بشاشة مام جلال وكآبة الجعفري.. هل تلتقيان ؟
محسن جوامير ـ كاتب كوردستاني
لا ريب أن كل واحد منا عاصر زعماءً ودرس الكثير من السياسيين ـ في الداخل والخارج ـ من خلال أقوالهم وتصريحاتهم ومواقفهم.. وعلى ضوء القراءة والمشاهدة وتحليل حركاتهم وسكناتهم، حسناتهم وسيئاتهم، ذكاءهم وغباءهم، اصبح ـ وكل وفق قدرته وعلى طريقته ـ وبمرور زمن قصير أو طويل قادرا على الحكم عليهم بما يشفي غليله ويزيل جهله في معرفتهم..
وقد نجح في الحصول على نتيجة " مقبول " على أقل تقدير في معرفة هذه الشخصية السياسية أو تلك.. ولكنني أكاد أجزم وأؤكد بان الكثير من العقلاء ولحد اللحظة لا تكتنفهم إلا الدهشة والحيرة أمام شخصية الجعفري، عقيدته ودينه، مذهبه ومواقفه، سياسته وأوهامه، غموضه وكآبته، ألاعيبه وإستمراءه اسلوب التخفي والطعن من الوراء للصديق والعدو، وضلوعه التي لا تنحني إلا على ضغن دون حُنو.
قد يقال أنه ذكي وشاطر، ذاكرته قوية وهو حاضر البديهة ونادر، وجاهز الرد والجواب في السراء والضراء وفي الراحة والصعاب، مع الخصم والأحباب.. وصاحب إنشاء قوي، ونطقه في الكلام رصين سوي، وكأنه في السلاسة بدوي..أنا معكم في كل هذا ولا يساورني أدنى شك في ذلك قط وعلى يقين، ولست في ذلك من المترددين .!
ولكنني أضيف وأقول بأن هذا الرجل ظُلم حين أدخلَ في السياسة او أقحم فيها من قبل أحبابه وأنصاره ومؤيديه، أو إرتادها بمحض إرادته.. ذلك لانه حسب قراءتي له، فهو خليق به أن يطرق كل باب ويدخل كل محراب، إلا السياسة وإدارة شؤون الناس أو أن يكون عضوا في مجلس النواب، بل حتى راعيا للأغنام والدواب.. وعام من الحكم محك لصدق هذا الإدعاء، ولا يحتاج الأمر إلى كثير من الحساب والإحصاء، لإثبات أنه أساء ـ وأيما إساءة ـ إلى الحكم وفشل في الأداء.!
لقد آن الأوان لكل حزب أن لا يفرح بما عنده من كوادر ونوادر، من دون تمحيص وتدقيق ورياضة وقبل أن يتفكه بهم الناس ويعتبرونهم من الفكاهات والنوادر.. وأن لا يستعجل في إختيار الرجال لخوض السياسة وإدارة شؤون البلاد والعباد، دون إخضاعهم للإمتحان والإختبار قبل أن يسلم لهم زمام قيادة مجموعة أو إدارة شعوب لها مطالب ولا تريد أن تطعن في مقتل أو تضرب من وراء حجاب.. وإلا أصبح حال الناس وعلى الدوام كحال اسلافهم أثناء حكم الطبيب الجعفري الذي إزداد الجرح في ظل عبثية مِشرَطِهِ عمقا، وتحولت البلاد إلى مستشفى كبير وإزداد الناس قلقا، وبالتالي أطفأ شعاع الأمل في نفوس الكل من صغير وكبير بعد أن ظنوا أن المستقبل سيكون أكثر إشراقا وتألقا.
يا ليت شعري .! لقد أخطأ الناس في تحديد مكان ومكانة السيد الجعفري الطبيب.. لقد كان الأوْلى أن يعينوه ـ ومن باب أضعف الإيمان ـ في مكانه المقدس وهو المستشفى لا البرلمان ولا مجلس الوزراء ولا مقرات الأحزاب، ناهيكم عن تسليمه زمام الأمور العسكرية والأمنية في بلد يتفجر ويتفخخ من الباب إلى المحراب..
إنني بتُّ أشك حتى في صلاحيته في أن يكون مديرا لمستشفى، لانه غير مستبعد وبسبب سوء إدارته وتقلباته وإثارته الشكوك والإحن وألاعيبه وفتنه العشوائية والمحن، أن يتحول الأطباء والممرضون فيه إلى قتلى وجرحى يرقدون على أسِرَته ـ بدلا من الناس ـ وبمرور الزمن.!
إن إدارة بلد موبوء بالمشاكل ومملوء بالعقد التي تنوء الجبال بحملها وتتصدع من خيفتها.. كيف تُترك لرجل لم يُسمع ولم يُعرف عنه طوال وجوده في الداخل والخارج أنه شارك مشاركة فعالة في العمل السياسي أو خبر معتركه بنجاح وبما يكفي لقيادة أمة مازالت تعيش حالة فوضى الماضي ولا تصدق بما حدث في الحاضر، وهي عريقة في كل شئ إلا الحرية والديمقراطية وما فيهما من لؤلؤ وجواهر ؟
أنا لا يغمرني أي تردد في انه حتى حلفاءه ادركوا هذا الأمر ولكن لم تعر الأغلبية منهم إهتماما به، والأنكى من ذلك تشبثهم به ـ ومازال ـ ومراهنتهم عليه وإيلاءهم الثقة بعد أن علموا أنه لا يصلح حتى لتسيير أمور شيعة سيدنا علي كرم الله وجهه، وقد إكتووا هم بنار سياسته الفاشلة، ولا يعتقد أن مسقبلهم سيكون على غير هذه الشاكلة.
إننا ـ وبعد أن إزدحمت ساحة السياسة والخبراء والعقلاء بنداءات عدم إعادة الجعفري ـ نأمل في رئيس وزراء جديد للدولة الإتحادية، تكون إبتسامته وعمله في تطبيق العهود والإتفاقيات والتعامل مع الناس والقضايا صغيرها وكبيرها، بمستوى خفة ظل رئيسها مام جلال الذي ما أظن ـ بالرغم من إنتقادي له في كثير من الأحيان، وكلنا خطّاءون ـ أن المنطقة شهدت رجلا مثله في سعة الصدر والصبر والقابلية والفطنة والحنكة في إدارة البلاد على قاعدة : يسروا ولا تعسروا، وفي أشد الظروف حراجة وضيقا.. فلولا بشاشة وأريحية مام جلال ـ الذي حظي بتقدير الأكثرية ـ في العام المنصرم من الحكم بين الناس في المدن والأمصار، لقضى شؤم السيد الجعفري على المهاجرين والأنصار.
فيا ليت السيد الجعفري بعد أن عبسَ، توَلّى.. كي يقول الناس الذين قتلهم غموضه وإحباطه وسياسته الفاشلة : أراحنا الرجل من كآبته، أراحه المولى .! أو يُشد وثاقه ـ إن كان لابد مما ليس منه بد ـ كي لا يتعدى الحدود بنزواته ويُستدرج في غفلة إلى الإرتكان إلى زاوية بعيدة عما تعارف عليها الجمع في الدستور والمواثيق وما أدرج، ويتردى!
mohsinjwamir@hotmail.com[/b][/size][/font]