كونفوشيوس


المحرر موضوع: كونفوشيوس  (زيارة 4764 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل رحيم العراقي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 372
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
كونفوشيوس
« في: 15:54 18/04/2006 »
مؤلف كتاب كونفوشيوس هو الباحث جوناتان كليمنتس المختص بفلسفة كونفوشيوس والحضارة الصينية القديمة. ومنذ البداية يقدم لنا لمحة تاريخية عامة عن هذا الرجل الفذ ويقول بما معناه: ولد حكيم الصين الكبير في مدينة صغيرة تقع شمال شرق الصين. وكان ذلك عام 551 أو 552 قبل الميلاد: أي قبل ألفين وخمسمئة وستين سنة تقريبا وحوالي ذلك الوقت ظهر بوذا في الهند، وفيثاغورث في اليونان، ونبوخذنصر في وادي الرافدين.
أما سقراط فقد ولد قبل موت كونفوشيوس ببضع سنوات. وهكذا نأخذ فكرة عن عصر ذلك الرجل الذي اثر على الصين كلها وطبعها بطابعه. فعندما تذكر الصين تذكر العقيدة الكونفوشيوسية.
ثم يضيف المؤلف قائلاً: ولا نعلم كثيرا عن طفولة كونفوشيوس سوى أنها كانت فقيرة وعادية. فقد مات أبوه وهو في الثالثة من عمره. وقد ربته امه الشابة. التي لا يتجاوز عمرها الثامنة عشرة.
وقد اضطر إلى العمل وهو صغير لكسب عيشه ومساعدة أمه. وكان يشتغل في صيد السمك أو صيد الحيوانات في البرية. وقد تزوج كونفوشيوس وهو في التاسعة عشرة من عمره، ورزق بولد في السنة التالية فسماه «لي» وهو يعني في اللغة الصينية: سمك الشبوط. وعندما بلغ كونفوشيوس الثانية والعشرين فتح مدرسة في عاصمة الإقليم الذي يسكنه.
ولم يكن يطلب من التلاميذ ان يدفعوا أجوراً إلا بحسب امكانياتهم. وكان يطالبهم ببذل بعض الجهد من أجل فهم الدروس وهضمها. وكان يعلّمهم مختلف المواد وبخاصة الشعر والموسيقى والتاريخ وأشياء أخرى.
وبعد سنتين من تدشين مدرسته ماتت أمه وعمرها لا يتجاوز الأربعين عاماً. وقد أراد كونفوشيوس أن يدفنها مع والده في القبر نفسه. ولكن والده كان قد مات منذ أكثر من عشرين سنة ولم يعد يعرف أين هو قبره!
ثم دلّته عليه امرأة عجوز. فنقل رفات والده ووضعها إلى جانب نعش أمه وقبرهما إلى جانب بعضهما بعضا. ورفع فوق قبرهما نصباً تذكارياً. وكان ذلك مناقضاً لعقائد الأقدمين في الصين. ويُقال إن صاعقة وقعت على القبر بعد مغادرة كونفوشيوس له، واستنتج الآخرون بأن الآلهة عاقبته لأنه انتهك قوانينها.
وعندما سمع بالخبر بكى كونفوشيوس. ويُقال إن أمير البلاد أقام حفلة عشاء ودعا إليها الشخصيات المهمة. وقد ذهب إليها كونفوشيوس ولكنهم ردّوه على الباب قائلين: أنت لست من الشخصيات المهمة، فما الذي جاء بك إلى هنا؟ وهكذا عاد أدراجه خائباً حزيناً، ولم يقل شيئاً.
ولكن هل كانوا سيتصرفون معه بالطريقة نفسها لو أنهم عرفوا أنه سيصبح لاحقاً أهم شخصية في تاريخ الصين كلها؟ وهكذا تنطبق على كونفوشيوس تلك العبارة الشهيرة «لا نبيّ في قومه»!
وعندما بلغ كونفوشيوس الثلاثين من عمره أصبح حكيماً وعالماً بمختلف أنواع العلوم. وأخذ الملوك والأمراء يدعونه إلى قصورهم لكي يتحدثوا معه ويأخذوا من علمه وحكمته. وقد عيّنوه قاضياً عندما بلغ الخمسين من العمر، وأصبح مسؤولاً عن إقامة حكم العدالة في منطقته.
وقد نجح في مهمته على أفضل وجه. ويُقال إنه أصلح نظام القضاء والعدالة في البلاد وجعله أكثر فعالية. ولكن نجاحه الباهر أدى إلى تألب الحساد عليه.
وهكذا فقد منصبه بسبب المؤامرات الدنيئة. فسافر في الأمصار بحثاً عن الدعم والتأييد من أجل مواصلة الإصلاحات في البلاد، سواء على مستوى الحكم أو على مستوى العدالة والإدارة والتعليم.
ثم يردف المؤلف قائلاً: ومعلوم أن أكثر شيء كان يزعج كونفوشيوس هو انعدام الحس الأخلاقي لدى البشر، حكاماً كانوا أو محكومين. ولذلك فإنه دعا للعودة إلى الطقوس الصينية القديمة، وكذلك إلى القيم الأخلاقية الرفيعة.
وكان يقول بما معناه: لقد خلَّف لنا حكماء الصين كنزاً من المبادئ والقواعد الأخلاقية التي إذا ما تقيدنا بها نجحنا في تنظيم المجتمع والدولة على أفضل وجه.
وكان يقول أيضاً: أهم شيء هو أن يكون الحكام قدوة ومثالاً لشعوبهم. فكلما كان الحاكم شخصاً محترماً، ذا قيم أخلاقية، ازداد إعجاب شعبه به وتقليده له وعندئذ تزدهر أمور الدولة والمجتمع وتسود السعادة.
كان حكيم الصين يقول إن على الإنسان أن يتقيد في سلوكه بخمس فضائل: الطيبة، الاستقامة، اللياقة والأدب، الحكمة، الوفاء والإخلاص، وكان يعتقد أيضاً أن احترام الأبوين والحياة والموت هي من الفضائل التي ينبغي أن يتحلى بها الإنسان، فالموت حق وينبغي أن ننحني أمامه لا أن نتذمر ونثور.
ولم يكتب كونفوشيوس تعاليمه بنفسه وإنما راح تلامذته يكتبونها نقلاً عنه. ويرى الصينيون أن الكتب الخمسة المعتمدة تشكل خلاصة العقيدة الكونفوشيوسية وهناك كتب أخرى تتحدث عن حياته، ولها القدسية نفسها بالنسبة للشعب الصيني.
ثم يضيف المؤلف قائلاً: لقد وصل كونفوشيوس إلى الشهرة في حياته وكان أهل زمانه يعتبرونه المفكر الكبير ولكن بعد موته تحول إلى قديس، أو أسطورة، أو شخص خارق للطبيعة.
قلنا سابقاً إن الحساد استطاعوا تأليب الأمير عليه فطرده من وظيفته كقاض للمحكمة وعزله. وعندئذ راح يسافر في الأمصار بحثاً عن ملك جديد يتفهمه ويعرف قيمة مواهبه. وعاش حياة التشرد والتسكع لمدة أربعة عشر عاماً. ثم عاد بعدئذ إلى مسقط رأسه لكي يكرس كل وقته لجمع النصوص الصينية القديمة. وظل يدرس الحكمة ويهتم بها حتى مات عام 479 قبل الميلاد. وهذا يعني أنه عاش سبعين عاماً.
والآن نطرح هذا السؤال: ما هي تعاليمه الأساسية يا ترى؟ ولماذا نال كل هذه الشهرة التي لا تعادلها أي شهرة أخرى في تاريخ الصين؟ في الواقع انه يصعب علينا أن نجيب على السؤال الأول لسبب بسيط: هو ان الشرّاح وشراح الشراح غطّوا على تعاليمه الأساسية إلى درجة أننا لم نعد نعرف ما هي بالضبط.
وهذا ما يحصل لكل العظماء في التاريخ، فهم يتحولون إلى أسطورة بعد موتهم. وعندئذ يبتدئ الناس بتقديسهم وتنظيمهم إلى درجة أنهم يفقدون إنسانيتهم: أقصد طابعهم الإنساني أو البشري بالأحرى»، ولهذا السبب نجد صعوبة في التوصل إلى كوفوشيوس الحقيقي.
ولكن كتاب «المحاورات» الذي وصلنا يساعدنا على فهم حياة هذا الحكيم الكبير وأفكاره. فهو يقص علينا حكاية حياته اليومية من خلال علاقته بتلامذته ومحاوراته التي لا تنتهي معهم. والواقع ان كونفوشيوس لم يكن فيلسوفاً صارماً على الطريقة اليونانية، وإنما كان كاتباً حراً ينتقل من موضوع إلى موضوع، ومن فكرة إلى فكرة بشكل عفوي.
ثم يردف المؤلف قائلاً ما معناه: كان كونفوشيوس يعتقد انه يستحيل على الإنسان أن يعيش في الغابة مع الطبيعة والوحوش الضارية، وبالتالي فهو بحاجة إلى أمثاله للعيش معهم في مجتمع البشر، ولكي يستطيع أن يعيش معهم بوئام وانسجام ينبغي عليه أن يتقيد ببعض القيم في سلوكه، وأهم هذه القيم هي الانسجام في العلاقات الاجتماعية،
نقول ذلك ونحن نعلم ان الصين في وقته كانت محكومة من قبل سلالات ملكية متناحرة ومتباغضة وهذا ما يجعل الحياة صعبة ومليئة بالمشاكل والواقع انه لم تعد هناك سلالة كبرى تفرض نفسها على الجميع وتحل الوئام والسلام في المجتمع بعد انهيار سلالة «زهاو» التي كانت توحد الصين وتتلقى الأوامر من السماء!
وبالتالي فان كونفوشيوس كان يريد ان يعيد الناس إلى التوحد ونبذ الفرقة والشقاق عن طريق الإيمان بالسماء، فالسماء هي التي تخلع المشروعية على سلطة الإمبراطور العادل والطيب والفاضل وعلى الرغم من ان كونفوشيوس كان يقول بأنه لم يضف أي شيء جديد إلى تعاليم القدماء من حكماء الصين إلا انه نشر كتاباتهم طبقاً لذوقه ومزاجه وقد أسس ما يدعوه المؤرخون بالنزعة الإنسانية الصينية.
فقد وضع الإنسان مصيره وسعادته في مركز اهتماماته ورفض ان يتحدث عن الموت او ما بعد الموت فسعادة الإنسان على هذه الأرض كانت شغله الشاغل وعلى الرغم من انه لم يؤسس ديناً بالمعنى العربي او الغربي للكلمة إلا ان الصينيين اعتبروه نبياً بعد موته وأصبحوا يتبعون وصاياه وكأنها تعاليم دينية وبالتالي فمرتبته لديهم ليست اقل من مرتبة الأنبياء لدى اتباع دين التوحيد.
كل ما فعله كونفوشيوس هو انه حاول تأسيس أخلاق وضعية منظمة عن طريق الشعائر والطقوس ومنتعشة بواسطة الصدق والإخلاص. وكان يركز على أهمية الدراسة والعلم والنزاهة والاستقامة باعتبارها من اهم الفضائل التي ينبغي أن يتحلى بها الإنسان.
ولذلك فان الشعب الصيني ظل يحترمه ويعتبره المربي الاكبر له على مدار القرون واستمرت عملية تبجيله وتعظيمه حتى حصلت الثورة الشيوعية بقيادة ماوتسي تونغ وبعدئذ راحوا يعتبرونه قديما، رجعياً، متخلفاً ولكن هذا الموقف السلبي انتهى الآن، ثم انه لم يشمل أغلبية الصينيين في أي يوم من الأيام.
ثم يردف المؤلف قائلاً: والغريب العجيب هو اننا عندما نقرأ كتاب «المحاورات» المنسوب اليه لا نجد فيه اي افتخار بالذات ولا أي تبجح أو غرور. على العكس، فأننا نجد انه لا يعتبر نفسه معلماً للأجيال ولا يطلب من تلامذته اتباعه على الخط نفسه بدون أي مناقشة.
وانما كان يطالبهم بتنمية الحس النقدي لديهم وعدم اتباعه بشكل أعمى . كان يريد لهم ان يصبحوا أساتذة بدورهم لكي يفكروا بأنفسهم.
وكان يهدف أيضاً الى تنمية التفكير الذاتي أو الشخصي لدى تلامذته فلا يظلون عالة عليه، كان يعجبه التلميذ الذي يختلف عن استاذه أو يتفوق عليه، وكان يقول: لقد كشفت عن زاوية واحدة من زوايا الواقع.
وما على التلميذ إلا ان يكشف عن الزوايا الثلاث المتبقية. واذا لم يستطع أن يفعل ذلك فإنه سوف يظل مقلداً وتابعاً لاستاذه، وهذا شيء سلبي فالتلميذ الذي لا يتفوق على استاذه ليس تلميذاً نجيباً.
وبعد موته استمرت عقيدة كوفوشيوس في الوجود بل وانتشرت في الشرق الاقصى خارج حدود الصين. وقد جمع تلامذته وتلامذة تلامذته تعاليمه الشفهية في كتب معينة. وقد اختارتها سلالة «الهان» بصفتها العقيدة الرسمية للامبراطورية الصينية.
واستمرت الامور على هذا النحو حتى سقوط الامبراطورية الصينية عام 1911 وحلول النظام الجمهوري الحديث محلها، ولكن بعضهم يعتقدون ان الفلسفة الكونفوشيوسية لاتزال هي عقيدة أغلبية الصينيين الكوريين والجنوبيين وبعض الآخرين وبالتالي فهي من أشهر العقائد في العالم.