة الرابعة : هل يأتي نبذ العنف وإدانة الإرهاب بكل أشكاله بالكلام الذي لم يعد يجدي نفعا ؟
انكم ما زلتم تنادون بإيجاد " كل الظروف الملائمة لترسيخ روح المحبة والتسامح بين أبناء الوطن مع احترام المعايير الدولية لحقوق الإنسان " . ولكن من هو المسؤول عن البلاد ؟ من ذا الذي يسعى لايجاد كل ما تريدون ؟ اتخاطبون انفسكم يا سادة ؟ من يرسّخ روح المحبة والتسامح ؟ أليس انتم أول من يبادر ؟ أي محبة وتسامح يجمعكم ؟
انتم صنّاع القرار ، فان كنتم اعجز عن استعادة الامن والاستقرار والنظام كحكومة مدنية ، فينبغي تشكيل حكومة طوارئ لضبط كل العراق ، وسيقف معها كل الشعب من اجل استعادة روحه الوطنية وأمنه واستقلاله وحرياته ..
سأتوقف الان لأن ما ذكرتموه من نقاط شبعنا سماعها منذ ثلاث سنوات .. وربما يسألني احدكم : ما العمل ؟
وحبذا لو تسألون وما خاب من سأل عن أي مقترح يمكن ان ينفع .. اقول لكم كما قلتها لكم في شهر تموز 2005 على شاشة فضائية الحرة ايام الاستفتاء على الدستور : لا يمكن للعراق ان يجد الراحة والاستقرار ابدا حتى ان انقسم ـ لا سمح الله ـ كما ينادي بعض العراقيين بالانقسام علاجا !
الا من خلال حكومة انقاذ طوارئ وطنية من عراقيين مستقلين ووطنيين عسكريين ومدنيين لا علاقة لهم بالاحزاب والكتل الموجودة ، ويصح اشتراكهم بكل فعّالية ولكن بعد انفصالهم عن اجندة الاحزاب والكتل الحالية ، وان يعيش العراق لمدة ثلاث ـ اربع سنوات مؤجلا الاستمرار في خطواته السياسية الى حين فرض احكام الطوارئ والدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة حول طبيعة وجودها في العراق ..
ولابد لي من القول ان تأجيل العملية السياسية ليس معنى ذلك إلغاءها ، بل تهيئة الظروف الامنية المستقرة لاستئناف خطواتها ..
انني اقول بأن أي حكومة دستورية او أي حكومة وطنية من الكتل والاحزاب الحالية سوف لن يحل مشكلات العراق وازماته وصراعات مجتمعه .. ان حكومة طوارئ هي التي ستعالج الاوضاع حسب برنامج غير سياسي ولكنه برنامج امني وقانوني ، وهي التي يمكنها ان تسكت الحرب الطاحنة اليوم في العراق وتؤهل العراق للخطوات الدستورية والسياسية .
واريد ان اطمئن من يخالفني الرأي من الاخوة العراقيين ، بأن علاجا كهذا لا يمكنه ان يخلق دكتاتورية جديدة في العراق ، فالعراق قد مرّ بتحولات سياسية غاية في الخطورة ، وان المجتمع يريد الامن والاستقرار والخدمات قبل كل شيئ ، وان حكومة طوارئ وطنية من الرجال المستقلين عن الاحزاب سيحّل مشكلة الصراع الداخلي نهائيا ويؤهل البلاد للبدء العمل بالدستور واستمرار العملية السياسية ..
انني استميح الشعب العراقي ان يتقّبل مقترحاتي بروح نظيفة مع احترامي الشديد لارادته الوطنية ، ولكن للضرورة احكام وسيحاسبنا التاريخ ان عجزنا عن اي اجراءات انقاذ .. وعلي الشعب العراقي ان يقول كلمته اذ لا يمكنه ان يبقى صريع التمزقات ، والاخوة القادة من الساسة العراقيين مشغولون بالاستحقاقات السياسية وصراعهم من اجل السلطة .. فمن سيذكر هذا في يوم من الايام ؟
أ.د. سّيار الجميل
مؤرخ عراقي[/b][/size][/font]