في عيد ميلاد الشاعر مؤيد الراوي،
تقاسيم على ذاكرة زمن مضى
أنت ثمل ..
وأنا مجنون
لا أحد في الجوار
يرينا الطريق إلى المنزل
( مولانا جلال الدين الرومي )
نصرت مردان يقينا لا تعلم بأننا كنا نستقبل نفس النهار ، ونمضي تحت نفس النجوم المعلقة كإيقونات مضيئة في السماء، في حي ( عرفة ) المضاءة بضوء أحمر مشتعل ، هو ظلال ( بابا كركر) القانية التي كانت تهبط على أسطح منازلنا كل مساء في ( المكان الأول) الذي بحت بسيرته التي توازت مع سيرتك الشخصية في كركوك.
لم نكن ننتمي معا إلى حي (عرفة ) فحسب، بل كنا نسكن نفس الزقاق في البيوت المخصصة للعاملين في شركة النفط. كان بيننا ثلاثة عشر بيتا فقط، يمتد مثل حرف (L). رغم ذلك كان موقع بيتنا يسمح لي رؤية البيت الذي تقطنه. كنت أعرفك حق المعرفة، بينما أنت لم تعرفني قط. لكم طرقت بابكم ، ولكم فتحت لي الباب بوسامتك التي كانت مثار إعجاب المراهقات الأثوريات.
كنت أطرق باب بيتكم للسؤال عن شقيقك صديقي (فؤاد) الذي كان يماثلني في العمر. ولكم تشاجرت معه أثناء لعبة كرة القدم ، وكم مرة قتلته مع سبق الإصرار والترصد في الأفلام التي كنا نشترك في تمثيلها ، وكانت دائما أفلام عن صراع الكاوبوي مع الهنود الحمر. حيث كنت أعد السيناريو دائما وأموت في نهاية الفيلم، وعندما كنت أسقط على الأرض جثة هامدة لم تكن تفوتني فرصة أن اعزف بفمي وأنا ميت موسيقى تصويرية مناسبة ومؤثرة، لزيادة تأثير الفيلم على جمهورنا الافتراضي.
كنت أراك وسيما، فارع الطول، تقف أمام الباب مع مغرمة شقراء من بنات الجيران، أو تجلس في حديقة المنزل الخلفية أو تقرا بينما والدك يسقي الزهور فيها.
في نفس الحي كنتُ زميل (جورج دمو) شقيق جان دمو حيث كانوا يسكنون قريبا منا. وكنت مع جورج في نفس المدرسة ( مدرسة الخالدية الابتدائية للبنين). ومن محاسن الصدف أن يزاملني في نفس المدرسة ( أنور بولص) شقيق الشاعر الراحل سركون بولص ، وأن يكون المعلم الذي يقوم بتدريسنا مادة (العلوم) القاص المرحوم يوسف الحيدري.
كنت محاطا وبشكل لا إرادي منذ طفولتي ب(جماعة كركوك) الثقافية. دون أن أعي بان مثل هذا الارتباط غير الواعي سيزيد من شغفي فيما بعد بمتابعة كل تحركات ونشاطات أفراد هذه المجموعة التي تعتبر احد أهم روادها ، بعد أن تعرفت على بعضهم فيما بعد مثل : جان دمو ، جليل القيسي ، يوسف الحيدري، فاضل العزاوي والمرحوم قحطان الهرمزي. دون أن يسعفني الحظ في سنواتي التي تحول فيها الهم الثقافي إلى الهم الرئيسي في حياتي بل محورها الوحيد في التعرف عليك وعلى سركون بولص و أنور الغساني ، ولعل التفسير الوحيد ذلك هو رحيلكم من كركوك أولا ومن العراق فيما بعد. رغم أن الحظ حالفني في أن أتبادل حديثا هاتفيا قبل فترة ليست طويلة مع الشاعر الراحل أنور الغساني.
من يقرأ ( المكان الأول) يشعر كم أن مدينتك الطيبة تركت بأحداثها وشخصياتها وجغرافيتها من أثر في ذاكرتك الخصبة. ومن الغريب حقا أن أي شاعر أو مثقف من الأجيال الثقافية المتعاقبة في كركوك مهما بلغ طيشه ونزقه لم يحاول أن يشكك أو يقلل من قيمة منجزكم الثقافي والإبداعي . بل ظل دائما يحتفظ بقدر كبير من الإعجاب والتقدير تجاهكم.
ثمة حالة تواصل غريبة تستحق الوقوف عندها بالتحليل والتفسير لمعرفة مبررات هذا الموقف من قبل مثقفي كركوك بشكل خاص تجاه (جماعة كركوك). لربما لأنهم يعتبرونكم جزءا مضيئا من التاريخ الإنساني والثقافي والإبداعي لهذه المدينة التي حملتم اسمها أو ظل لصيقا بكم في منافيكم والبلدان التي هاجرتم إليها ، ولم تستطع كل المراحل المأساوية التي مرت بالعراق وعلى كركوك بالذات من طمسها أو إلغائها.
أعلم ياسيدي بأنه قد كٌتب الكثير عنك وعن منجزك الشعري ، وبلمسة بسيطة يمكن الوقوف عبر الانترنيت على كل ماقاله عنك الكتاب والنقاد والمثقفون ، لكنني أود هنا أن أنقل لك ماذكره عنك ابن مدينتك الشاعر المبدع فاروق مصطفى في كتابه (هديل الغمام بين يدي كركوك) لأنه فيه عودة إلى ( المكان الأول) :
" .. كان الشاعر "مؤيد الراوي" ينفرد بالجلوس في مقهى "المجيدية" كنا نذهب إليه ونجالسه ونسمعه أشعارنا وبعد الاستماع يشير علينا بملاحظاته برفع هذا السطر وتقديم هذه الكلمة ويدلنا على إيقاع الكلمات وعلى موسيقاها وكيف تتوصل إلى تفجيرها، ومؤيد في مقدمة شعراء كركوك الحداثويين، كان جمرة من الإبداع وهو يضم إلى موهبته الشعرية مواهب أخرى في الرسم والخط، حتى ان إحدى تخطيطاته في الرسم احتلت الغلاف الأخير من احد أعداد مجلة "شعر" البيروتية، ومن مكانه في المقهى كان يراقب ويتأمل صغار السنونو وهي تطل بأعناقها الصلعاء من أعشاشها في سقائف المقهى، ولن أنسى هذا الإنسان عاشق السنونوات الحالمات الذي جسر أحلامه فسالت على برار واسعة.
(...) ومرت الأعوام ففي بداية الثمانينات هدمت البناية القديمة لمقهى المجيدية وأقيم مكانها بناء جديد ولكن كلما أمر من أمام المقهى ، اسمع صوت الصديق مؤيد ينساب من داخله وكأنه يدعوني وصحبي إلى منادمةٍ شعرية لم تبدأ بعد الا إننا سكرنا بصهبائها منذ أعوام عديدة احترقت في جنونات تقادم الأزمنة الخائبة. ".
لقد تركت غناءك ياسيدي عند حافات المدينة ، وتركت أصداءك لتزهر كزهرة برية في ( دامر باش) و( تعليم تبة) ، لتعبر القلعة ونهر ( الخاصة) متدثرا بالغيوم المهاجرة . تركت المدينة كنهر محمل بالأحزان وغوايات الذكرى لتلقي على الرياح ذكريات تأبى إلا أن تظل كطائر يلقي بظل شفيف من جناحيه على كاهل ( قلعة كركوك) المثقلة بالأحزان وبالكآبات بعد أن أضاعت أحياءها وأحباءها تحت ضربات معول الغدر .
ترى جنودا يلبسون دروع الماضي
يبنون القلاع ثم يهدمون أسوارها
مثقلين بالحديد تتلصص عليهم. يحرثون حدائق (الماز)
وفي الفجر خوفا من الذئاب , يصرخ الموتى على تلة (دامر باش) .
في ذكرى ميلادك النهر سيتبعك، والنهار سيبحث عنك، وكتابك سيظل مفتوحا. وتلك الأشجار التي رسمتها في دفاترك المنسية في كركوك ستظل وارفة وظليلة.
تستطيع الآن ياسيدي أن تهبط نحو أشجار الذاكرة ، فنحن نعد لك وليمة يحضرها كل من أحببتهم واحبوك .
في عيد ميلادك لن يغيب صوتك عن أزقات وشوارع وأحياء كل المدن التي حللت فيها، ونادمت في لياليها أحبائك وخلانك في يوم ما. كل عام وأنت بخير .
هامش :
قصائد برقية إلى شعراء مدينتي نصرت مردان سركون بولص في شارع (تكساس)*
أخلدت البيوت للنوم
أغمضت الشرفات عينيها
بعد رحيلك
لم تقل (ماريا) قط:
(( پشينه))
لمن طرح عليها السلام قائلا:
((پشلا مالاخ ))**
مؤيد الراوي وحدها شجرة الكالبتوس
في (عرفة)*
تصر على ذكراك
لا تزال تتنفس
كما كانت
أمام الدار
قبل رحيلك .
شاخ تلاميذك
في مدرسة المأمونية
ولم يتعلموا الرسم بعد!
جان دمو عاتبة عليك حانات بغداد
والصعاليك الذين
غيبوا الزمان والمكان
لا يزالون في
الحانات الممهورة
بالشمع الأحمر
يشربون نخبك بإصرار!
فاضل العزاوياغتالوا (القلعة )*
القوا من أحضانها
كل الأحياء التي تعرفك
صمت (حميد نايلون)
وهجر (هجري ده ده ) الشعر*
صارت (القلعة ) عارية
غادرها الأبناء عنوة
الواحد تلو الآخر
اللعنة
ما الذي أبقوه
للشاعر لو عاد إلى المدينة !
نصرت مردان 2/1/2002
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* شارع تكساس ،شارع في كركوك يسكنه المسيحيون.
** السلام ورده في اللغة الآشورية.
* عرفة ،اسم حي في كركوك ،كان يسكنه الشاعر مؤيد الراوي.
*قلعة كركوك .حميد نايلون والشاعر التركماني (هجري ده ده) من شخصيات رواية (آخر الملائكة) للعزاوي.