عن الثرثار التافه
شمعون كوساهو الشخص الذي يتصف برغبة غير قابلة للاشباع في الكلام ولكن دون تفكير.
هذا النوع من الرجال ، وجد نفسه يوما بجانب شخص ، لا يعرفه اصلاً ولم يسبق له وان التقى به ، لم يتردد في فتح حديث طويل معه. فبدأ مثلا بالتكلم عن زوجته ممتدحاً خصائلها ، وعن حماته مركّزاً على رذائلها، وانتقل حالا الى الحديث عن حلم كان قد رآه قبل ثلاثة ايام ، حيث وجد نفسه على ظهر حصان بين ايدي عصابة وضعت كمامة على فمه ، وابقته على هذه الحال طوال الحلم .
ودون ان يفسح مجالاً حتي لوضع فاصلة بين جُمَلِه ، تناول موضوع وليمة دُعِي اليها قبل يومين ، واسترسل في وصف الاصناف التي تناولها والتي لم يستطب مذاقها ، لا يعرف لماذا !!
تنفس صاحبنا قليلا ، ودون ان ينظر الى جليسه المباشر ، خاض في كلام عن السياسة والاوضاع السائدة وذهب جازماً بان رجال هذا العصر لا يساوون شيئا وان الخيّر َ بينهم لا يصل الى ظفر ألاباء والاجداد .
بعد ان لاحظ صاحبُنا الثرثار بان جاره بقي على حاله و لم يرفع رأسه طوال حديثه ، ارتأى ان يتوقف قليلا ، غير أنّ سكوته لم يَدُم أكثر من ربع دقيقة خوفا من ان يصاب لسانه بالكسل ، فتناول اول موضوع مُدرج على جدول اعمال لسانه ، وتحدّث عن السوق وتطور الاسعار وغلاء الخضراوات وشحة الحنطة وهبوط نوعية الفاكهة ، وانتقل بعد هذا مباشرة الى موضوع ازدياد عدد الاغراب في البلد ، وعندما اجال بعينيه صوب البحر، خاض لسانه ، ومن دون علمه ، في موضوع البحار وظاهرة انخفاضها ، وبما ان الشئ بالشئ يذكر، وهو غائص وسط المياه ، عرّج علىموضوع تناقص الامطار الذي من شأنه التاثير على انخفاض مستوى المزروعات ، وانتهى بالقول وهو لا زال مبلّلاً ، بأنه سوف لن يقوم بحراثة حقله لهذه السنة !!!
وبما ان صاحبنا كان مجرّد ثرثار ولكنه تافه ، بدأ يتكلم عن بعضِ من يعرفهم ، فتحدث بكلام كله لغو وهراء ، فكان يردّد عن هؤلاء اول جملة تخطر بباله ، والحق يقال كان في كلامه عن الاخرين لا ينزلق الى النميمة. فقال مثلا عن ابن الخباز بانه فاز في هذه السنة في سباق تسلق الاشجار !!!، وبعد ذلك ذكر اسم فتاة تزور ابنته في البيت وقال عنها بانها لا زالت تنتعل نفس الحذاء منذ شهرين !!!. وبعد ذلك التفت الى جاره الذي لم ينبس حتى ذلك الوقت ببنت شفة ، وسأله عن عدد الاعمدة التي يستند عليها الجسر الجديد ، ودون انتظار جوابه ، سأله عن التاريخ الذي سيصادف الرابع من الشهر القادم !!!
وعاد ثرثارنا الى الحديث عن نفسه فقال ، بانه يحسّ اليوم بوجع رأس لم يتعرض له قبل الان ، (ولم يخطر بباله ابدا بانّ الوجع ناجم وبكل تأكيد من ثرثرته) .
ولمّا رأى بان جاره لم يوقفه ولو مرّة واحدة للتدخل أوالحديث ، استنتج بانه انسان عاقل يتحلى بصبر طويل ، لانه فعلا لم يصادف يوما وان صبر عليه أحدُ بهذه الصورة . فالتفت اليه وقال ، وكأنه يكشف له سرّاً ، بان عيد الميلاد في هذه السنة سيقع في نهاية شهر كانون الاول ولكنه لم يتوصل لحدّ الان الى معرفة التاريخ بالضبط . وبما انه ، في حديثه عن كانون الاول كان قريبا من موسم البرد ، انتهز الفرصة كي يضيف بان البوادر كلها تشير بان فصل الشتاء سيكون قاسيا وبانه لا بدّ من اتخاذ ما يقينا من شدّة برد الثلوج والامطار.
بعد ان افرغ صاحبُنا التافه بعضَ ما ثرثر به لسانه ، التفت من جديد الى جاره الذي لم يُبدِِ أيّ تجاوب ولم يَلح عليه ايّ ردّ فعل طِوال الحديث ، فسأله عن اسمه ، فلم يُجِبه الجار. فهزّه من كتفه معيدا عليه نفس السؤال قائلا : ارجو ان لا اكون قد ازعجتك ، فابتسم الجار واشار الى اذنيه ولسانه لكي يفهمه بانه أصم ّ وأبكم .
عند هذا ، اُصيب صاحبنا الثرثار الفضّ بخيبة امل كبرى واحسّ بان، كل ما ثرثر به ذهب هباءً ، فاخذ يلتقط الحروف والكلمات التي تناثرت من فمه كي يصوغها في حديث اكثر تفاهة يستودعه عنوة آذان ضحية اخرى ، ولو انه لم يكن بحاجة لالتقاط اية كلمة من شريطه ، فهومنبع لا ينضب للكلام الفارغ .
فترك مكانه وانتقل الى شخص آخر ، وقبل ان يعطي اِيعازا الى لسانه بالانطلاق ، تأكّدَ أولاً بان جليسه الجديد لا يشكو من نقص في اذنيه أو لسانه ، فبدأ بنفس ثرثرته وسلسلة ترهاته ، فاستغرب جاره الجديد من كلامه غير المترابط ، ودون أن يقول شيئا ترك مكانه حالا وانصرف ولكن ليس قبل ان ينظر اليه وهو يشير الى رأسه وكأنه يقول له : هل انت مجنون ؟
مع هؤلاء الثرثارين الذين يتكلمون كثيراً كي لا يقولوا شيئا ، والذين ينتقلون في حديثهم من الديك الى الحمار ، كما يقول المثل الفرنسي aller de coq à l'âne، لا سبيل مع هؤلاء الاّ الهرب من اول جملة ينطقون بها لتجنب وجع رأس قد يؤدي الى صداع مزمن . لا يجب الرّفق بهم أو الاستحياء منهم ، لانهم عديمو الشعور ولا يميزون بين ما يجب وما لا يجب ، فجميع المناسبات وكافة الاشخاص عندهم سواسية ، ولا فرق لديهم بين اوقات الفراغ واوقات العمل ، فكل مناسبة هي جيُدة لديهم وكل مستمع يصلح لسماع ثرثرتهم .