سفر رجال الدين الى الخارج
شمعون كوسالقد تطرقت بصورة عابرة ، في حديث سابق ، عن هذا الموضوع ولكني لكثرة ما رأيت وسمعت ، ساسمح لنفسي بتناول الموضوع بصورة أوفى . انا اعرف بان حديثي هذا سوف لن يسرّ الكثيرين من رجال الدين ، غير اني اعود وأؤكد كالمعتاد باني لا استهدف رجلا معينا ، ولستُ آتياً بقلم المهاجم او الناقد اللاذع ، لاني سأكون على قدر الامكان متسائلاً ، اعني سأستخدم صيغة الاستفهام .
ان سفر رجال الدين المُبالَغ به ظاهرة لاحظتُها ولاحظها غيري منذ زمن بعيد . يُسافر رجل الدين ، كاهنا كان ام اسقفا الى الخارج ، خلال فترات متباينة تتراوح بين ستة اشهر، سنة او سنتين . فبمجرّد حلول موسم الصيف ، وبالتحديد عند المنتصف الثاني من شهر حزيران ، نراهم يخرجون افواجا متوجهين الى سفارات الدول الغربية . واني اتخيلهم وهم في طريقهم الى هذه السفارات يتبادلون بعض مثل هذه الاحاديث : اين تنوي الذهاب لهذ السنة ، ابونا او سيدنا ؟ فيجيبه : تريد الحقيقة ، هذه السنة سوف اكتفي بفرنسا وايطاليا والمانيا وهولندا وقد اعرّج ايضا على السويد . فيعود ابونا اوسيدنا ليطرح بدوره نفس السؤال على زميله ، فيأتيه الجواب : ساكرّس شهرَي اجازتي لهذه السنة ، لزيارة استراليا وامريكا وكندا فقط .
ان السفر الى الخارج بحدّ ذاته ليس خطأ او تجاوزا ، ولعلّ بعض السفرات مبررة ، ولكننا اذا وضعناها في السياق العام للاوضاع التي مرّ بها أهلونا ولا زالوا يمرّون بها ، وأهلونا هم رعايا رجال الدين ، ارى شخصيا بان سفرهم المتكرر الى الخارج غير مناسب اطلاقا . كيف يستطيع ، او بالاحرى كيف يرتاح مسؤول الرعية في ابتعاده عن رعيته بحثا عن الاستجمام في الخارج لشهر او لشهرين ، بينما افراد رعيته يعانون الامرّين من شظف العيش والاضطهاد ؟ يعمل هؤلاء الرعايا ليل نهار ودون توقف ، لكسب لقمة عيش تسدّ رمق أفراد عوائلهم ولتأمين مبلغ كاف لدفع بدلات ايجارهم التي اخذت معدلاتها بالارتفاع يوما بعد يوم .
أوليس النازحون من المدن والقرى المختلفة مسيحيين كغيرهم ، ويحتاجون الى كافة انواع الرعاية ؟ أوليس الكاهن مثلا أوّلََ مسؤول تجدر به متابعة امورهم عن كثب ؟
هل لان عملية الحصول على التأشيرة سهلة لرجل الدين ، يجب ان يستغلها ولا يَدَعِ الفرصة تفوته ؟ وهؤلاء ، هؤلاء المساكين الذين، بالاضافة الى كدّهم الجسدي يجترّون همومهم في كل ساعة ، اليسوا أحوج للراحة ؟ الى اين يذهبون ؟ ما هي امكانياتهم ؟ واذا فرضنا توفرت لديهم الامكانيات ، اين تسهيلات خروجهم ؟
بهذا الخصوص اتذكر يوما في الاردن ، التقيتُ ووالدي ، وبمحض الصدفة ، مطراناً كان على وشك السفر . فبادره والدي بسؤال مباشر : سيدنا الا ترى بانكم تسافرون كثيرا في وقت يعاني فيه الناس ما يعانون من الحصار وعواقبه ؟ فاجابه المطران : ولماذا لا يسافر الناس ، هل يمنعهم احد من ذلك ؟ فاجابه والدي : ومن اين يأتون بالمال ومن يمنحهم التأشيرة ؟ فسكت المطران ولكنه رمق والدي بنظرة ازدراء حادة اتت من أقصى طرف عينه اليسرى ، فخفض والدي نظره خوفا ، ومن شدة خوفه نسي ان يهزّ راسه امتعاضاً مرة او مرتين على الاقل !! اندهشتُ شخصيا لجرأة والدي ، ولكنه كان في تلك الفترة ، لا يتراجع عن قول الحقيقة ويقولها كما يراها هو .
اما بخصوص المطران ، فعبثاً سيحاول البعض معرفة هويته ، لانه قد قضى نحبه منذ سنوات عديدة .
هل يجب ان نفهم بان رجال الدين هم من طبقة راقية ، طبقة النبلاء مثلا ، وهؤلاء المغلوبين على امرهِم من طبقة الخدم حتى لا نقول طبقة اخرى ؟
لماذا يصرّ رجال الدين على السفر الى الخارج ، هل واجباتهم الدينية تضنيهم الى هذا الحدّ ام ماذا ؟ ام اصبحت هذه شبه عادة لديهم او تقليدا يجب الالتزام به؟
بعض منهم يبرر سفره فيقول : على الاقل ساقدس بعض قداديس للعوائل المتواجدة في ذلك البلد الاوربي ، وكأنّ المتواجدين في هذه البلدان مقطوعون عن الكنائس والقداديس ، أم انّ الكلدانية هي اقرب الى الله ؟!! مع كل احترامي للقداس الكلداني الذي احبّه ، اقول بان الناس قد اعتادوا على حضور القداديس في كنائس كاثوليكية من الطقس اللاتيني ، وهو طقس يتبعه البابا نفسه ، وان صلوات القداديس تُتلى بلغة البلد والمسيحي المهاجر قد تعلم تلك اللغة واعتاد على القداس .
اما عن الكلدانية فاني اتذكر مرة شخصا قال لي : هل تعرف مقدار حبّي لصلاة الشماس في القداس عندما يرتل صلاة (كُلاّن بذحلثاويق) ، فقلت له ان الصلاة هي (كلان بذحلثا ويقارا) وليس (كُلاّن بذحلثاويق) ، ولكن هل تفقه معناها ؟ قال لي كلاّ .
فالذي اعتاد على القداس الكلداني ، يفتش عن اللحن والنبرة وبصورة رئيسية الصوت الجميل ، دون الانتباه الى المعنى .
يحدث احيانا أن يكون الناس قد حضروا قداس الاحد في الصباح ، ولكنهم يتبلّغون من قبل احد الاخوان بان رجل الدين الفلاني سوف يقدس بالكلدانية بعد ظهر نفس اليوم لانه على عجل من امره ، فالكثير منهم يضطرون لتلبية الدعوة بالرغم من سماعهم القداس .
وهؤلاء المصطافون الذين هم على عجل من امرهم ، لهم اشخاصا معتمدين في البلدان التي يزورونها بانتظام ، يهيأون لهم مسبقا كافة مواعيد زياراتهم وقداديسهم ودعواتهم ، فياتيهم كل شئ على طبق جاهز ، ناهيك عن اجور القداديس التي تُدفع بكرم فائض ، بالاضافة الى التبرعات الضرورية لتغطية نفقات سفر رجل الدين !!!
بات بعضُ رجال الدين يؤمنون بأنّ السفر هو من ضمن واجباتهم . ولقد توصلتُ الى هذه النتيجة لاني كنت اعتقد بان بعض الكهنة المتزوجين أو الكهنة الجدد سوف يمتنعون عن هذه العادة ، لانهم قبل ان يصبحوا كهنة كانوا علمانيين عاديين ، يمارسون مهنة كغيرهم ويعيشون حياة عامة الناس ، وكنت اعتقد واثقا بانهم سيتعاطفون مع هؤلاء المغلوبين على امرهم ، ولكنهم ما ان رُسِِموا كهنة حتى انتقلت العدوى اليهم وبدأوا بالسفر الى الخارج اسوةً بزملائهم وكأنهم يؤدّون واجبا . اني اتساءل ، هل كان يفكر هؤلاء بالسفر الى الخارج لو لم يكونوا قد اصبحوا كهنة ؟ اعتقد بانهم نفسهم سيجيبون بِكلاّ.
اذا كانت السّنة الطقسية قد ارهقت رجل الدين الى حدّ صيّرته وكأنه خارج من فترة اشغال شاقة ، هل هناك ما يمنع من ان يقضي اجازته في شمال العراق مثلاً ، فهي منطقة آمنة الآن ، تتوفر فيها مختلف وسائل الراحة ، فضلا عن عن انها تدعو الى الخلوة وراحة الاعصاب ، بعيدا عن صخب الحياة ، وبهذه الصورة سوف لن يبتعد رجل الدين عن رعيته التي يفترض انه يحرص عليها ويحبها . لعلّها فكرة مضحكة ولكنها تخطر ببال ايّ انسان يحتاج الى موضع يوفر له الراحة داخل بلده .
اني اتحدث كعلماني ، تدفعه غيرته على تعاليم المسيح . لستُ في وضع يتيح لي تذكير رجال الدين بالكمّ الكبير من الفقرات الطويلة من تعاليم المسيح التي ترسم صورة الراعي الصالح ، لانهم سوف يقولون : ومَن هذا الذي يعلمنا ما نحن مكلّفون بقوله وتفسيره ؟ ولكني لا استطيع الا ان اؤكد بان الراعي هو خادم رعيته ، ويسعى جاهدا في البحث عن اصغر خرافه . الراعي الصالح هو كالاب والام اللذين لا يسعدان الا بسعادة اولادهما ويضحيان لاجل راحتهم .
ومن ضمن كلام المسيح بهذا لخصوص ، اذكر ما ورد في انجيل يوحنا : (الراعي الصالح يضحي بحياته في سبيل الخراف ) ، وانجيل متى : ( جاء ابن الانسان لا ليخدمَه الناسُ ، بل ليخدِمَهم ) .
انا على يقين بان كل ما قلته هنا سيذهب هباءً ، لان العادة قد تأصلت ولا احد يجرأ على اثارتها مع رجال الدين ، فالمال متوفر والتأشيرات متيسرة ، فكيف السبيل الى التخلي عن هذه المغريات التي هي في متناول اليد ؟
اني لأتمثل بعض هؤلاء المتشبّثين بهذه الامتيازات والمكاسب ، بعد سماعهم فقرات مماثلة لكلام المسيح هذا ، اتمثلهم بِالرجل الغنيّ الذي رجع حزينا الى البيت بعد ما قال له المسيح : بِع كلّ ما لديك واتبعني .