ديرك بيستمان كوته مؤلف الماني من اهم الناشطين من اجل السلام في الشرق الاوسط، والعاملين على فضح مرتكبي جرائم الحرب، يشرف ويشارك في عدة مؤسسات في هذا المعنى.
منذ بداية الانتفاضة الفلسطينية عام 1987، ثم تصاعدها مع بدء المفاوضات السلمية في التسعينيات من القرن الماضي، تزايد اهتمام الناس في المانيا بموضوع المسيحيين الفلسطينيين وشغلهم ايضاً اللاهوت في الاطار الفلسطيني. وجاء اصدار عمل ديرك بيستمان كوته في فترة تاريخية حرجة من احتدام الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني وتواصل الانتفاضة الفلسطينية الثانية
ومن هنا لم يتم تناول موضوع المسيحيين الفلسطينيين حتى الآن الا من في ضوء الصراع والحرب. ان الاطار الاجتماعي ـ الثقافي، الديمغرافي وكذلك السياسي لحياة المسيحيين الفلسطينيين لن يقرر الماضي، بل الحاضر والمستقبل كذلك. وعلى هذه القاعدة اقام كوته عمله، وعلى الرؤية الواعية والمصاغة بوضوح: مسيحيون فلسطينيون من اجل السلام والعدالة.
فعندما يعرف المسيحيون انفسهم بمبدعي السلام.. كتواصل لطروحات لاهوتييهم السابقين ـ يضعون نصب اعينهم ـ هذه المهمة كرؤية يعيشونها وليس كما قيل: بلاغة سهلة في خطاب عن السلام.
والوضع الجديد القائم لا يضع المسيحيين الفلسطينيين امام مهمة جديدة، بل والرأي العام العالمي ايضاً. فالمسيحيون الفلسطينيون لن يكتفوا بعد اليوم بالبلاغة السهلة في خطاب عن السلام ـ التي يرددها على اسماعهم اخوانهم واخواتهم في الدين ـ لتؤرشف في الاكاديميات والجامعات الالمانية اذ لم يعد بامكانهم السماح لأن يبقوا كموضوع للجدل العلمي، بل لابد من الممارسة العملية لما يقال.
يقتبس المؤلف من مقال في جريدة اللقاء بعنوان (بلاد التوراة بلادي) كتبه جريس سعد خوري: «الانسان، الارض واشجار الزيتون ثلاثية تشكل هوية الشعب الفلسطيني. ولا يمكن ان نسمح بخسارة اية زاوية منها».
انطلق ديرك كوته من هذا الثالوث كرؤية لعمله في تحديد هوية المسيحيين الفلسطينيين في البلاد المقدسة اجمالاً.
يتألف الكتاب من خمسة فصول ومقدمة ومدخل. يتناول الباحث في الفصلين الأول والثاني مدخلاً اجتماعياً ـ ثقافياً للهوية، التراث التاريخي ووضع المسيحيين الفلسطينيين الراهن.
يتناول الفصل الأول وضعهم السكاني كمجموعة دينية هامشية، اي كشريك يمكن التحدث معه من قبل الطرفين اليهود والمسلمين. ومن خلال طرح أربعة موضوعات اساسية تمكن من ـ كما يعتقد ـ الاحاطة بالتحديات والمخاطر وكذلك الآمال التي تواجه المسيحيين الفلسطينيين.
وتتلخص تلك الموضوعات، بالوضع الراهن داخل وبين المؤسسات الكنسية في البلاد المقدسة، مسألة الهجرة للمسيحيين الفلسطينيين، مسألة التعايش الفلسطيني الداخلي، ما هي الاثار التي نجمت، على مر القرون، عن تبعثر الكنيسة المتزايد في تشعبات لا حصر لها في البلاد المقدسة؟ واخيراً يجب تناول وضع المسيحيين في البلاد المقدسة في مواجهة الثقافة الغربية وحاملها المتمثل بالقوى الكولونيالية الاوروبية (وتاليا اميركا الشمالية)، منذ نهاية القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر،
ثم الحاق البلاد المقدسة بهذه القوى ويختتم الجزء التاريخي من الفصل الاول بالنقاش حول مساهمات المسيحيين في بعث الحركة القومية خلال الثقافة العربية للأمة ووضعهم في الساحة السياسية الفلسطينية والعربية تاريخياً وحاضراً.
في الفصل الثالث يتناول المؤلف الصراع في الشرق الاوسط منذ عام 1948 وملامح الوضع الراهن الناجمة عنه والتركيز في الاساس على وضع الفلسطينيين. ويتعرض لاقامة دولة اسرائيل ولنكبة الشعب الفلسطيني المرافقة لها. وتفاقم الوضع المتزايد بعد انتصار اسرائيل في (حرب الايام الستة)، عام 1967 واحتلال الجولان والضفة الغربية وغزة.
ويتناول في البحث ايضاً اوضاع الفلسطينيين حاملي الجنسية الاسرائيلية وحياة الفلسطينيين في المهجر. وفي هذا الجزء تلعب القناعات السياسية والايديولوجية كمقدمات في الجانب الاسرائيلي ما هو الاساس في فهم الوعي الصهيوني اليهودي للفلسطينيين وتقييمه لهم؟ ما هي الاسس التي يمكن طرحها لذلك الوعي الظاهر في الجانب اليهودي، وخاصة منذ عام 1967، لتناغم التقليد الديني، وأوهام القوة السياسية المفرطة مع العنف العدواني؟ اية علاقة لليمين الاسرائيلي مع الارض على المستوى البرلماني..
السياسي او على المستوى الديني القومي للنشاط الاستيطاني؟ كيف يبرر وخاصة المسيحيين الاصوليين الدعم الغربي للفلسطينيين من جهة ولساسة الاستيطان الاسرائيلي من جهة اخرى وماذا يعني كل ذلك بالنسبة للمسيحيين؟ وهل يمكن في النهاية افساح مجال واسع بعد انطلاق منظمة التحرير الفلسطينية وصعودها كممثلة وحيدة لمصالح الفلسطينيين تحت قيادة ياسر عرفات وابعد من ذلك للانتفاضة في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات وللعملية السلمية منذ عام 1993؟ ان خلاصة الزمن والسياسة اليومية في الشرق الاوسط توضح وتفسر ما تقدم طرحه في الفصل الاول حول القومية العربية والحركة الوطنية الفلسطينية، اذ لا يمكن تقدير الدور المميز الذي قام به المسيحيون الفلسطينيون في يقظة الفلسطينيين كوطن وكحركة وطنية ضمن التطور السياسي في الشرق الاوسط خلال القرن العشرين، ومشاركتهم في معاناة شعبهم وآلامه.
ويواصلون اليوم مقاسمة شركائهم في الوطن من المسلمين الآمال والخيبات، ونصب اعينهم الحياة السلمية الآمنة في وطنهم. فالى جانب التراث الثقافي المشترك للمسيحيين والمسلمين، هناك روابط التاريخ السياسي للفلسطينيين اجمالاً.
وفي الفصلين الرابع والخامس يتناول المؤلف الاطروحات العقائدية للمسيحيين الفلسطينيين وكذلك في الفكر المسيحي عامة والمكرس في السياق الفلسطيني. وهذا السياق ينبثق عن ترابط (الحياة والآلام) للمسيحيين الفلسطينيين: ذلك يعني المكانة الثقافية، الاجتماعية والسياسية الراهنة التي يشغلونها ضمن شعبهم.
في الفصل الرابع تجري محاولة رسم الخطوط العريضة للنقاط العقائدية الهامة وكذلك المستند الديني لعلاقتهم بأرضهم. وهنا يتم استعراض اهم المراكز الجغرافية ومؤسسات اللاهوت الفلسطيني، وقياساً على ذلك الخلفية التراثية لهوية المسيحيين الفلسطينيين القومية والدينية.
وفي الفصل الخامس يقدم المؤلف اهم اربعة مفكرين فلسطينيين والجدل الدائر حول طروحاتهم.
فمنذ 12 عاماً، اي منذ انتفاضة الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، استطاع الشعب الفلسطيني ان يفرض نفسه من قبل ممثليه بجدارة واضحة استدعت الاهتمام على المستوى العالمي. وجاءت الطروحات المبكرة والتي نشرت للمرة الأولى في اوروبا واميركا الشمالية من الياس شكور (اخوة الدم ـ نيويورك ـ 1984)، نعيم ستيفان عتيق ومتري راهب.
واثناء الانتفاضة صدر عن بطرك القدس ميشيل اسعد صباح (صلاة من اجل السلام في القدس ـ القدس ـ 1990) عالج فيه الوضع السياسي في اسرائيل ـ فلسطين وآفاق السلام الدائم في المنطقة ولاقى مؤلفه هذا صدى عالمياً ملحوظاً.
ويمكن الاشارة الى ان اللغة الالمانية اخذت تستقبل الفكر العقائدي المسيحي الفلسطيني منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي. واول عمل في هذا الصدد قدمته انا اليزابيث ـ فلميس عام 1991، كمقارنة مع بعض الفلسطينيين، في رسالة الدكتوراه النهائية ولم تنشر. وفي عام 1992 قدمت مارتينا سيبمان رسالتها حول نقد وتحليل اعمال نعيم ستيفان عتيق.
وفي عام 1993 اصدر توماس دام مقاربة وتقييم فكر التحرر الفلسطيني (من وجهة نظر الماني).
وفي عام 1999 جرى خلاف في الناصرة بين السكان المسلمين والمسيحيين وقد شرح المؤلف الخلاف على ارضية اصرار المسلمين بناء مسجد على قطعة ارض مجاورة لكنيسة. وحين اصدرت الحكومة الاسرائيلية قرارها بالسماح ببناء المسجد، احتفل المسلمون باستملاك قطعة الارض معتبرين ذلك انتصاراً لهم. وفي نفس الوقت وجه الفاتيكان رسالة احتجاج لرئيس الوزراء الاسرائيلي ـ باراك ـ كما دعى كافة رؤساء الكنائس المسيحية والجمعيات الخيرية في اسرائيل ـ فلسطين لاغلاق الكنائس ليوم واحد.
ولم يقتصر الامر على وسائل الاعلام الاسرائيلية بالاشارة الى هذا الحدث وبعناوين بارزة في الصحافة، بل تم تصوير المسلمين المنتصرين والمسيحيين الحزانى وعرضها التلفزيون الالماني، ومن الجدير بالاشارة ايضاً ان المسيحيين الذين تم تصويرهم واقفين امام كنيسة البشارة المغلقة كانوا من السواح والحجاج وليسوا من سكان الناصرة الفلسطينيين. وفي نفس العام نقل التلفزيون الالماني قداساً دينياً في عيد الميلاد من بيت لحم رعاه كل من الخوري متري راهب والاسقف منيب يونان. كل هذه الفعاليات جعلت من المسيحيين الفلسطينيين مجال استقطاب لرأي عام عالمي واسع. ولكن مازال هناك الكثير لفعله من اجل ادخال هويتهم في وعي الجمهور الواسع