الأخوات والأخوة ألأعزاء
السلام عليكم
وردني الجواب التالي من سعادة الأخ محيي ألخطيب سفير العراق في اليونسكو ، ويهم هذا الجواب كل عراقي غيور ، وأنصح بقراءته كاملا".
تحياتي للجميع
طعمة ألسعدي 26 10 2009
أعزائي
انتهز فرصة تباطؤ أعمال المؤتمر العام لليونسكو الذي يحضر جلساته وفد عراقي كبير لأكتب لكم عن موضوع قريب إلى قلبي أتشرف بأنني ساهمت به مع أخوات وأخوة أعزاء علي هم أفضل من في بلادنا العظيمة في مجال اختصاصهم كالسفير والخبير المائي الشهير الدكتور حسن الجنابي ممثل جمهورية العراق لدى منظمة الغذاء والزراعة الدولية حاليا والأستاذ المهندس عزام علوش الذي أعد بالتعاون مع وزارة البيئة الايطالية المشروع الرائد ( المنتزه الوطني لمنطقة أهوار بلاد الرافدين) نيابة عن " المعهد العراقي " في واشنطن والشهيدة المهندسة المأسوف على شبابها نداء كاظم التي اغتيلت وهي تؤدي واجبها في المشروع الذي كرست حياتها لإنجاحه نيابة عن ( وزارة الأشغال والاسكان ) التي كانت تعمل فيها ، يشاركها فريق عمل كبير من وزارتين اخريتين هما وزارتي ( الموارد المائية، والبيئة). ضم كوكبة خيرة من الخبراء والمهندسين الذين اكدو بحماسهم وولائهم لبلدهم وللمشروع، بان مستقبل العراق مليء بالأمل.
تفضل الاخ العزيز ( طعمة السعدي) باطلاعكم على معظم الحقائق والأرقام التي تتصل بالمشروع وترك لي شباك اطل منه عليكم ببقية المعلومات التي لاغنى عنها للإحاطة الكاملة بنشاط "لجنة التراث العالمي " عامة ومحاولة تسجيل موقع الاهوار الطبيعي على لائحة التراث العالمي، خاصة.
كيف تسجل المواقع على لائحة التراث العالمي :
1- تقوم وزارة الثقافة ( أو أي جهة ثقافية رسمية اخرى) بتزويد ( مركز التراث العالمي) في اليونسكو بقائمة تمهيدية ( Tentative List) للمواقع "الثقافية " و " الطبيعية" أو المختلطة أي ثقافية وطبيعية معا.
2- تتفحص لجنة مختصة في مركز التراث القائمة التمهيدية، فتعتمدها أو ترفضها حسب المقاييس المتبعة في اليونسكو.
3- في حالة رغبة البلد تقديم موقع أو أكثر لـ " لجنة التراث العالمي " لاجتماعها السنوي الذي يعقد عادة في شهر تموز من كل عام ، يقوم البلد المعني أولا بتشكيل لجنة فنية تضم اثاريين ومهندسين معماريين ومدنيين وعلماء تاريخ لإعداد الملف الخاص بالموقع، ويستغرق ذلك حوالي العام، ويشرف ( مركز التراث العالمي) في باريس على كافة مراحل إعداد الملف ، حتى ميعاد تقديمه (شاركت مع فريق العمل الخاص بسامراء الذي احضر تقريره النهائي واجتمع لمدة أسبوع في مبنى ( مركز التراث العالمي) في باريس باشراف خبير في الحضارة العباسية من المتحف البريطاني لوضع اللمسات الأخيرة على التقرير).
4- بعد قناعة ( مركز التراث العالمي ) بأن الملف جاهز للتقديم تحيله إلى لجنة مختصة لدراسته بعناية في شهر شباط من كل عام لإتاحة الفرصة الكاملة للدولة المعنية إجراء التعديلات اللازمة عليه قبل تقديمه إلى " لجنة التراث العالمي" في شهر تموز.
5- الجدير بالذكر ان قائمة العراق التمهيدية تضم بالإضافة إلى الاهوار – كل من أور. بابل. واسط. الاخيضر. نمرود. ونينوى.
أما قلعة اربيل فان حكومة إقليم كردستان وبالتعاون مع مكتب اليونسكو/ العراق ومقره عمان تحرز تقدما ملحوظا في القيام بأعمال الصيانة اللازمة وتهيئة القلعة للإدراج على القائمة التمهيدية أولا، وصولا إلى وضعها على لائحة التراث العالمي قريبا.
وتقول منظمة اليونسكو إن في العراق حوالي عشرة آلاف موقع اثري لم تجر على معظمها تنقيبات علمية مكثفة ، أما مديرة متحف برلين الذي توجد فيه " باب عشتار الاصلية" فقد كتبت تقول بان بابل وحدها تحتاج إلى خمسمائة عام متواصلة من التنقيبات العلمية للكشف عن الحلقات المفقودة للحضارة الإنسانية.
قدمت وزارة الثقافة مشروع " المنتزه الوطني لمنطقة اهوار بلاد الرافدين " لوضعه على القائمة التمهيدية ، وحظي الخبر منذ إذاعته باهتمام واسع، فالدول الغربية تنظر الى هذه المنطقة نظرة فيها نوع من القداسة على اعتبار أنها " جنة عدن" كما جاء في التوراة، إضافة إلى كونها موقعا ثقافيا وطبيعيا متميزا لا يوجد له شبيه في العالم من حيث القدم والتفرد بوجود نمط معين مستمر من العيش لمدة خمسة الاف سنة دون انقطاع إلا على عهد الطاغية.
وطرح ( برنامج البيئة) التابع للأمم المتحدة خطة لوضع الاهوار على لائحة التراث العالمي بالتعاون مع اليونسكو . وقال خبراء تابعون للبرنامج بان الاهوار قد تضيع تماما خلال خمس سنوات إذا لم تتخذ إجراءات عاجلة وحاسمة لحل أزمة شحة المياه.
ويأتي هذا القلق المشروع من أن الاهوار تكبر وتصغر حسب كمية المياه الواردة اليها من تركيا بالدرجة الأولى، وإيران بدرجة اقل ( هور الحويزة المجاور لإيران هو الذي يتأثر فقط بشحة المياه الإيرانية).
اما عراقيا ، فان الاهتمام بهذه المنطقة بدأ بعد سقوط النظام في نيسان 2003 مباشرة، وكان اول اجراء حكومي في هذا الباب هدم السد الكبير الذي كان النظام قد وضعه على الفرات لتحويل مياهه الى دجلة وحرمان الاهوار من مياهه المعتادة على مر القرون، مما أدى الى تجفيفها بالكامل.
قدم خبراء ايطاليون إلى العراق عام 2003 ، واهتموا منذ البداية بالاهوار، وباشرت وزارة البيئة الايطالية اتصالاتها بالجهات العراقية المسؤولة عن الاهوار عارضة مساعدتها للنهوض بالمنطقة سيما وان للايطاليين تجربة طويلة مع مناطق جغرافية مشابهة في بلادهم ،ومع الجاموس ( لديهم 300 ألف رأس في منطقة نابولي وحدها) يصنعون من حليبها أفضل الاجبان الايطالية الشهيرة لـ ( الموتزريلا، الريكوتا والبارميجان).
وبعد دراسات مستفيضة وضع الايطاليون تصورهم حول المشروع بالتعاون مع الوزارات العراقية الثلاث وزارة البيئة ، وزارة الإشغال العامة ووزارة الموارد المائية ومعهد واشنطن ( بشخص المهندس عزام علوش) . عنوان المشروع :
المنتزه الوطني لمنطقة اهوار بلاد الرافدين Mesopotamian Marshlands National Park طرحت وزارة البيئة الايطالية خطة لإنشاء منتزه وطني في منطقة الاهوار وذلك بهدف حماية وإعادة تأهيل المناطق الطبيعية لتلك المنطقة، وقسم المشروع إلى ثلاث مراحل :
نيسان 2007 – دراسة
نيسان 2008 – مشروع خطة العمل
نيسان 2008 – نيسان 2009 : تطوير برنامج العمليات
ان الهدف الرئيسي لهذا المشروع هو خلق روابط وثيقة بين حماية البيئة والتراث الثقافي والعمل على تعزيز التنمية المستدامة الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك تحسين الأوضاع المعيشية للسكان المحليين، بحيث يتم إشراكهم في تنفيذ المشاريع والذي بدوره سيساعد على نجاح الخطة وإنشاء مناطق محمية بمساعدة هؤلاء السكان أنفسهم.
ويشمل المشروع عملية تعزيز النشاطات التقليدية كصيد السمك، الزراعة، تربية الجواميس والتأكيد على استغلال الموارد الطبيعية داخل المنتزه والمناطق المحيطة به، وبالنتيجة ستنشط المنطقة اقتصاديا وسياحيا.
ان إنجاح هذا المشروع سيكون مثالا يحتذى به في المناطق الأخرى، وسيعزز أيضا من القيمة المميزة لمنطقة الاهوار.
القسم الأول:
حماية تربية الجواميس وتكثيرها، تعزيز صناعة إنتاج الألبان، توسيع الخدمات البيطرية، وضع خطة للتسويق وإنشاء مزارع لتربية الاسماك.
القسم الثاني:
إعادة تأهيل غابات النخيل، والبدء بزراعة كثيفة للنخيل عن طريق الفسائل والاستنساخ، وتنمية صناعة التمور، والصناعات والمنتجات الأخرى المتعلقة بالتمور والنخيل، وسينتج عن كل ماتقدم تنشيط منطقة الاهوار اقتصاديا .
القسم الثالث :
إنشاء مركز لتطوير وتنمية الحياة البرية : ان الإهمال الذي تعرضت له المنطقة وتجفيف المياه، أدى إلى هروب الطيور النادرة التي كانت متواجدة في المنطقة بالإضافة إلى طيور الهجرات الموسمية عبر القارات . ان إعادة إحياء المنطقة سيؤدي إلى عودة تلك الطيور النادرة وسيؤدي ذلك إلى تنشيط السياحة في المنطقة . وستعزز تلك الخطة بالأبحاث العلمية الخاصة بحماية الطبيعة والإعشاب والنباتات الطبيعية.
القسم الرابع :
خطة التربية البيئية : ان حماية الموارد البيئية تتطلب توعية وتغير في سلوك السكان، لذلك يجب وضع برنامج لتوعية السكان وتعليمهم كيفية حماية بيئتهم ومردود ذلك على حياتهم. ان تغيير سلوك السكان سيكون واحدا من أهم عناصر إنجاح هذا المشروع الحيوي.
هذا ماتم حتى الان، وهو بمعظمه ايجابي، وهاأنا أتحدث عن الجانب السلبي :
هناك عوامل أساسية تحول دون تسجيل " موقع الاهوار " الان على لائحة التراث العالمي، وربما لوقت طويل قادم أوضحها كالاتي:
1- شحة المياه : العراق دولة المصب للنهرين الخالدين الفرات ودجلة وكما يجري في معظم الحالات، فان دولة المنبع تتحكم في كميات المياه المتدفقة إلى دولة المصب والى دول الطريق _ كما هو الحال مع سوريا)، فتركيا هي التي تحدد كمية المياه إلى البلدين، كما أن دولة الطريق سورية تؤثر في المقدار الباقي الذي سيدخل العراق بعد استهلاك حاجاتها منه، كما ونوعا. وخلاصة الامر : ان الاهوار تكون أو لا تكون ... تصغر وتكبر وفقا لكميات المياه الواردة إليها من تركيا وسوريا. وبالنسبة لإيران ينطبق ذلك حصريا على ( هور الحويزة ) الذي يقع على الحدود حيث تتحكم دولة المنبع ( إيران) بكمية مايصله من مياه.
والأخطر من كل ماتقدم ، فان المياه التي تحملها الانهار كانت منذ بدء الخليقة ملكا للدول التي يمر بها النهر ويحكم تدفقها عادة اتفاقيات تنظم الكميات التي يستهلكها كل بلد للاستعمالات البشرية والزراعية، ولكننا بدأنا نسمع لأول مرة – أن تركيا تحاول بكل الطرق ( إقناع) الحكومة العراقية دفع عوض مادي عن المياه التي تدخل الأراضي العراقية بإحدى الطرق التالية : نفط خام. غاز طبيعي. أموال. أو شراء طاقة كهربائية مولدة من السدود المقامة على الرافدين بسعر مجز لتركيا.
وسيشكل ذلك – ان حدث – سابقة تاريخية دولية خطيرة لها أبعادها التي ستؤثر على كيفية تعامل الدول المتشاطئة على كثير من انهار العالم ، مع بعضها... ان تركيا تريد تحويل الماء الى سلعة Commodity)) بعد ان كان هبة الطبيعة للإنسان على مر العصور.
وتحسبا للتغييرات المناخية، أو التقلب في كميات المطر التي تسقط على المنابع، وتفاوت كميات الثلوج التي تتعرض للذوبان في فصل الصيف من كل عام، قامت تركيا ببناء خمسة خزانات هائلة للمياه تضمن لها استهلاك حاجاتها السنوية المعتادة من المياه دون وجل، بعكس العراق الذي لابد له وان ينتظر الرحمة التركية ، أو الإيرانية .
ومما يزيد الأمر سوءا، أن دول المصب، وبالرغم من تعاطف القانون الدولي والمجتمع الدولي معها.. فان المحاكم الدولية المختصة إذا أصدرت قرارات لصالحها، فأن دول المنبع نادرا ما تنفذها أو تخضع لها، ولا أدل على ذلك من مشكلة مياه نهر كولورادو الذي ينبع من جبال في الغرب الأمريكي، ويصب في المكسيك ... فعلى الرغم من ان محكمة (أمريكية) حكمت لصالح المكسيك مرتين، إلا ان القرار لم يأخذ طريقه إلى التنفيذ .
بل أن الـ Wetland ( أي المستنقعات) التي كان يؤلفها نهر كولورادو عند دخوله المكسيك جفت منذ وقت طويل بعد ان حولت الولايات المتحدة مياه النهر إلى مدينة لاس فيغاس الشهيرة التي أنشأت في وسط صحرا نيفادا، وتحتاج إلى كميات هائلة من المياه.
هانحن نصل إلى الحقيقة المؤلمة..
الاهوار في قمة ازدهارها لم يسكنها أكثر من نصف مليون إنسان... وعندما نفذ النظام المقبور عملية التجفيف رحل الجميع إلى ريف البصرة، ومدينة الصدر في بغداد فكانت هجرة جماعية كاملة.. وبدأ المهاجرون يعتادون حياة المدن وخدماتها وسهولة أعمالها، مقارنة بالحياة القاسية السابقة التي تقوم على جمع القصب والبردي المادة الأساسية الأولى لبناء البيوت والحصران، وصيد السمك بالفالة وتربية الجاموس والسكن في أكواخ بالية دون كهرباء ومجاري ومياه صافية، كما ان أولادهم بدأوا يرتادون مدارس عامرة عوضا عن أكواخ الطين السابقة، وأصبحت الرعاية الصحية أفضل بكثير من السابق.
اخبرني الأخ المهندس عزام علوش هاتفيا بالأمس بأن ( هجرة ثانية) بدأت على نطاق واسع إلى المدن المجاورة وبغداد، لان المياه تناقضت بشكل خطير وان إدامة الحياة التي تعتمد على الماء في كل شيء أصبح شبه متعذر، وان 500 عائلة هاجرت للمرة الثانية خلال الأسبوعين الاخيرين.
محاولة عراقية لمعالجة شحة مياه الاهوار:
لابديل جدي لإنعاش الاهوار من تدفق المياه بمعدلات معقولة من تركيا، وايران، ولكن البلدين لايقومان بذلك في الوقت الحاضر، وعليه هناك محاولة عراقية لإيصال مياه المبازل الرئيسية في (اليوسيفية) إلى الناصرية تعزيزا لمياه الاهوار بالرغم من إنها مياه عالية الملوحة. وهناك مشروع اخر مازال قيد الدرس لوصل مياه بحيرة ( الدملج) الاصطناعية في الديوانية بهور الحمّار عن طريق قناة تحفر لهذا الغرض.
2- عوامل أخرى : تحدثنا بإسهاب عن عامل ( شحة المياه) في شل حياة سكان الاهوار لان الماء هو البيئة الوحيدة لكل ماتقوم عليه الحياة: القصب. البردي. السمك. الجاموس. الطيور المهاجرة، وبدونه لاحياة، ولا ( موقع طبيعي) للتسجيل على قائمة التراث سيما بعد ان بدأ الناس بالهجرة عنه من جديد.
ولكن هناك عوامل أخرى تؤثر على تراجع أهمية الموقع واحتمالات تسجيله على لائحة التراث :
أ- أن مشروع ( المنتزه الوطني لمنطقة اهوار بلاد الرافدين) مازال حبرا على ورق.. وحتى لو كان بناؤه قد اكتمل الان، فان شحة المياه ستقضي عليه وعلى ازدهاره.
ب- انعدام الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء الصافي والمجاري والفنادق والطرق الحديثة الموصلة إليه التي هي أساس صناعة السياحة المعاصرة.
ج- زرت الاهوار شخصيا مع زوجتي عام 1966 بصحبة الدبلوماسيين الأجانب يوم كنت موظفا في دائرة التشريفات والمراسم بوزارة الخارجية . أخذنا الضيوف بالقطار إلى الناصرية ، وكنا نسلك يوميا طرق طينية وعرة إلى الجبايش بالباصات، ونعود إلى القطار ليلا لننام فيه لعدم وجود أي فندق لائق.. ولعل الحالة الان ازدادت سوءا.
د- قلة الوعي لدى مسؤولي المحافظات المحاددة للاهوار بأهمية منطقتهم التاريخية والسياحية، وعدم وجود تنميتها والنهوض بها على قائمة أولوياتهم.
هـ- والحقيقة ان هذا الوعي مفقود كذلك لدى مسؤولين كثر في بغداد ذاتها .. وقد استنكر رئيس كتلة نيابية منحه وزارة الثقافة المسؤلة عن كل هذه المواقع وتساءل بمرارة لماذا تعطوني وزارة حقيرة؟ هذه وزارة الجمبارات!!
و - أن المواقع العراقية الثلاثة المسجلة على قائمة التراث الحضر وآشور ( قلعة الشرقاط ) وعاصمة العباسيين في سامراء مهملة وفي حالة يرثى لها. وجميعها مدرجة على لائحة المواقع المهددة بالخطر.. لأنها كذلك فعلا..
فمثلا : حدث أن اختبأ إرهابيون في قمة الملوية عام 2006 ولم يجد ملاحقيهم بديلا عن قصفهم في مخبأهم مما أدى إلى تهدم جزء مهم من الملوية ، كما ان المياه تسربت إلى موقع آشور، دون ان تستطيع السلطات المختصة حمايته.
وفضلا عن هذا وذاك ، وبما ان الامين العام للأمم المتحدة كان قد أصدر أوامره بجلاء كافة الموظفين الدوليين عن العراق بعد اغتيال السفير دميلو رئيس مكتب الممثل المقيم للأمم المتحدة في بغداد عام 2003، والتي ما زالت نافذة المفعول، فأن موظفي اليونسكو وموظفي " مركز التراث العالمي " في باريس، وموظفي " المجلس الدولي للنصب والمواقع الاثرية ICCOMOS " ومقره باريس أيضا لم يزوروا تلك المواقع منذ سقوط النظام وحتى الان، وبالتالي لم يصدر تقرير فني موضوعي عن حالة المواقع العراقية الثلاثة، وليست هناك خطط جدية – لصيانتها ، والعناية بها، حتى الان.
ولابد من إعلامكم بأني بعد ان مثلت بلادي في اجتماعات " لجنة التراث العالمي " الذي انعقد في نيوزيلنده عام 2007 وقعت وثيقة نيابة عن حكومتي أتعهد فيها بان الموقع أصبح ملكا للإنسانية جمعاء بعد ادارجه على لائحة التراث، وان علينا مراعاة عدم اجراء أية تغييرات عليه إلا باستشارة اليونسكو والتنسيق معها.
وما ان عدت إلى مقر عملي في باريس حتى أعلمني " مركز التراث العالمي " بأن عمالا بدأوا بحفر الأساسات لبناء مركز لتدريب الشرطة بالقرب من المسجد الجامع للخليفة المعتصم !! وشاهدت بعيني صورة بالأقمار الصناعية للأسس المحفورة !!
ان كل محب لبلده غيور على مصالحه يحلم بإلحاق العراق بالدول المتقدمة ويريد ان يرفع هامته بإبراز حضارة بلده وتراثه الغني، ولكن – وياللاسف والمرارة – الحلم شيء، والواقع شيء اخر تماما .
دعوني اضرب لكم مثلا عن خيبة الامل التي أعانيها لكي تخرجوا بفكرة واضحة عما أقول :
لايجادل أحد بان مدينة بابل هي أقدم وأعظم مدينة في العالم القديم وكان من المفروض أن توضع على لائحة التراث العالمي منذ بدأت اللجنة هذا النشاط في سبعينات القرن الماضي.. كان هذا هو الطموح العالمي للمدينة العظيمة ، ولكن الواقع المر شيئا اخر..
بدأ العبث بمدينة بابل منذ قرون خلت، حتى قيل بان مدينة الحلة بنيت باجر أسوار بابل .. ولكن العبث الذي قام به الديكتاتور المقبور فاق كل عبث، فبالإضافة إلى تخريب جدران قصر نبوخذنصر وإضافة اسمه الكريه جنبا إلى جنب اسم باني القصر الكبير قبل ثلاثة الاف عام، فانه أمر بحفر خنادق وأقام تلال، وبنى قصرا على أرض الموقع الأثري نفسه، بل وسبق قوات التحالف باستعمال الموقع كمعسكر ومطار لطائراته المروحية.
وقد تظنون ان العبث انتهى بسقوط النظام، ولكن الحقيقة تقول أن محنة جديدة لبابل قد بدأت للتو، فقد حلت وحدات مدرعة لقوات التحالف في المعسكر الذي بناه الدكتاتور وبدأت المروحيات العسكرية تجوب أجواء الموقع الأثري.. ويقول البروفيسور كيرتس خبير آثار بابل في المتحف البريطاني بأن " قوات التحالف تركت أثرا فادحا في موقع بابل".
ولكن ظلم ذوي القربى أفدح من كل ظلم.. فقد قام محافظ بابل السابق بشراء أراض داخل الموقع الأثري بثمن بخس مستغلا نفوذه، ثم قسمها وشق فيها شوارع وبنى عليها بيوت!! بغفلة من الحكومة المركزية في بغداد ومن الهيئة العامة للسياحة والآثار ..
وتتولى اليونسكو الان بالتعاون معنا ، نيابة عن المجتمع الدولي تصحيح مايمكن من الأخطاء الفادحة التي لحقت بالموقع تمهيدا لوضعه على لائحة التراث العالمي ..
مع خالص محبتي واحترامي لكم جميعا.
محيي ألخطيب ، سفير العراق في اليونسكو 23 10 2009