قضية موت الله بين الشاعر العربي ادونيس والفيلسوف الالماني نيتشه


المحرر موضوع: قضية موت الله بين الشاعر العربي ادونيس والفيلسوف الالماني نيتشه  (زيارة 9902 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1791
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
                                     قضية موت الله بين الشاعر العربي ادونيس والفيلسوف الالماني نيتشه
بقلم يوحنا بيداويد
ملبورن استراليا
22 اب 2009

في امسية شعرية نادرة اقيمت مؤخرا في دير القديس بطرس في مرمريتا في سوريا  في 9 اب 2009، يصف الكاتب حنان عارف في مقاله المنشور في موقع الحوار المتمدن عدد 2742 وقوف الشاعر العربي الكبير ادونيس (1) امام جمهوره لاقيا اياهم بعض من قصائده الشعرية، ملوحا يديه يسارا و يمينا  فكأنه يعطي الاشياء وجودها من جديد من خلال خروجها من حنجرته، من خلال  تعابيره الرمزية العميقة المعبرة، وكلماته الفياضة والصور الشعرية الملهمة.

وفي نهاية الامسية فُتح النقاش وطُرحت الاسئلة. كان في اجوبته يُلمِح كعادته الى المواضيع العصرية والمصيرية التي تعتمد على حرية الفكر فهو معروف في الحديث عن الشعرالقديم والحديث  والثابت والمتغير والرموز الصورية والرموز الايحائية في الشعر والتراكيب اللغوية ومدلولاتها حاملا لواء التجديد في كل مناسبة (في نصيحة له للاجيال الحاضرة  هناك يقول :  "ثوروا على ابائكم".

ما جعلني ان انتبه الى شاعرنا العربي الكبير هو قوله ( لم يعد لله ما يقوله بعد!) الذي كان جزءً من عنوان المقال نفسه. وكأنني اسمع الفيلسوف الالماني الكبير نيشته يعيد  مقولته الشهيرة عن موت الله على  لسان بطله (زارا) في كتابه المشهور هكذا تكلم زرداشت حينما يقول في الصفحة 32. " انه لامر مستغرب ، الا يسمع هذا الشيخ في غابة،  ان الاله قد مات؟!"

لا احد  يشك في عظمة الشاعر ادونيس ، منذ اكثر ستين سنة هو يجول شرقا وغربا، خطيبا ماهرا وشاعرا ثائرا، وناقدا لا ذعا لاسلوب الحياة ومشرعي قوانينها والمؤسسات الثقافية وتفاهاتها والحكومات الفاشلة وعلاتها. ولا يشك احدا في ميوله الى تشجيع المجتمعات الشرقية والعربية  وشعوبها الى تغيير اسلوب تفكيرها  وتبني روح التجديد في الحياة كي  تستطيع مواكبة التطور الحاصل لدى الامم الاخرى.

على الرغم من صعوبة التصديق ان ما يقوله الشاعر ادونيس هو نفسه ما قاله الفيلسوف نيتشه، الا ان الصبغة المتشابهة للعبارة  تقودنا الى اليقين بأن مغزاها واحد (2) (ما ينوي ادونيس  قوله الان) هو التنبؤ عن ما سيحصل  خلال القرنين القادمين في الشرق عموما وللعرب خصوصا هو نفسه ما نوى نيتشه قوله وقد حصل للحضارة الغربية خلال القرنين الماضيين .

انا لا الوم الشاعر ادونيس على مقولته  (لم يعد لله ما يقوله بعد!) لانني  مقتنع ومؤمن بأن  الله في الازمنة الاخيرة يتكلم مع الانسان عن طريق  نابغة مجتمعه (هذا لا يعني انني مؤمن بالغنوصية)، وانما من خلال دراسة اديان الشعوب واساطيرها ومقارنة طريقة تفكيرهم و وانتاجهم الفكري والروحي وشرائعها  قادتني الى هذه القناعة (3). لكن السبب الرئيسي في رأئي من قول ادونيس هذه العبارة النارية هو التحجر الذي يلازم  الامم الشرقية والعرب منذ عصور طويلة، فهو يدعوا الى ان يفهم الناس، ان الله يفعل من خلال الانسان نفسه عندما يستعد (الاخير) وهو منفتح الفكر والضمير ويبدا في العمل  الخلاق .

فهي اشارة الى عالمنا الشرقي كما قال هيجل لا زال مكبل بقيوده كثيرة اهما القيود  الاجتماعية  الممزوجة بقدسية دينية  ومن ثم دخول هذا الكم الهائل من المعرفة غير المصنفة التي فاضت عليه فجاة من غير تحضير واستعداد او وضع السدود  والتي خلقت  له كثير من المشاكل المعقدة ، اما سبب الاخير هو  ضمور البحث عن قيمة الابداع نفسها لدى اكثر المبدعين او النخبة المختارة وتحول اتجاههم الى الرغبة في امتلاك الماديات اكثر من قيمة انجاز الفكرة اوقيمة الابداع نفسه.

كم كنت اتمنى ان يتكلم الشاعر ادونيس في وعظته هذه عن الحقيقية الكبرى بعكس ما خطب (زارا على الناس)، فيقول لهم "ان الله خلق  كل واحد منكم ليكون نبيا بين قومه  كي يعلم الصالحات، جاهدا من اجل ان يصون الحياة وديموميتها في الوجود، لا انبياءً تبشر العالم بضروة ازالة الزوان من الحنطة واتخاذ  طريقة الانتحار من اجل قتل الاخر كوسيلة للوصول الى الهدف او السعادة او النشوة ، ولكن الانبياء المتخاذلين بينكم كثيرون في هذه الايام. انتم كالجلادين الذين صلبوا المسيح نفسه عندما لا تدافعون ولا تشيرون الى الحقيقية في كل حين".

 ثم يشخص امراض وعلل النخبة المختارة في المجتمع  الشرقي او العربي  في هذا الزمان ويقول:-

ان بعض السياسيين والاحزاب انقلبوا الى عصابات شبيهة بالمافيا وبعض الرؤساء والملوك والامراء تحولوا الى اصنام جامدة  واصبحت جمهورياتهم بلا جمهور ، فلا تصدقوا اقوالهم ما لم يحققوا وعودهم. لان اغلبهم كذابون لا يقولون الحقيقة.  
بعض من الرجال الدين خلعوا من الله ردائه وقدسيته وارتدوها وحمل صولجانه وهم يحكمون العالم بعقلهم الضيق فملؤا العالم من جورهم وهو بريء من افعالهم واقوالهم، الغريب فيكم تصدقونهم على كل شيء، فلا تخضعوا بعد لهم الا حين يطابق محتوى وعظهم مع افعالهم ويرضى  ضميركم.

بعض الكتاب والشعار اصبحوا  تجار الالفاظ ، لا تؤمنوا بكلامهم  او اشعارهم ما لم يتم فحص جوهرها، خوفا من سموم و فايروساتها  الملوثة . لان الكثير منهم يرتدي ثوب القداسة والعفة و الطهارة ولكن لا يختلف عن المزمرين واصحاب الطبول في المهرجانات السياسية في مدح السياسين الفاشلين.

اما المربين والمعلمين اعلنوا تقاعدهم من المهمة الشريفة في تعليم  الاجيال على القيم والاخلاق بسبب القوانيين العصرية السخيفة، فاطلبوا منهم المزيد من الصبر والتضحية و العطاء لان مصير الامم بأياديهم على حد قول الشاعر الكبير معروف الرصافي
انما الامم الاخلاق ما بقيت         فان هم ذهبت اخلاقهم ذهبوا .

اما العلماء اضاعوا الطريق في البحث عن الحقيقة بين العوالم الجديدة مبنية على مفاهيم الوجودية والعدمية والنسبية والحداثة وما بعد الحداثة. احذروا منهم كي لا يقود العالم الى الفناء في النهاية من جراء كلامهم ونتائج ابحاثهم .

اما المفكرون والفلاسفة  تخلوا عن جدهم سقراط  ووصاياه الاخلاقية، نسوا قوله "هل جلبتم هؤلاء (4) هنا لتهينونا"  ونسوا كم بكى افلاطون وكريتو  وابولودوس خارج القاعة على استاذهم وهو يستعد لتسليم انفاسه الاخيرة كشهيدا للانسانية من خلال قبوله قرار المحكمة وتطبيقه كاخر درس تطبيقي في علم الاخلاق  لهم (تلاميذه). وتبعوا السفساطيين المنافقون الذين لا يَعمَلوا ولا  يُعلمِوا الا لاجل  الدولار واصحابه.

الحكماء اصبحوا جهلة في عالم يسير بالحث و السيطرة الالكترونية، فابحثوا عن حكماء جدد يفهمون في علومهم ، كي يكتبوا حكما جديدة في زمن ضاعة  اكيال ميزانه اومقاييسه.

علماء النفس احتاروا في وصفهم للجريمة بدون الخوف من العقوبة ، نسوا ان الانسان  هو هو ، ونسوا ان مهمة ايفان راسكولنيكوف (بطل قصة جريمة والعقاب للكاتب الكبير دستويفسكي ) كانت تخليص البشرية من الظلم والاستغلال وتحقيقة الاشتراكية المسيحية، لكن بعد ان قتل العجوز وسرقة اموالها  انقلب على ذاته ونسى رسالته التي اراد ان يحقق العدالة والاشتراكية فاصبح قاتل وسارق ومجرم  ومريض يعاني من صراع  داخلي بين ضميره وغرائزه.  
 
وحينها كان يمكن ان  يقول " اذا كان نور الذي يأتي من النخبة المختارة مملؤ من الضلال فكيف يكون ظلام المضللين ؟!. فثوروا على ابائكم ."  
.................
1- ادونيس هو إله الفينيقيين الذي كان عشيق افروديت الاله الاغريقية في الميثولوجيا .

2- لم يكن نيشته يعني بعبارته ( مات الاله ) كموت حقيقي، واقعي ، وانما تخلي الانسان عن الله وابتعاده تعاليمه، يصبح و فكأن الله لم يعد موجودا او كأنه مات.

3- قال الفيلسوف الاغريقي اكسنوفانس قبل الميلاد بحوالي ستة قرون " اذا كان  للثور والحصان ايدي وقابلية الرسم لكانوا رسموا الهتهم على اشكالهم ".

4- صاح ارسطو بتلاميذه والحراس  عندما سمع صوت بكاء النساء والاطفال خارج القاعة هل جلبتهم هؤلاء هنا لتهينونا؟!






غير متصل هرطقات موؤودة

  • عضو جديد
  • *
  • مشاركة: 4
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
يوحنا بيداويد


اسهبت في الحديث عن قضية موت الله

بعيدا عن هرطقات الفلاسفة والشعراء

وبعيدا عن الجدل البيزنطي العقيم

الذي مات بكل بساطة (الانسان ) الذي بداخلنا ليس الا



وتقبل مروري



غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1791
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
السيد او السيدة هرظقات موؤودة

لا اعرف معنى تعليقك؟

ولكن كما يقول الفلاسفة الاقدمين

اليست فكرة وجود الله اصلا من صنع  الانسان نفسه نتيجة  عقدة الخوف من المجهول قبل عصور طويلة؟!!.

واذا سقطت كل الاقنعة من وجه الانسان لماذا تفضل ان ترتديها تحت اسم مستعار؟!،

المفكر يقف عند رائيه بصلابة وجدية  مالم يجد او يكتشف خطا في فكرته والا لا يستحق ان ينال لقب المفكر.

اتمنى ان يكون ردك تحت اسمك الحقيقي وشكرا


غير متصل د. دنحا طوبيا كوركيس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 145
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
عزيزي الأستاذ يوحنا
أحسدك على هذا المجهود في ربط أفكار أدونيس (المتمرد على واقعه) مع نيتشه (المتمرد الآخر، الذي يوسم بالإلحاد)، ولكن كنت اتمنى أن تقول للقارىء بأن "صحراء" نيتشه التي تغنى بها قبل قرن اضحت اليوم سمائها ملبدة بالغيوم (كغيوم مدنه الأوروبية) ومرتعا لإرهاب منظم يغزو مدن العراق، ناهيك عن تطابق وصفه لأوروبا في ذلك الزمان (وطبعا هذا الزمان) مع ما يحدث في العراق.
مودتي الخالصة،
د. دنحا



غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1791
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
اخي الفاضل د دنحا

نعم يا اخي الدكتور، ادونيس ثائر فكري كبير ونادر بين 350 مليون عربي لمدة تزيد عن نصف قرن.
ما نادي وينادي به هو قبول التجدد وان كان حسب المنطق الشرقيّّّ!!!!

اما نيتشه، رغم كراهيتي الكبيرة لارائه ، الا انني لا انكر احترامي لواقعيته الكبيرة التي جسدها في فكرته التي سار بها عكس اتجاه الفكر الانساني كاملة وبدون تردد، وهي قلع اي مشاعر انسانية او الرحمة او الثقة بالاخرين  والتي اكتسبها بلا شك من الديانات القديمة او الموجودة وكذلك من الفيلسوف الالماني الاخر شوبنهاور.

لكن اظن لو قدر لنيتشه ان يعيش هذه الايام و بقى على افكاره العدمية او السلبية لكان وجد لنفسه تمثالا محل تمثال بوذا الذي حطمه رجال الطلبان في افغانستان قبل عشرة سنوات على ما اظن. نعم تحققت رؤيته في المحاولة الاولى على ايدي الدكتاتور النازي (هتلر) وحزبه ،و في هذا الزمان لا على ايدي رجال مؤيدين لنظريته وانما على ايدي معارضين له ، يقدسون ما نبذه ونكره بل قتله (الله) طبعا حسب رؤيتهم الخاصة ، هم مرسلون او مطلوب منهم اتمام الرسالة وتطبيق شريعة الله بالقوة!!!

فما علينا الا الانتظار لحين مجيء مصلح او نبي اخر يقوم بترميم صرح مفاهيم الانسانية بالفكر .