تحركوا قبل أن ينفد صبر الأمريكيين
د. شاكر النابلسي
-1-
لا أحد يشك بأن الشعب الأمريكي – بغض النظر عن الادارة الأمريكية والكونجرس الأمريكي – يشعر بالغضب والضيق الشديد مما يجري في العراق، وخاصة بين النخب السياسية، بعد أن مضى أكثر من مائة يوم على اجراء الانتخابات التشريعية في 15/12/2005.
موجات الاحتجاج الشعبي الأمريكي على ما يجري في العراق، أصبحت عامة في أمريكا، وليست من قبل اليسار الأمريكي فقط، وليست من قبل الحزب الديمقراطي المعادي للإدارة الأمريكية الحالية فقط، وليست من قبل الصحافة والإعلام الأمريكي المعادي لسياسة بوش الحالية فقط، وليست من قبل حمائم الحزب الجمهوري التي تقف على طرفي نقيض مع صقور هذا الحزب الحاكمة في البيت الأبيض وفي الخارجية وفي وزارة الدفاع وفي بعض أعضاء الكونجرس أيضاً من الجمهوريين.
مضمون الغضب الأمريكي العام، إلى حد قرب نفاد صبر امريكا مما يجري في العراق من مهاترات سياسية، ولعب سياسي على الحبال، مرده عدة عوامل منها:
1- لقد شعر الشعب الأمريكي عامة، بأن العراق يسرق العراق، وأن العراق يحارب العراق، وأن العراق غير مهتم ببناء العراق، وأن العراق لا يحمي العراق، وفي الوقت نفسه يطالب العراق بانسحاب قوات الحلفاء منه.
2- لقد شعر الشعب الأمريكي، بأن لا عراقي ممتناً للشعب الأمريكي الذي ضحى بالمال والنفس من أجل تحرير العراق. وأن العراق ينظر إلى أمريكا كدولة مستعمِرة، وهي التي لم تستعمِر شعباً طوال تاريخها، بل هي نفسها كانت مستعمَرة من قبل بريطانيا قبل 1776، وقبل أن تنال استقلالها.
3- لقد شعر الشعب الأمريكي، بأن النخب السياسية العراقية لا يهمها تشكيل الحكومة الدائمة خلال شهر أو شهرين، سنة أو سنتين، ما دامت هذه النخب تتمتع آمنة بالمنطقة الخضراء، وبسكنى قصور صدام، وتسبح في مسابحه الفخمة، وتأكل على موائده العامرة، وتركب سياراته الفارهة، في حين أن الشعب العراقي محروم من الماء والكهرباء والنور ولقمة العيش والأمن والمواصلات.
4- لقد شعر الشعب الأمريكي، بأن النخب السياسية العراقية تجازي الشعب الأمريكي جزاء سنمّار. وتطلب من الشعب الأمريكي أن يدفع كل يوم المزيد من ملايين الدولارات من جيب دافعي الضرائب، وهو الذي بحاجة إلى هذه الأموال لكي يصرفها في شتى شؤون حياته المختلفة. ولكن الشعب الأمريكي آثر الشعب العراقي على نفسه. وبذل ما لم تبذله أية دولة في التاريخ تجاه شعب آخر، ليس بالخطب الرنانة، والوعود الموهومة الكاذبة، ولكن بالفعل والعمل على أرض الواقع.
5- لقد شعر الشعب الأمريكي، بأن آلاف المدارس التي بناها الشعب الأمريكي للشعب العراقي، ومئات العيادات، وعشرات المستشفيات، ومختلف الأعمال الخاصة بالبنية التحتية المختلفة التي بناها الشعب الأمريكي بماله ورجاله وسواعد أبنائه، لا ذكر لها في العراق وفي العالم العربي. وكل ما يُذكر للشعب الأمريكي ولحكومته هو هذه الأعمال العسكرية اليومية التي تجري على الساحة العراقية، والتي لولا الارهاب الْمُغذى من قبل دول الجوار بالمال والسلاح والغربان لما كان هناك داعٍ لهذه الأعمال العسكرية في العراق، ولما بقي أثر من آثار النظام البائد.
6- لقد شعر الشعب الأمريكي بأن الشعب العراقي ساكت ومطمئن لقياداته التي انصرفت عن شؤونه وانتبهت والتفت لشؤونها الخاصة ولمواقع كراسيها وللمنافع التي تجنيها غداً من توليها هذه الكراسي أو تلك، تاركة مصلحة الشعب العراقي الذي ضحى بنفسه من أجل أن يساعد هذه النخب إلى الوصول إلى كراسي الحكم. وخاض الانتخابات التشريعية والاستفتاء الدستوري رغم الموت ورغم كل التحديات. ولكن هذا الشعب مستسلم الآن لهذه النخب ، ويراقبها دون اكتراث وهي تلعب بالبيضة والحجر في مناورات سياسية سقيمة وعقيمة ومخجلة، لا تليق لا بالعراق، ولا تليق بالشعب العراقي، ولا تليق بالمرحلة الدقيقة والهامة التي يمر بها العراق الآن.
لذا فالشعب الأمريكي عاتب وغاضب. وعتبه وغضبه ربما يتحول إلى فعل يُجبر غداً الإدارة الأمريكية على أن تتخذ من القرارات مالا تحب وتشتهي. وأول هذه القرارات بدء الانسحاب من العراق وترك العراق لمصيره ولفلول البعث والارهابيين ليحكموه من جديد كصورة ممسوخة لصورة حكم صدام حسين الاستبدادي.
فهل يفيق الشعب العراقي قبل أن ينفد صبر الشعب الأمريكي الذي يقول بالخط العريض الآن، بأنه إذا كان أرباب البيت العراقي غير مكترثين وغير مهتمين لبناء وطنهم والحرص عليه بسرعة وبهمة وباخلاص فلماذا أُجبر أنا على كل هذه التضحيات؟
والشعب الأمريكي يقول الآن لقد كان الحكام العرب الآخرون عقلاء جداً ، وهم يتفرجون على العراق يحترق في الماضي والحاضر ولا يحركون ساكناً، وهم أقرب إلى العراق منا دماً ولحماً وديناً وقومية ومصيراً وجواراً. فلماذا نضحي نحن بالمال والرجال في سبيل العراق؟
ماذا سنأخذ من العراق؟
ماذا أخذنا من الكويت عندما حررناها؟
وماذا أخذنا من السعودية عندما حميناها؟
ماذا أخذنا من أوروبا عندما قاتلنا النازية والفاشية والعسكرتاريا اليابانية، وحررنا أوروبا، وخسرنا أكثر من 250 الف جندي في الحرب العالمية الثانية، وأقمنا مشروع مارشال لاعمار أوروبا؟
لقد اعترفت لنا أوروبا بالجميل فقط، وبالشكر والامتنان؟
فماذا أخذنا من العرب؟
ماذا أخذنا من العراق والعرب طيلة هذه السنوات الثلاث، غير السباب والشتائم والقدح والطعن في قيمنا ومبادئنا وقتل أبنائنا وسرقة أموالنا واستغلال حرصنا على الديمقراطية والحرية؟
نأمل ألا ينفد صبر الشعب الأمريكي قريباً، وتقع الكارثة الكبرى.
فاستيقظوا ايها الساسة العراقيون، قبل أن تقع الفأس بالرأس، وتصبحوا على ما فعلتم نادمين.[/b][/size][/font]