لا تحلو مائدة الافطار بدونه ... الكيمر يشتهر بصناعته القامشلين ويفضلونه بكافة مناسباتهم عنكاوا كوم – القامشلي – ريمون القس تشتهر مدينة القامشلي بالقيمر، ويُسمى باللغة الدارجة بـ "الكيمر"، وهي مادة غذائية غنية جداً تصنع من الحليب الدسم للجواميس، التي تشتهر فيها مدينة القامشلي ومدينة المالكية في منطقة الجزيرة السورية، وللكيمر مكانة عالية في ثقافة أبناء الجزيرة السورية، فيقال فلاناً من الناس يأكل "كيمر وعسل"، في إشارة إلى النكهة اللذيذة التي يمتلكها بالاخص عندما يمزج مع العسل، بالإضافة إلى المكانة الرفيعة للشخص المقصود.
وتقدم بعض مطاعم القامشلي الكيمر على الإفطار مصحوباً بالعسل أو بالــ"المامونية" التي تصنع من الماء المحلى ونوع خاص من السميد أحد أنواع البرغل، وتعرف المامونية في محافظة الحسكة ومدينة حلب السورية، أكثر من باقي المدن السورية.
ويعرف الكيمر بالإضافة إلى سكان الجزيرة السورية، سكان العراق، وذلك لغناه بالمياه التي تعد عنصراً أساسياً في تربية الجواميس التي تقضي معظم ساعات النهار داخل البرك والأنهار، وهناك أغنية قديمة للمطرب العراقي الشهير الراحل ناظم الغزالي تقول، "خدك الكيمر أنا أتريك منه" فيها يصف خد محبوبته بالكيمر، لشهيته ولذته.
وعن كيفية صنع الكيمر يقول فقه علي الحنكوش أحد مربي الجواميس، "يُسخن حليب الجواميس لحد الغليان ثم يوضع في سطل ويسكب من ارتفاع عالٍ في منتصف حوض خاص، ثم يغطى بسلة مصنوعة من الصفصاف، ويغطى بفراش نظيف أو أكياس من خيش، ويترك من المساء حتى الصباح، وفي الليل نسمح له بالتنفس بتخفيف سماكة الغطاء أو الفراش، وفي الصباح يؤخذ الفراش أو الكيس بالكامل، وبعدها نقطع القشطة المتكونة على سطح الحوض على شكل مربعات ويوضع قطع من الثلج داخل الحليب الموجود في الحوض، ويترك لمدة 5- 10 دقائق ليتكثف مكوناً فيما بعد الكيمر".
ويبيع مربي الجواميس في القامشلي منتوجهم اليومي من الكيمر في سوق خاص بالألبان والأجبان لأصحاب المطاعم، والمحال الخاصة في تقديم وجبات الكيمر مع العسل أو المامونية على الإفطار.
يقول فراس شيخي أحد زبائن الكيمر، "اشتري الكيمر لسببين الأول للقيمة الغذائية التي يحويها، والثاني وهو الأساس بسبب طعمه الغني واللذيذ جداً، وعادةً اشتري ربع أو نصف كيلو في الأسبوع، ولا أفضل أكله في المطاعم، وإنما في المنزل".
وفي القامشلي 12 محلاً لبيع الكيمر أو لتقدمته كوجبة إفطار. ويعد فصل الشتاء موسم الكيمر لأنه موسم تزاوج الجواميس (من سبتمبر/أيلول، وحتى فبراير/شباط).
يذكر عامر جميل أحد بائعي الكيمر بانه يوجد "دائماً هناك إقبال على الكيمر حتى لو وصل سعره إلى 700 ليرة (14 دولار) كما هو الآن في فصل الصيف، وقد يصل سعره في الشتاء إلى 400 ليرة (8 دولار)، نظراً لموسمه في فصل الشتاء".
ويبلغ عدد الجواميس في مدينة القامشلي نحو 3 آلاف، وعدد المربين نحو 85 مربي، وتعيش جميعها في حي الطي (جنوب القامشلي) على ضفاف نهر جغجغ مباشرةً، كون الجواميس لا تستطيع العيش دون ماء، وطوال ايام السنة تقضي معظم ساعات النهار داخل المياه.
ويأخذ مربي الجواميس قطعانه (غير الحلوبة) في الصيف إلى ضفاف نهر الفرات عند مدينة الرقة، وذلك بسبب قلة مياه نهر جغجغ على استيعاب جميع القطعان في فصل الصيف.
وبالإضافة إلى مدينة القامشلي، تحوي بلدة القحطانية (25 كيلو متر شرق القامشلي) عائلة وحيدة لديها قطيع من الجواميس، وفي مدينة المالكية (80 كيلو متر شرق القامشلي) هناك نحو 45 مربٍ للجواميس، ويصل عدد قطعانهم إلى نحو 1400 رأس، وفي قرية المرج الأخضر (شرق المالكية، وهي الموطن الأصلي لجميع مربي الجواميس في المحافظة) هناك نحو 40 مربٍ، ونحو 900 رأس، وتعيش بعض قطعان الجواميس في منطقة الغاب التابعة لمحافظة حماة السورية، ولكن بأعداد أقل.
وللكيمر طرق مختلفة في استخدامه، أو تقديمه، غير أكله مع العسل أو المامونية صباحاً، فهناك عدة أنواع للحلويات يستخدم في صنعها، أو تقديمه كمادة إضافية مع بعض أنواع الكوكتيليات كما يحدث في أغلب كافيتريات القامشلي.
يقول رابي لحدو المختص في صنع الكوكتيلات في إحدى كافيتريات القامشلي، "أغلب زبائني تفضل الكوكتيل مع الكيمر، وأعتقد أنها تطلب الكوكتيل طمعاً في كمية الكيمر التي أضعها فوقه، وأكثرهم يطلب كيمر إكسترا (زيادة) مع الكوكتيل، ونصنع في الكافيتيرا شطيرة (سندويش) خاص اسمه كيمر وعسل لبعض الزبائن، ونستهلك يومياً نحو كيلو جرام كيمر، وقد لا تكون الكمية كبيرة، ولكن كيلو كيمر يعني أكثر من 50 طلب كوكتيل مع كيمر".
ويصدر نحو 75 بالمائة من إنتاج الكيمر إلى حلب ودمشق خاصة، نظراً للطلب الكبير عليه هناك، ويعد سعر 700 ليرة سعراً مرتفعاً للكيمر قياساً بسعره الذي لم يكن يتجاوز 400 ليرة قبل سنتين، صيفاً أو شتاءً.
يقول المربي فقه علي شيخموس، " نبيع كامل منتوجنا من الكيمر في القامشلي، وهم أحرار في تصريفه في مدينة القامشلي أو تصديره إلى بعض المدن في سورية مثل دمشق أو حلب...وتنتج القامشلي نحو 300 كيلو جرام من الكيمر صيفاً، ونحو 100 كيلو جرام شتاءً.
وعن ارتفاع أسعار الكيمر يعلق أمير مراد أحد بائعي الكيمر قائلاً، " ارتفعت أسعار الكيمر في الفترة الأخيرة بسبب كثرة الطلب عليه في مدينة دمشق من قبل بعض العراقيين الذين يعرفون الكيمر ويحبونه، وهناك سبب آخر هو قلة الإنتاج في فصل الصيف إذ يصل للسوق المحلي في القامشلي نحو 70 كيلو فقط، أما في الشتاء فيصل نحو 250 كيلو".
وقد يرسل بعضاً من سكان القامشلي الكيمر لأصدقائهم خارج منطقة الجزيرة كنوع من الهدية، والتي تعتبر "قيمة" على حد وصف أحد زبائن الكيمر ويدعى إبراهيم كحلة قائلاً، "كنت أرسل كيلو جرام كيمر لبعض الأصدقاء في دمشق وحلب ودرعا بشكل دوري، ولكن بعد أن وصل سعره إلى 700 ليرة للكيلو، قلّلتُ من ذلك، كون 700 ليرة للكيلو سعر غال جداً، ومع ذلك اشتري لعائلتي كل 10 أيام نصف كيلو تقريباً".
ويحذر بعض الأطباء من الكثرة في تناول الكيمر لأنه مادة دسمة جداً، وقد تؤدي إلى البدانة.
يقول الطبيب باسم إبراهيم، "لا ننصح بتناول الكيمر بكثرة بسبب التركيز العالي للدسم فيه، المؤدي في بعض الاحيان إلى انسداد الأوعية والشرايين، والتسبب بالبدانة، وفي حال تناول الكيمر يفضل أن يكون في فصل الشتاء لأنه يحتوي على كمية كبيرة من الحريرات".
وعن كيفية معرفة الكيمر الطازج يقول الزبون فراس شيخي، "اكتسبت الخبرة في جودة الكيمر من خلال النظر، فالكيمر الطازج والجيد يكون على شكل طبقات، وناصع البياض، ويحوي قليلاً من الحليب أو النداوة في أطرافه".
وبين تحذيرات بعض الأطباء حول الإكثار في تناول الكيمر، موضحا ان ارتفاع أسعاره في فصل الصيف للضعف تقريباً وانخفاضها في فصل الشتاء، وارتفاع أسعاره لثلاثة أضعاف في بعض المناسبات الخاصة كليالي الأعياد.
تبقى مكانة الكيمر مرتفعةً ودليل ترف، وتبقى أغنية ناظم الغزالي "خدك الكيمر" في ذاكرة أبناء الجزيرة السورية أكثر من غيرهم في سورية.