اللغة والارض نقاط أساسية في المفهوم القومي


المحرر موضوع: اللغة والارض نقاط أساسية في المفهوم القومي  (زيارة 479 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل alqoshnaya12

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 179
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
اللغة والارض نقاط أساسية في المفهوم القومي
فاضل رمو
كنتيجة لمطالعاتي وقراءاتي الكثيرة لخبرات شعوب مختلفة في التجربة القومية يظهر بوضوح جلي من أنه هنالك عنصران اساسيان يشكلان المفهوم القومي أو فحوى الانتماء القومي ، الا وهما الارض واللغة ، ففي هذه المقالة البسيطة ساحاول مناقشة هذان العنصران بعمومية متأملا في المستقبل أن أطور الموضوع نحو أتجاهات أكثر تفصيلية أناقش بها واقعنا نحن كجماعة مسيحية عراقية ذات خصوصيات مميزة تميّزنا عن الاخرين الذي يعيشون معنا في هذا البلد  .
 فعلى الرغم من أنه ليس من الالزام ان تتطابق التجارب بصورة تامة على جميع الشعوب ، ولكن هنالك بعض الامور الاساسية مشتركة عند كل الشعوب ، فالاتجاهات العامة في تشكيل الانتماء القومي ونموه وتطوره هي نفسها عند كل الجماعات مع الاخذ بالحسبان الأختلاف في الجانب الثقافي والبيئي وكذلك عنصر الزمان ، فالهوية القومية بحد ذاتها تعتبر مسالة متغيرة أعتمادا على تغيّر الزمان والمكان ، فمن الخطأ ان نعتبرها أمرا جوهريا متأصلا ميتافيزيقيا موجودا منذ الازل ، حيث أن هذا المفهوم يمتلك حجما كبيرا من الغلو والابتعاد عن الواقعية والذي تبنته حركات قومية في الماضي ولاقى فشلا وأدانة من قبل العالم أجمع ، ومن بين الحركات القومية التي تبنت هذا الفكر هي الحركة النازية والطورانية وحزب البعث العربي وغالبية الحركة القومية العربية ، كما نرى له بعض الصدى عند الكورد وكذلك بين ابناء شعبنا خصوصا ابناء كنيستي الكلدان والاشوريين ، بينما حقيقة الفكر القومي يفترض أن تكون نتيجة صراع لمراحل تأريخية لشعب ما من أجل نيل حقوقه وترسيخ سيادته على نفسه وليس فكرا أزليا تلزم الشعوب بتطبيقه لتكريس هويتها القومية . 
حيث من المؤكد والمقبول واقعيا هو التفسير العلمي للمسألة القومية التي تقول بكونها ظاهرة تأريخية تتأثر بالتأريخ والمكان ومقدار تأثيرهما على الشعوب ، وبذلك فأن الانتماء القومي هو نتاج فعل تأريخي وليس أمرا مفرغا منه ، والشواهد على ذلك كثيرة ، ولنأخذ من داخلنا نحن مسيحيي العراق ، فهنالك فئة تتسمى بالكلدان وأخرى بالاشوريين ، فهل كلدان اليوم هم كلدان ماقبل 25 قرن بكل ما تحمله الكلمة من معنى ؟ وكذلك هل اشوريو اليوم هم متطابقون مع آشوريو ما قبل 26 قرن ؟؟ وحتى بالنسبة للشعوب الاخرى ، فهل عرب اليوم هم نفس عرب ماقبل 1400 سنة ؟ أوهل القومية الكوردية أوالكوردايه تي الان هي نفسها عند كورد الدولة العثمانية قبل اكثر من قرن من الزمان ؟ نستطيع أن نسوق شواهد عديدة تؤكد كون مسألة الهوية القومية هي مسألة متغيرة ومتأثرة بديناميكية التأريخ ، فهنالك عوامل عديدة من الخطأ تجنبها والقفز عليها في تحديد مسألة الانتماء القومي أو الهوية القومية ، فمفهوم الانتماء القومي يتطلب ان يكون مفهوما جماعيا وليس مجرد رأي لشخص معين يؤمن به كنتيجة لقناعات شخصية مبنية على أجتهاد فردي لا كتطبيق جماهيري ، وبذلك فهي نتيجة حتمية لما يجسّده الشعب ككل ، قد يضن البعض من أن للمفهوم القومي قوالب جاهزة وثابته من الممكن أن يتم تبنيها بصورة دراماتيكية من قبل الشعب لمجردة مبادرة البعض بتهيأتها وترتيبها ، وهذا حصل عند أقوام عدة لكنها لم تلبث ان أظهرت هذه التجارب بطلانها وفشلها .
بناءا على ما تقدم فأن الانتماء القومي هو شعور جماعي لشعب ماء باتجاه روابط معينة تتبلور هذه الروابط نتيجة للزمن ولفعل التأريخ ومتغيراته مع ذلك الشعب ، فالقومية هي ارتباط وجداني عند كل فرد من شعب ما ، بحيث أننا نرى ميول متشابهة في الاتجاهات العامة لعموم تلك الجماعة وهذا لايعني بالطبع تطابقا تاما في القضايا السايكلوجية والشخصية لكل فرد ، وانما فقط تشابها في التوجهات العامة ، بحيث يكون من الممكن تحديد تلك الجماعة كشعب مميّز عن جماعة أخرى ، وان هذا التحديد بالتأكيد هو نتيجة قناعات متراكمة عند الاخرين بكون هذه الجماعة لها أنتماء مشترك  وترتبط بروابط متشابهة تشكل اساس الهوية القومية .
أن من بين أهم الروابط التي على أساسها يتألف ويتحدد شعب ما هما رابطي اللغة والارض ، والذان شكلا طرفي الفكران القوميّان الذان انقسمت الحركات القومية في العالم على اساسهما ، فاحد هذان الفكران أعتبر أن تشابه اللغة هو أساس في تحديد الشعب ورسم هويته القومية وبذلك أنشاء دولتهم على اساسها ، وبما أن عنصر اللغة يتميز كونه عنصرا ذا مفهوم ميتافيزيقي نوعا ما ، فقد أحتوت تلكم الحركات المبنية على اساس تشابه اللغة فقط على جانب ميتافيزيقي بعيد عن الواقعية ، حيث حددوا الوطن بلارض التي تضم متكلمي تلك اللغة العتيدة ، فعلى الرغم مما تمتلكه اللغة من مشروعية في تحديد الشعب ، ولكن يفترض أن يتم أخذ جانب الارض والبيئة التي تطورت بها اللغة بنظر الاعتبار ايضا ، فكما هو معروف ان اللغة كائن حي يعاني من تقلبات الزمن وتغيرات البيئة التي تنشأ وتتطور بها ، فقد نحا هذا الفكر القومي الاحادي الجانب بأتجاهات غير أنسانية لاغيا لخصوصيات فئات قليلة العدد تتكلم لغات أخرى غير لغة الاغلبية التي تحددت الارض بأسمها ، والتي هي الاخرى تعيش وعاشت على نفس البقعة من الارض والتي هي وطنها الاصلي وتطورت لغتهم عليها ، وهذا نراه بوضوح كبير عند شعبنا من مسيحيي العراق وعموم الشرق الاوسط وكذلك عند كورد دولة تركيا الحديثة ، فباعتبار أللغة وحدها هي روح الامة ينتج تجاوزات على حقوق الانسان في أحيان كثيرة ، وهذا نراه وضحا في المانيا النازية ، كما نرى عكسه تماما في المانيا بعد الغاء ودحر النازية فيها ، حيث نرى ضمن الدولة الالمانية فدراليات ومناطق حكم ذاتي متعددة للاقليات الاخرى التي ليست الالمانية لغتها الام .
أن اللغة هي حقيقة سجل الشعوب التأريخي التي تعتبر بحق ذاكرة الشعب وفكره حيث أنها تنقل للاجيال اللاحقة عادات الشعب وتقاليده وافكاره واراءه وكامل منجزاته ، كما أنها تعتبر ايضا حاظنة لثقافة الشعب والمرآة التي تعكس تلك الثقافة للشعوب الاخرى ، وهي بذلك تساعد في تحديد وتميّز شعب ما عن الشعوب الاخرى ، وكذلك لايمكن لأحد من أن يلغي ما للغة من تأثير على الخارطة الاقتصادية للشعوب من حيث تشكيل الاسواق المشتركة للجماعة الناطقة بلغة واحدة، ولكن اللغة بحد ذاتها تتعرض الى تشكيلات ثانوية نتيجة للبيئة التي تعيش وتنمو خلالها ، فاللغة لم تظهر بصورة متكاملة مرة واحدة بل تطورت عبر حقبات زمنية متأثرة بالضروف البيئة التي عاشتها ، وهذا يقودنا الى أيلاء البيئة التي تعيش بها اللغة الان دورا اساسيا في تحديد متكلمي اللغة كشعب مستقل ، فبأختلاف البيئات التي تنمو وتتطور بها لغة ما سيؤدي الى تباعد في فقه تلك اللغة من منطقة الى أخرى والذي بدوره سيؤدي الى تباين في ذهنية متكلميها على الرغم من كونهم يتكلمون بلغة واحدة أو موحّدة الاصل ، وهذا سيخلق تباين في ثقافة وميول متكلميها ، وهذا نراه واضحا عند الكورد ، فالكوردية هي لغة واحدة ولكن هنالك فروقات كبيرة بين لهجة اهالي دهوك وبين لهجة اهالي السليمانية وقد انتقلت تلك الفروقات بين طبائعهم ايضا وحتى ميولهم الفكرية وسايكلوجيتهم ، فبالاضافة الى نمو اختلافات بارزة في المفردات والتعابير وقد يؤدي بها يوم ما الى ظهور هما على شكل لغتين ، فهكذا ظهرت اللغات وتكونت عبر الزمان .
بينما ومن جانب آخر نرى أعتماد الفكر القومي الثاني الذي ظهر أول أمر عند دعاة القومية الايطاليين ومن ثم الفرنسيين على عنصر الوطن والبيئة والارتباط حوله كهوية انتماء قومي ، حيث تجدر الاشارة أن اول أستعمال لكلمة القومية كان في اللغة التركية كمرادف لكلمة nationaltie   الفرنسية وذلك بعد انقضاء سنة واحدة على اصدار قانون الجنسية العثمانية اي في عام 1870 ، والتي عنا بها الفرنسيون آنذاك بالهوية الوطنية ، أي كانت الرابطة القومية حسب مفهومنا نحن تتطابق عند الفرنسيين ما يناظر الرابطة الوطنية عندنا ، حيث كان هذا العنصر هو الاساس في تكوين هذا الانتماء (القومي – الوطني ) (الاجتماعي ) بغض النظر عن اللغة أو الاثنية ، وكما هو واضح ايضا فأن عنصر الوطن لايحمل المفهوم الميتافيزيقي التي تحمله اللغة ، فالارض التي تؤلف وطن ما قد تتوسع أو تتقلص أعتمادا على معطيات التأريخ والاحوادث التي تحصل عبر الزمن مثل ( الهجرات ، الحروب والغزوات والكوارث الطبيعية ) ، فلكل فترة عقد أجتماعي للعيش المشترك قد يختلف من فترة الى اخرى ، لاختلاف الاحداث الاساسية المؤثرة على الواقع والضروف ، فمثلا بلاد مابين النهرين التي تسمى حاليا بالعراق لم تكن بهذه الحدود في السابق ، فأما كانت أوسع أو كانت أقل وبذلك فأن اسلاف سكان منطقة ما كانت في السابق جزء من بلاد مابين النهرين كانوا جزء من شعب بلاد مابين النهرين في فترة سابقة بينما أحفادهم الان ليسوا كذلك فأما هم جزء من شعب تركيا الحالية أو ايران أو غيرهم وذلك بسبب اتبع منطقتهم الى حدود دولة اخرى ، وكذلك بالنسبة للمستقبل فالشعب العراقي الان قد لن يكون نفسه بعد فترة من الزمن ، وهناك العديد من الامثلة ، فمثلا أين هو الشعب السوفييتي ؟ اين هو الشعب اليوغوسلافي ؟
بالتاكيد أن كلا الرابطان لهما نفس القدر من التأثير على هوية ارتباط اي جماعة من البشر فيما بينهم ، ولكن اتباع واحد فقط منهم واهمال الثاني برأيي سيشكل خللا في مسالة الهوية القومية ، فعدد غير قليل من الدول الاوروبية ونتيجة لرد فعل معاكس من الفكر النازي تبنوا فكرا مبتعدا بصورة كبيرة عن النازية لكرههم الشديد لها ، فاصبح من المتاح جدا الانخراط ضمن مجتمعاتهم من قبل فئات أخرى واقوام غريبة نالت جنسيتهم بسهولة وتعتبر فرنسا اوضح مثال لذلك بحيث تعتبر الفرنسية هوية لكل مواطن يعيش على ارض فرنسا مهما كان اصله او لغته الام ، فحتى في فرنسا هنالك عدد من اللغات غير الفرنسية تعتبر قديمة ومؤسسة لدولة فرنسا ناهيك عن لغات الاقوام المهاجرة لاحقا الى فرنسا ، فعملية الاندماج ونيل الهوية والانتماء متاح وبسهولة في هكذا مجتمع ، طبعا هذا الامر ليس ايجابيا على الرغم من ما يحمله من طابع انساني ، ولكن في نفس الوقت سيشكل خطرا على هوية وأصالة مجموعة غير قليلة من البشر لا ترغب بتغير عناصرها الاصلية وصور ارتباطاتها بهويتها وشكل انتماءها التي نشأت عليه وهذا ما يطلق عليه بالديموغرافيا ، بحيث سيؤدي الى صراعات قد تكون مؤلمة ولن تختلف نتائجها عن التي حصلت وتحصل في المجتمعات التي يحكمها الفكر القومي المعتمد على عنصر اللغة فقط ، من هذا نجد أن تبني فكر قومي ناجح يتطلب الاعتماد على كلا العنصران معا من أجل انجاح مشروع قومي مستقبلي لشعب ما يبغي ببناء ارادته الحرة المستقلة على ارضه التأريخية التي ما يزال يعيش عليها .