الإيكونومست: (الفرقة القذرة) تتلقى أوامرها من مكتب رئيس الوزراء
رجال أمن بملابس مدنية (يسجّلون) أسماء باعة الكتب في شارع المتنبّي
شؤون سياسية - 05/09/2009 - 10:48 pm
بغداد\واشنطن\النور:
يتوقع سياسيون ومثقفون ودبلوماسيون غربيون في بغداد أن الحريات العامة في العراق، باتت تحت التهديد، وأن الإجراءت الجديدة التي اتخذتها حكومة المالكي ليست طريقة لبناء الديمقراطية. وكشف مراسل مجلة أميركية عن احتمالات عودة الدولة البوليسية في العراق خلال سنتين أو ثلاث، فيما أوضح أن عمليات التعذيب الآن باتت حالا روتينية في السجون التي تديرها الحكومة، وأن هناك سجناء تقلع أظافرهم أو تبتر أعضاء من جسدهم، فيما يعد الصحفيون الفئة التي تتضرر بشدة من إجراءات التقييد على الحريات التي اتخذتها الحكومة مؤخراً.
ويقول مراسل مجلة الإيكونومست في بغداد: إن (شارع المتنبي) أو سوق الكتب الرئيس في بغداد، كان أشبه بخلية نحل للأحاديث الجماعية وللثرثرة في كل مكان هذا الأسبوع. تجار الكتب الصغار الذين تبدو عليهم (هيئة الثقافة) من خلال نظاراتهم (ذات الكعوب) التي يرتدونها، يشكون من قوانين الرقابة الجديدة، ويصرخون بأعلى أصواتهم: ((هذه ليست حرية تعبير)) لقد عقدوا ما يشبه التظاهرة الشهر الماضي، عندما احتج الصحفيون على القيود الجديدة التي تفرض عليهم.
لكنْ هل يتجاسر بائعو الكتب؟. إنهم يعبرون عن قلقهم الشديد، لأن رجال شرطة بملابس مدنية، جاؤوا الى السوق وسجّلوا أسماءهم. ربما إنهم –بدلاً من الوقوف معترضين فحسب- سيذهبون الى المحاكم المختصة للقتال ضد الرقابة بمساعدة محامين. قال أحدهم: ((ليس هناك فرصة غير الدفاع عن الحريات)). وأضاف: ((هذا هو العراق الجديد)). وأكد أن ((الحمايات القانونية ضئيلة، فيما السلطة بيد رجال مسلحين بالبنادق))!.
ويقول مراسل المجلة الأميركية إن أحدهم أثار مسألة مهمة: إن الحكومة قد وسّعت كثيراً من عمل الجهاز الأمني في البلد. وبذلك أصبحت انتهاكات حقوق الإنسان شائعة جداً هذه الأيام. وبشكل خاص، فإن العراقيين –لاسيما أولئك المتعلمون أو المثقفون- يتساءلون الآن فيما إذا كان بلدهم تحت تهديد العودة الى (الدولة البوليسية)؟!.
ويؤكد كثيرون أن العادات القديمة الموروثة من عهد الرئيس السابق صدام حسين، باتت مألوفة ثانية، فالتعذيب عملية روتينية في مراكز الاحتجاز الحكومية. و((هناك أشياء سيئة، وتصبح الآن أسوأ، حتى بمعايير المنطقة لا العالم)) كما يقول سامر المسقطي الذي يعمل في جمعية مراقبة حقوق الإنسان، وهي جماعة ضغط مقرها في نيويورك. إن خلاصة تقريره تشير إلى أن الإشراف الأميركي قد انتهى (برغم أن الأميركان ارتكبوا جرائم مخزية خلال احتلالهم للعراق ولاسيما تلك التي سجلها العالم في سجون أبي غريب) وأن الشرطة ورجال الأمن العراقيين عادوا إلى قلع الأظافر، وضرب المحتجزين، حتى أولئك الذين يدلون باعترافاتهم، مما يعني أن عمليات التعذيب، لا تعدو كونها انتقاماً أو وسيلة ترهيب تستخدمها الأنظمة الدكتاتورية.
وفي حديثه لمراسل مجلة الإيكونومست، يصف سجين سابق، كان العرج في إحدى ساقيه حالا بارزة في مشيته، كيف أدرك –بعد نوبة تعذيب في وزارة حكومية دامت لخمسة أيام- أنه نسبياً (محظوظ) عندما أعيد مع زملاء له في السجن. قال ذلك على الرغم من أن العديد منهم إما فقد رجله أو أحد أعضاء جسده.
إن أجهزة الأمن المحلية –كما يقول مطلعون- هي الآن في أشد حالات انشغالها منذ سقوط نظام صدام حسين قبل ست سنوات، وبخاصة تلك الأجهزة الموجودة في العاصمة بغداد. وفي تموز أعادت شرطة بغداد فرض الحظر الليلي، ليصبح سهلاً على رجالها أخذ أوامرهم من (السياسيين) لا من (المحاكم المختصة) لإلقاء القبض على كل من يعبّرون عن استيائهم من الحكومة . وبشكل خاص فإن الأجهزة البوليسية تستهدف زعماء مجالس الصحوة، أي المجموعات التي كان غالبية أعضائها من المتمردين السابقين أو المتعاطفين معهم، والذين عُرفوا بمساعدة الحكومة في طرد متمردي القاعدة أو غيرهم أو إلقاء القبض على أولئك الذين أعلنوا تمرّدهم المسلح ضد العملية السياسية، أو رفضوا الانخراط بها.
وفي أشد الحالات دقة، كانت عمليات إلقاء القبض قد نفذت من قبل نخبة من أجهزة الأمن يدعى (لواء بغداد) والذي يعرف أيضاً بـ(الفرقة القذرة) التي يقال أنها تتلقى أوامرها من مكتب رئيس الوزراء نوري المالكي.
وتزعم الإيكونومست أن النظام القضائي الذي رعاه الأميركان، يفترض أنه موجود لحماية الحقوق المدنية للعراقيين، لكنّه الآن يتعرّض لانتهاكات خطيرة و(مرهقة). هناك نحو 1,500 مواطن يرسلون إلى السجون شهرياً، فيما تكاد السجون الأميركية تفرغ من سجنائها العراقيين، إذ انخفض عدد العراقيين في السجون التي يديرها الأميركان إلى أقل من 9,000 سجين من أصل 21,000 سجين قبل سنة. وفي الوقت نفسه يرتفع العدد في السجون الخاصة بالحكومة العراقية الى نحو 35,000 شخص، وربما يكون العدد الحقيقي أكثر من 40,000 اليوم.
وعلاوة على ذلك –يقول المراسل- فإن الأحكام القضائية بدأت تتصاعد في قسوتها وصرامتها، وهناك الكثيرون يُحكمون بالإعدام الآن. وفي يوم واحد من شهر حزيران الماضي جرى شنق 19 شخصاً في بغداد، طبقاً لما ذكر في تقرير جديد أصدرته منظمة العفو الدولية. وتقول المجموعة التي مقرها بريطانيا إن هناك أكثر من 1,000 شخص في العراق يواجهون الآن حكم الإعدام، وغالباً ما يؤسس هذا الحكم على اعترافات انتزعت منهم بالقوة.
وتؤكد المجلة أن الصحفيين هم ضحايا دائمون للنظام القضائي في العراق. وفي تموز ألقي القبض على صحفي كان يصوّر حالة الزحام الشديد في بغداد، ذلك لأن الصور تكشف عملية الخداع التي تُصّور للمالكي أن الحياة تتحسن في العاصمة. والسنة الماضية كان العراق قد هبط من المرتبة 158 الى المرتبة 173 في تدني الحريات، طبقاً لمنظمة (صحفيون بلا حدود) التي تتخذ من باريس مقراً لها، والتي تراقب هبوط الحريات في العديد من بلدان العالم.
وكانت الحكومة العراقية قد أعلنت مؤخراً خططاً لمراقبة الكتب المستوردة، وكذلك الإنترنت، قائلة إنها تسعى الى منع البرامج الخليعة، وأفكار الهدم والأحقاد. لكنّ مراقبين لحقوق الإنسان تخوفوا من أن تكون هذه الرسالة خطوة أولى باتجاه خطوات أوسع لفرض الرقابة. ومقاهي الأنترنت تواجه الآن أحكاماً جديدة تتطلب منهم التسجيل لدى الأجهزة الحكومية. والكثير من أصحاب المواقع ومستخدمي البريد الألكتروني قد يفقدون (سرّيتهم المحمية) الآن.
ويتابع مراسل الإيكونومست قوله: إن بعض العراقيين يقولون إنهم مع هذه الإجراءات لفرض السيطرة الاجتماعية. وهم ينظرون إليها على أنها طريقة جيدة في محاربة العنف الطائفي. ولكنْ حتى إذا كانت الإجراءات تؤدي الى حريات أقل، وأمن أعلى مستوى، فإن هذه القوانين الجديدة جزء من الصراع الشديد، المرتقب على السلطة. إن المؤسسة الجديدة لم تتحصن حتى الآن ببناء نظام سياسي صلب، برغم التصديق على دستورين منذ سقوط صدام. ويقولون إن الحكومة الفيدرالية في بغداد تريد (دولة وحدوية قوية) فيما يريد الأكراد وبعض المجموعات الأخرى، نظاماً أكثر فيدرالية.
وفي أية حال –تقول المجلة- فإن المالكي وأصدقاءه يحاولون السيطرة وبقوة على الأمور في البلد، استعداداً لإجراء الانتخابات العامة في شهر كانون الثاني المقبل. وبدرجة أكبر ارتفع الميل نحو الإجراءات والقوانين المحدّدة للحريات منذ هجمات التفجير في بغداد خلال الشهرين الأخيرين والتي شكلت أسوأ المؤشرات على السلامة العامة في البلد. وحكومة المالكي تبحث أيضا عن أحكام مشدّدة لقواعد تنظيم الأحزاب والجمعيات السياسية –بضمن ذلك المنظمات الخيرية- وهي حال تنذر بالكثير من المخاطر. وبهذا الصدد تقول ميسون الدملوجي النائبة الليبرالية في البرلمان: ((هذه ليست طريقة لبناء الديمقراطية))!.
وتؤكد الإيكونومست قولها: إنه لمن المبكر جداً الحديث عن عودة العراق الى معايير نظام صدام الشنيعة، فالبرلمان متنوع ونشيط. والصحافة مازالت تحمل الكثير من الآراء. والمحاكم ليست طوع السلطة الحاكمة. لكن التوجهات بدأت في الذهاب نحو الطرق الخاطئة. ويقول دبلوماسي غربي له خبرة كبيرة في الشؤون العراقية: ((هذه الإجرءات تؤدي –بلا شك- الى الدولة البوليسية. أنها آتية خلال سنتين أو ثلاث، نعم ستأتي))!.
المصدر : جريدة النور الصادرة عن الملف برس - الكاتب: الملف برس
http://almalafpress.net/index.php?d=143&id=91279