نيكولا كوبرنيكوس


المحرر موضوع: نيكولا كوبرنيكوس  (زيارة 6340 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل رحيم العراقي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 372
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
نيكولا كوبرنيكوس
« في: 11:35 20/04/2006 »
مؤلفا كتاب : نيكولا كوبرنيكوس تحويل الأرض إلى كوكب هما الباحثان أوين جنجيريش وجيمس ماكلاشلان المختصان بتاريخ العلوم بشكل عام وفكر كوبرنيكوس وثورته المعرفية على وجه الخصوص. وهما هنا يقدمان فكرة عن حياته وأعماله ويقولان بما معناه: ولد نيكولا كوبرنيكوس يوم التاسع عشر من شهر فبراير عام 1473 في مدينة بولونية تدعى تورون، ومات عام 1543 في مدينة أخرى تدعى فرومبورك.
وهذا يعني أنه عاش سبعين سنة وهو عمر طويل بالنسبة لذلك الزمان. فقد ولد كوبرنيكوس في عائلة من التجار والموظفين. ولكن والده مات مبكرا عام 1483 أي عندما كان عمره عشرة أعوام فقط. فتبناه خاله مطران مدينة كراكوفيا وسهر على صحته وتعليمه. وقد حرص على إدخاله أفضل المدراس والجامعات. وفي عام 1491 دخل جامعة كراكوفيا حيث درس الصناعات والحرف ولكن دون أن ينال أي شهادة.
وقبل أن يترك مدينة تورون عينه خاله كاهنا قانونيا في مدينة فرومبورك حيث أشرف على الشؤون المالية للكنيسة ولكن دون أي مسؤولية دينية. ثم سافر بعدئذ إلى إيطاليا حيث درس القانون الشرعي المسيحي والطب في جامعة بولونيا. كما درس بعدئذ علم الفلك على يد عالم كبير يدعى دومينيكو ماريا نوفارا. وكان أول عالم يطرح الشكوك على نظرية بطليموس السائدة منذ مئات السنين والقائلة إن الشمس تدور حول الأرض وأن الأرض هي مركز الكون.
ومنذ البداية راح كوبرنيكوس يهتم بعلم الجغرافيا والفلك اهتماما خاصا متزايدا. وقد شجعه أستاذه على تعميق معارفه في هذا الميدان. وقد راحا كلاهما يقومان بتجارب علمية عديدة عن طريق مراقبة السماء ككسوف القمر مثلا وسوى ذلك.ثم يردف المؤلفان قائلين:وبعدئذ أصبح كوبرنيكوس أستاذا للرياضيات ومحاضراً في علم الفلك في روما عام 1500 قبل أن يعود في السنة التالية إلى فرونبورغ. ثم عاد بعدئذ إلى إيطاليا لإكمال دراساته في علم القانون والطب في جامعة بادوا، وهي الجامعة التي درّس فيها غاليليو علم الفيزياء والفلك بعد مائة سنة من ذلك التاريخ.
وبعد أن أكمل دراساته أنشأ مركزا لمراقبة النجوم في مدينة فرونبورغ وانخرط في بحوثه وتجاربه العلمية لسنوات طويلة. وكان كوبرنيكوس يجيد اللاتينية تماما. وهي لغة العلم والفكر في ذلك الزمان. وقد نشر أول كتاب له فيها عن الأخلاق. ولكن كتابه هذا لن ينشر إلا بعد ثلاثة أو أربعة قرون: أي في القرن التاسع عشر. وفي هذا الكتاب عرض أفكاره الأساسية عن علم الفلك. وقال إن الشمس هي مركز الكون وليس الأرض. وقد أذهلت هذه الفكرة كل علماء عصره ولم يصدقوها في البداية.
ولكن كوبرنيكوس لم ينجز كتابه الكبير عن ثورات الأفلاك السماوية إلا عام 1530. ولم ينشره إلا يوم 24 مايو عام 1543 أي وهو على فراش الاحتضار. وقد فعل ذلك عن قصد لكيلا تصيبه الكنيسة بأذى أو تلاحقه. فماذا يمكن أن تفعل به وهو يموت؟ فقد كان يعرف أنه يزعزع الأفكار السائدة في عصره عن بنية الكون بسمائه وأرضه.
ومعلوم أن الكنيسة المسيحية كانت قد تبنت منذ قرون عديدة نظرية بطليموس وأرسطو عن تركيبة الكون، وهي النظرية التي تقول إن الأرض هي مركز الكون وأن الشمس تدور حولها كما هو ظاهر للعين المجردة. وخلعت الكنيسة على هذا الاعتقاد طابع التقديس الديني. واعتبرت أن كل من يشكك بها كافرا أو ملحدا. وبالتالي فجزاؤه في محاكم التفتيش القتل والموت حرقا هو وكتبه.لهذا السبب كان كوبرنيكوس حذراً جداً، فلم ينشر كتابه الكبير إلا في يوم موته.
أو قل إنه أوصى الناشر بأن يتأخر في نشره حتى مرض وشعر باقتراب الموت فصادف أن تم نشره في يوم الاحتضار بالذات. وهكذا أدى هذا العالم الجليل رسالته ثم مضى.
ومعلوم أن فلسفة أرسطو كانت تحظى بالتقديس في العالم المسيحي بعد أن تبناها القديس توما الأكويني وصالح بينها وبين العقيدة المسيحية. وكانت نظرية أرسطو تقول ما يلي: الأرض هي مركز الكون وكل الأفلاك والنجوم الأخرى تدور حولها كالقمر وعطارد، والزهرة، والشمس، وكل شيء.
وبالتالي فهذه العقيدة التي سيطرت على عقلية الناس طيلة ألفي سنة لم يكن من السهل على أحد أن يضعها موضع الشك أو ينقضها. كان ذلك بمثابة العدوان على عقائد البشر وإيمانهم. ولهذا السبب تعرض غاليليو للمحاكمة حتى بعد مائة سنة من موت سلفه العظيم كوبرنيكوس. ولم ينج برأسه إلا بعد أن تراجع عن النظرية الجديدة.
والواقع أن محاكم التفتيش لم تكن تمزح آنذاك فيما يخص الشؤون العقائدية. فأي انحراف عن مبادئ الكنيسة وأفكارها كان يعتبر خروجا على الدين. ولذلك خاف ديكارت بعد أن سمع بمحاكمة غاليليو وأجل نشر كتابه الشهير: مقال في المنهج. وهو كتاب يؤيد نظرية كوبرنيكوس عن أصل الكون وتركيبته. ولم ينشره إلا لاحقا وباسم مستعار أو حتى بدون اسم. وهكذا تحاشى الملاحقة الكنسية له.
نقول ذلك ونحن نعلم أن نظرية الكون الارسطوطاليسية كانت قد اعتمدت من قبل عالم الجغرافيا بطليموس. وهو عالم ظهر في القرن الثاني للميلاد، أي بعد موت أرسطو بستمائة أو سبعمائة سنة. وهو الذي ألف الكتاب الشهير باسم: كتاب المجسطي حوالي عام 141 ميلادية، وقد ترجمه العرب في العصر الكلاسيكي، وفيه يشرح نظريته عن الكون. وقد تحولت إلى حقيقة مطلقة منذ ذلك الوقت وحتى عصر النهضة قبل أن يظهر كوبرنيكوس وينقضها.
وقد أحدث ذلك دويا هائلا في ذلك الزمان. فمن يستطيع أن ينقض الحقيقة المطلقة والمقدسة التي تهيمن على وعي الملايين منذ مئات السنين؟ حقا لقد كان كوبرنيكوس ثوريا من الطراز الأول إذ تجرأ على تغيير نظرتنا للكون والرؤيا العامة للعالم. نقول ذلك وبخاصة أن هذه الرؤيا كانت راسخة في الوعي الجماعي منذ عشرين قرناً. فهل هناك ثورة معرفية أكبر من ذلك يا ترى؟
ثم يردف المؤلفان قائلين: في الواقع أن نظيرة كوبرنيكوس تقوم على الملاحظة الفلكية الدقيقة بواسطة المراصد العلمية وليس على العين المجردة والأحاسيس التي قد تغشنا كما هو معلوم. فظاهريا نلاحظ بالعين المجردة أن الشمس هي التي تدور حول الأرض لأنها تشرق صباحا من الشرق وتغرب مساء في الغرب.
وبالتالي فهي التي تتحرك وليس الأرض. ولكن المظاهر خادعة. فنحن لا نستطيع أن نحس بحركة الأرض ولا أن نراها لأننا نقف عليها. ولكننا لو كنا نقف على سطح كوكب آخر لرأيناها تدور وتتحرك. والواقع أنها تدور حول محورها دورة واحدة كل يوم. كما أنها تدور حول الشمس دورة واحدة كل سنة.
وبالتالي فهي تدور مرتين لا مرة واحدة. ثم أكد كوبرنيكوس على الحقيقة التالية، وهي أن جميع الكواكب الأخرى تدور حول الشمس أيضا مثلما تفعل الأرض. وبالتالي فالشمس هي مركز الكون وليس الأرض. فيما بعد اكتشف العلماء عن طريق مراصد أكبر وأضخم أن هناك شموسا أخرى في الكون غير شمسنا وأن هناك مجرات غير مجرتنا، ولكن هذه مسألة أخرى. ويكفي كوبرنيكوس ما استطاع أن يتوصل إليه في عصره، فلولا اكتشافاته المذهلة الرائدة لما حصلت الاكتشافات اللاحقة.
وكما كان متوقعا فإن معظم علماء القرن السادس عشر رفضوا نظرية كوبرنيكوس. وحدهم عشرة فقط من كبار الباحثين أيدوها واعترفوا بصحتها. ولكن ربما كان هناك علماء يقفون معها دون أن يتجرأوا على إعلان ذلك صراحة خوفا من الكنيسة ومحاكم التفتيش. وفي عام 1588، أي بعد أربعين سنة أو أكثر من موت كوبرنيكوس، ظهر عالم دانماركي كبير يدعى تيشو براهمي.
وقد اعترف بصحة بعض مبادئ نظرية كوبرنيكوس ورفض بعضها الآخر. ولكن الكنيسة المسيحية الكاثوليكية رفضت النظرية جملة وتفصيلا عام 1616 وأدانتها بشكل رسمي عن طريق فتوى لاهوتية. وفي ذات الوقت كان غاليليو من أكبر المتحمسين لها ولذلك أدانته الكنيسة هو الآخر بدوره ..