باقوفا
بقلم : فاروق كوركيس
من قرى سهل نينوى التاريخي , تابعة اداريا الى قضاء تلكيف , يربو عدد الساكنين فيها حاليا على ال 600 فرد , وفيها ما يزيد على 80 دارا مبنية بالطابوق والحجر والجص او الاسمنت .
في حديث خاص مع المؤرخ العراقي البحاثة حبيب حنونا حول اسم باقوفا , تفضل واسّر لي بما يلي " ان اسم باقوفا متآتي من مقطعين آراميين ( بيث – قوبا ) اي بيت الاخشاب او بيت الاوتاد وانها على الاعم الاغلب كانت معملا لانتاج وتزويد الاوتاد الخشبية ( الشلمان الخشبي ) وغيرها من مواد البناء والانشاء للعاصمة ( خورصاباد – شاروكين ) القريبة منها " . , + مما يعزز هذه المقولة هو اثبات وجود الفحم الحجري في المناطق الممتدة والمحاذية لباقوفا حتى جبل مقلوب , وهذا دليل على وجود غابات واشجار باسقة في هذه المنطقة في ذلك العهد - انظر اثر قديم في العراق للاستاذ الراحل كوركيس عواد ص 5 - .
تقع الى الشمال من مدينة الموصل بنحو 20 ميلا والى الشرق من شقيقتها تللسقف بنحو ميل ونصف فقط , كما تبعد نحو 8 اميال شمال غرب عاصمة الدولة الاشورية الثانية خورصاباد ( شاروكين ) , تربض بالقرب من تل اصطناعي يرتقي الى هذا العهد ويبدو من مواطن الاثار في القرية والقرى المحيطة بها , ان اهاليها عاصروا فترة ازدهار وانهيار الامبراطورية الآشورية التي سقطت سنة 612 ق . م . ( باقوفا حبة خردل - الاب النوفلي - ) .
بالرغم من صغر هذه القرية الا انها تمتاز بالمساحات الشاسعة للاراضي الزراعية التي تعود لاهاليها وتضاهي شقيقاتها في بطنايا وتلسقف وتلكيف ... يشتغل معظمهم في الزراعة وتربية المواشي و منتجات الحليب وغيرها من الصناعات اليدوية البسيطة , كما يمتهن قسم منهم الصيد .
عندما قدم الربان هرمزد الى جبل القوش في حدود 640 م مبتغيا بناء دير له في تلك الاصقاع , وكانت شهرته قد سبقت قدومه , تقاطر اليه الناس من كل حدب وصوب , وكان من بين هؤلاء اهالي القوش واهالي باقوفا يلتمسون بركة هذا القديس ’ وكان من ضمنهم الرجل الصالح المدعو ( خوداوي شوبحي ) من ( باقوفا ) فاكتتب للرهبان من مقتناه الخاص سبعة وزنات فضة لمساعدة بناء الدير . " كنيسة المشرق في سهل نينوى لمؤلفه حنونا ص 124 " .
يعتبر مار كوركيس شفيع هذه القرية ويحمل اسم كنيستها الوحيدة , وهناك مزار باسم القديسة شموني ويقع الى الشمال نحو قضاء الشيخان , وقد اعطت حبة الخردل هذه الكثير من ابنائها في حقل خدمة الرب منهم المطران ايليا ملوس ( + 1908 م ) , والقس الراهب شمعون منصور كلعو ( 1878 – 1967 م ) الذي استطاع ارجاع عوائل عديدة من القرى المجاورة الى المذهب الكاثوليكي , القس الراهب اسطيفان مروكي , الراهب برنوا ابن سيوا حسنيكا , الراهب يعقوب ابن مروكي كلعو , الراهب قرياقوس ابن ميخا , القس فرنسيس الباقوفي , القس فرنسو آل عيسى وابنه القس هرمز , القس يوسف شرخا , القس داوود ججو فرنسو آل عيسى . اما في سلك الراهبات فقد وهبت باقوفا الراهبة وردية منصور كلعو توفيت عام 1954 ويعرفها معظم شيوخ تلكيف حيث خدمت هناك مدة طويلة , والراهبة ماري دومنيك ( منيرة عبد الاحد اسطيفان ) ولا زالت تخدم في تلسقف والراهبة سعاد فرج حنا وغيرهم , احد ابناء باقوفا وهو نوح اغناطيوس ( من المؤمنين بالطبيعة الواحدة ) جلس وخدم كرسي بطريركية انطاكيا وسائر المشرق للكنيسة السريانية الارثوذكسية للفترة من ( 1493 م – لغاية 1509 م ) ومقره دير الزعفران في ماردين ( تركيا حاليا ) وذلك قبل الانشقاق الكنسي والعودة الى الكثلكة عام 1552 م , انظر Chart of the Syro – Phoenician Church 525 A.D. To 1724 A.D. Encyclopedia Phoeniciana , Eastern Christian Mile-Stones
تشتهر باقوفا بابنائها النجباء الذين حملوا لواء العلم والمعرفة وخدموا في معظم المرافق الحيوية لعراقنا الحبيب وفي العالم , ويكفيها فخرا انها انجبت احد اكبر علماء اللغة والادب الارامي الا وهو مثلث الرحمات المطران يعقوب اوجين منّا ( 1866 م – 1928 م ) صاحب القاموس الشهير ( دليل الراغبين في لغة الاراميين – سرياني عربي - ) اعيد طبعه في بيروت عام 1975 م من قبل مطرانية الكلدان بعد تغيير عنوانه الى ( قاموس كلداني – عربي ) , وكتاب المنتخبات الادبية السريانية – المروج النزهية – وله قاموس ضخم مخطوط ( عربي – سرياني ) وكتاب في نحو اللغة الارامية وغيرها من المؤلفات التي تعتبر مرجعا هاما في السريانية . هذا الرجل كرّس حياته في التأليف والنشر والبحث والتقصي , وقد عاصر وشاهد بام عينيه الانتهاكات والاضطهادات التي عصفت وألمت بأمته الصغيرة في مطلع القرن الماضي , وخرج بعدها بدعوته القوية والمستمرة الى توحيد ابناء قوميته بجميع مذاهبهم كرد فعل للدفاع والحفاظ على وجودنا , تلك الدعوة التي لم تشوبها شائبة ولم يغير منها شيئا حتى مماته بصورة مفاجئة وغامضة , هذه المحاولات كانت ولازالت جديرة بتقدير ابناء شعبنا وستبقى اعماله وافكاره سراجا منيرا لتحقيق هذا الهدف النبيل , بهذا فقد استحق هذا الشهيد والابن البار , بجدارة , ان يعتبر احد ابرز رموز هذه الامة في تاريخها الحديث ويستحق الاكرام والاجلال من جميع العاملين في الحقل القومي وسيبقى اسمه خالدا نتذكره بين فترة واخرى , ومن هذا المنطلق فقد تم اطلاق اسمه مؤخرا على المركز الثقافي في تللسقف .
من سيماء رجال باقوفا الشجاعة والاقدام والنخوة والكرم وهي صفات يتميز بها اقرانهم من القرى المجاورة , برز بينهم في بداية القرن الماضي السيد اسطيفان ( بطرس ) اسطيفان آل عيسى الذي بسبب اتقانه للغة الانكليزية وخبرته في العمل مع الانكليز في الهند ابان الانتداب البريطاني عليها , قد مكنته من الحصول على مسؤولية جهاز الامن والشرطة فيما يخص الاجانب في حكومة رشيد عالي الكيلاني , وكذلك السيد هرمز عيسو الملقب ب " رييس " الذي اشتهر بحكمته وشجاعته في الذود عن القرية وابنائها وممتلكاتها والسيد مروكي بطرس ( بتو ) منصور الذي رافق القائد الفذ آغا بطرس في مسيرته الخالدة مطلع القرن الماضي .
من طرائف باقوفا ان السيد بطرس نعمو في مطلع القرن الماضي كان قد جعل من داره مستشفى لاستقبال وايواء المرضى المصابين بالحمى وغيرها من الامراض , حيث كان يسهر على علاج هؤلاء المرضى من ابناء القرية لايام عديدة لقاء اجر متفق عليه , كما حوت هذه القرية على بعض المتعاطين بالطب الآشوري (الطب الشعبي ) امثال السيدة اللوسا عتو في العيون والعم هرمز عيسى المجبرجي ( للعظام ) والعم هرمز منصور للاسنان غيرهم .
استقبلت باقوفا ابان مذابح 1933 م في قرية سميل ( دهوك ) وغيرها , اكثر من 30 عائلة من اخوانهم وبني جلدتهم في قرية " ماكانه " الواقعة الى الشمال نحو القوش وهم من عشيرة " جيلو " , حيث قسمت هذه العوائل بين العوائل الباقوفية والبسوهم زيهم الخاص لابعاد الشبهات عنهم وحمايتهم من بعض منتسبي الجيش العراقي ومسلحي بعض العشائر غير النظامية التي كانت تروم الفتك بهم , وقد استمر العديد منهم في العيش وتصاهروا معا ودفنوا في مقبرة القرية , وهذا دليل للتضحية والايثار بين ابناء شعبنا الواحد الذي يهب دفاعا عن بعضه البعض عند الشدائد . [/size]
اليك عزيزي القارئ صورة لباقوفا من على ارتفاع قدره 800 متر واخرى تجمعها مع شقيقتها تللسقف.