قيامة المسيح
حدث ما فوق التاريخ
قرداغ مجيد كندلان
القيامة مــن الاموات " بذات الجسد " الذي صلب ، هو فعل غريب على البشريـة . القيامــة التي دخلت قاموس المسيحية حدث هبط إلينا من السماء ، ومفهومـــه يفوق العقل والحواس والمشاعر والتفكير وأعماق الضمير ، حينما نتعرض الى " القيامة " التي حدثت علــــى مستوى التأريخ .
علينا أن نتيقن أنها لا تمت الى التاريخ بصلة . فالموت هو ختم نهايـة التاريخ لكل انسان ، وليس من بعد الموت تأريخ لانسان قط . فأن يقوم السيد المسيح من الموت حيا بجسده وبجروحه القاتلة وطعنة جنبه النافذة ، يتكلم ويحيي ، ويكشف جروحه في يديه ورجليه وجنبه ، فهنا حدث ما فوق التاريخ .
إذا يتحتم علــى الانسان الذي يريد أن يؤمن بالقيامـة أن يبدأ يتعلم علم ما بعـــد الموت ، وكلام مافوق التأريخ ، وحديث ما يخص الحياة الجديدة للانسان ، وليس معقولا قـــط أن يفســــح المجال هنا لناقد يقيس بقياساته العتيقة مايخص الحياة الجديدة .
قيامة المسيح التي أعطت الانسان طبيعة القيامة وقوتها وحقيقتها كخليقة جديدة مرتبطة به وحيـة به . لذلك أصبحت قيامة المسيح في الايمان المسيحي هي الباب المفتوح للحياة الاخرى مع الله .
فالقيامة حالة الوجود الحقيقي الثابت غير الزائل الابدي . أما الوجود البشري في العالم فهو حالـة وجود غير حقيقي لأنه متغير وزائل .
دخل الموت الى المسيح ، فمات المسيح حقا وقبر وبقي ميتا من الثالثة بعد ظهر يوم الجمعـة الى
فجر الاحد ، اي مايقرب من 36 ساعة . ولكن لم يستطع الموت أن يتعامل مع جسد المسيح أكثر من انفصال النفس عن الجسد ، بمعنى أنه لم يقرب الفساد خليـــة واحدة مــــن الجسد : " لاتدع قدوسك ينال منه الفساد " ( اعمال 2: 27 ) ، لذلك فالمسيح مات ليقوم ، ويقوم بذات الجسد فـي ملء كماله وجروحه عليه ، وعلامات الموت صارت برهان وصدق القيامة ، والقيامــة صارت برهان وصدق التجسد :" في شأن ابنه الذي ولد من ذرية داود من حيث أنه بشر، وجعل ابن الله في القوة بقيامتـــه من بين الاموات من حيث أنه روح القداســــة ، ألا وهو ربنا يسوع المسيح " (رومية 1: 3-4 ) .
ان رؤية القيامة لاتعتمد على قوى البصر العاديـــة ، ولكنها حالة الوعي الروحــي الذي يستمده الانسان مما هو فوق الطبيعة من قوى غير عادية ، وهي موهبة لاتعطى بمعيار واحـــد للناس ، لكن لكل انسان تعطى موهبة الرؤية ليرى بقدر إيمانه واستعداده وخبراته الروحية السابقة .
والمسيح إمعانا في تعريف التلاميذ بالقيامة الحقيقية لجسده الحقيقي أراهم جسده وبالشكل التالي على سبيل المثال لا الحصر : " وفي مساء ذلك اليوم ، يوم الاحد ، كان التلاميذ في دار أغلقت أبوابها خوفا مــن اليهود ، فجاء يسوع وقام بينهم وقال لهــــم : السلام لكــم "(يوحنا 20: 19) .
دخل المسيح الى حيث كان التلاميذ مجتمعين والابواب مغلقة عليهم ، هذا أول مفهوم لطبيعـــة القيامة ، فالقيامة من الموت لم تعد تخضع بعد لكل ماهو خاضع للموت ،أي الطبيعة البشرية بكل القوانين التي تحكم وتتحكم فيها المادة والمكان والزمان والجاذبية والحركة والحرارة والضغوط والاشكال والالوان التي كلها تختص بالمادة .
فالجسد القائم من الموت هو جسد روحاني له عالمه الروحي ، وكل أعمال الروح هي معجزة لدى المادي . وكما أن المسيح جاء فــي المساء الــــى التلاميذ لسبب سري وبيانه أن الطبيعة البشرية كلها كانت قبل قيامة المخلص ثاوية فــــي ظلام الخطيئة وجالسة في ظلال الموت . وقد تنبأ داود من اجل إنارتها قائلا : " نور أشرق في الظلمة
للمستقيمين " ( مزمور 112: 4 ) ، وكذلك اشعيا النبي حيث يقول : " الشعب السالك في الظلمة أبصر نورا عظيما " ( اشعيا 9: 2 ) ، وأيضا " يشرق في الظلمة نورك " ( اشعيا 58: 10 ) .
وعليه فقد تحققت هذه النبوات التي وردت من اجله مبينة أنه إنما ظهر المسيح للذين كانوا في ظلمة الخطيئة وأنار للذين كانوا راقدين في ليل الجهالة . ثم عاد المخلص بعد اسبوع وفي نفس
الميعاد والمكان وظهر خصيصا لتوما : " ثم قال لتوما : هات اصبعك الى هنا فانظريدي . وهات يدك فضعها في جنبي . ولا تكن غير مؤمن بل مؤمنا . فأجابه توما : ربي والهي ، فقال يسوع : آمنت لانك رأيتني ، طوبى للذين يؤمنون ولم يروا " ( يوحنا 20: 27-29 ).
القيامة أعطت الانسان الجديــد سلطانا على مغاليق عقل وقلب وباب العالم ، وحررته مــن قيود وقوانين الطبيعة . وغياب القيامة أنشأ الخوف في قلب التلاميذ ، الايمان بالصليب بدون القيامة لايعتبر شيئا من طبيعة الانسان العتيق ، دخول القيامة في القلب الخائف المغلق يعطيه السلام . توما هو نظير العالم الشكاك وعندما لمس توما دم الفداء فصرخ بألوهية الفادي .
وظهر مرة اخرى بجسده الطبيعي فبدأ إنسانا عاديا: " وبينما هما يتكلمان إذا به يقوم بينهم فيقول: السلام عليكم! فأخذهم الفزع والخوف وتوهموا أنهم يرون روحا . فقال لهم: ما بالكم مضطربين، ولِمَ ثارتِ الشكوك في قلوبكم ؟ انظروا الى يدي ورجلي . أنا هو بنفسي ، إلمسوني وانظروا ، فإن الروح ليس له لحم ولا عظم كما ترون لي .
قال هذا وأراهم يديه ورجليه( لو24: 36-40)، بل وأعطاهـــم المسيح تأكيدا أنـــه قام بجسده وكل ماللجسد الطبيعي مــــن امكانيات حتى الاكل والشرب هكذا :" غير انهم لم يصدقوا من الفرح وظلوا يتعجبون ، فقال لهـــم : أعندكــم ههنا ما يؤكل ؟ فناولوه قطعة سمك مشوي . فأخذها وأكلها بمرأى منهم "(لوقا 24: 41-43) .
ظهر المسيح لمريم المجدلية :" فقال لها يسوع : مريم ! فالتفتت وقالت له : ربوني ! أي يامعلم... فجاءت مريم المجدلية وأخبرت التلاميذ بأن قد رأت الرب وبأنه قال لها ذاك الكلام "(يوحنا20: 16-18 ).
ظلت حواء تبكي على الفردوس المفقود وتطلب لنفسها ذلك الفادي الذي يعود بها الى شجرة الحياة ، هذا لما رأته العين ظنته البستاني ، مع أنه هــو هـــو شجرة الحياة بعينها ، ناداها باسمها فعرفت فيه صوت الله ، ولما ارادت ان تاخذه لنفسها ، ارسلها لتدعو ادم أولا بالعودة الى الفردوس .
بهذا يكون المسيح قد أعلن ماهو جسد القيامة ، إذ برهن لهم أنه جسده الاول تماما بكل إمكانياته ، ولكنه في حالة تجل كامل وشفافية فائقـــة ، فهو لا يرى ويرى بآن واحــــد ، وذلك بحسب إرادة المسيح وقدرة الانسان على الرؤيا .
بمعنى أنها حالة جديدة مـتطورة من الحالة الطبيعية الاولـى الى حالة فائقة للطبيعة ذات مواصفات جديدة وإمكانيات روحية فائقة للغاية ، فهنا حدث ما فوق التأريخ .
المسيح كشف لنا عن سر رحلتنا الى قلب الله :" أنا الطريق والحق والحياة ، لايمضي أحد الـــى الاب إلا بي " (يوحنا 14: 6) ، " أنا القيامة والحياة "(يوحنا11: 25) .
وان يحيا الانسان القيامة من الان يكون قد نفض عنه الخوف من الموت ورهبته :" مــــن آمن بي وإن مات فسيحيا ، وكل من يحيا ويؤمن بي لن يموت للابد " (يوحنا11: 26) ، بمعنى لن يسود عليه الموت بل يصير له الموت واسطة للقيامة والانتقال الى فوق اي الى الحياة الابدية .
ان اساس العقيدة المسيحية هــو مجيء ابن الله مــن فوق مــــن عند الاب حاملا رسالة الخلاص العظمى التي اعدها الله لخلاص العالم ، وفي الحال ومنذ بدء الانجيل أعلن عن هذه الرسالة التي حملها الابن الوحيد :" هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لايهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الابدية ." ( يوحنا 3: 16) .
وكان اول تعليم عن الخلاص قدمه السيد المسيح هو الكشف عن أن خلاص الانسان سيكون من نفس الباب والطريق الذي جاء المخلص ، مخاطبا الانسان ممثلا في معلمه نيقوديموس :" إن كان أحد لايولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله " (يوحنا 3: 3) .
وهكذا فتح المسيح الباب للخاطىء لينتمي الى فوق ، وأعد له الطريق بالفداء بالجسد على الصليب ثم القيامة ثم الصعود لينتقل انتماء الانسان نهائيا من اسفل الى فوق ، من الارض الى السماء ليصير مع المسيح . نعم نحن نعيش هذه القيامة مع المسيح لكي نحيى حياة ابدية سعيدة .[/b][/size][/font]