التعصب كما يَراهُ فولتير
شمعون كوسايُعَرّف التعصب بغيرة عمياء ومتصلبة لعقيدة أو رأي ما .
هناك من تنتابه حالات انخطاف أو رُؤى ، او يَعتبر الاحلام حقائق ويضع التخيلاتِ مقام النبؤات ، فهذا ليس غير انسان متحمس أو مسكون بالحماس . ولكن من يسند جنونه هذا بالقتل ، فهو متعصب متزمت .
فالشخص الذي كان يُقال عنه ، في نورمبرغ ، بانه مقتنع أن البابا هو المسيح الدجال ، الذي يُرمََز اليه في كتاب رؤيا يوحنا بصورة حيوان ، هذا لم يكن سوى انسان مسكون بفورة حماس ، اما أخوه الذي كان يقطن روما ، والذي قدِم خصيصا لقتل أخيه المتحمس ، وقام فعلا بقتله وهو مؤمن بقدسية عمله وبان عمله يمجد الله ، فهذا يُعتبر من بين اشنع المتعصبين الذين اوجدتهم الخرافة والجهل والانحراف الديني .
من بين الامثال الفظيعة للتعصب الديني ، نذكر ما قام به بُرجوازيّو باريس سنة 1572 لدى قتلهم ثلاثة آلاف شخصا من مواطنيهم ، بسبب خلافات عقائدية . لقد ارتكبوا مجزرة سان بيرتوليمي الشنيعة ، فذبحوا الناس وقطعوهم اربا اربا ورموهم من الشبابيك .
هناك نوع آخر من المتعصبين ، وهم المتعصبون الذين يقومون باعمالهم بهدوء ودم بارد . انهم الحكام الذين يصدرون حكما بالموت على من لم يقترفوا ذنبا سوى التفكير بصورة مغايرة لهم . هؤلاء المتعصبون مذنبون ويستحقون مقت الجنس البشري ولعنته ، لانهم يتخذون حكمهم هذا بدم بارد ، اي لهم فرصة الاصغاء لصوت عقلهم ، اعني انهم عند اتخاذ قرارهم ليسوا تحت وطأة الغضب أو في حالة هيجان .
عندما يبلغ التعصب درجة المساس بعقل الانسان ، يتحول الى مرض لا يرجى منه الشفاء . لقد رأيت المختلجين (المتشنجون دينيا) ، عند حديثهم عن اعمال قديس معين أوعن اعاجيبه ، يهيجون قليلا فقليلا وتتّقد عيونهم وتعتريهم الرجفة ويرتسم الغضب على وجوههم بحيث يصبحون مستعدين لقتل كلّ من يعارضهم في الكلام .
ليس من علاج لهذا الوباء الا مقابلته بروح فلسفية حكيمة تتسلّلُ بهدوء داخل جيوب النفس لتخفيف حدة تصرفها ووقايتها من سورة الغضب ونوبة الشر . عند الاحساس بتطورهذا الشر ، لا سبيل لمعالجته على الفور ، يجب توخّي الحذر منه والابتعاد عنه ، بانتظار هدوء العاصفة وعودة الجو الى شئ من الصفاء .
.
والديانة في هذه الحالات ، عوضا عن ان تكون غذاءً صحيا ، تنقلب سُمّا لدى أصحاب العقول الملوثة . لان هؤلاء لا تحضرهم من الديانة والكتب المقدسة غير مشاهد القتل والذبح ، مشاهد كان لها ظروفها في حينه ، ولكنها بشعة في زماننا . انهم يستقون اندفاعهم الجنوني من نفس الديانة التي تدين اعمالهم .
حتى القوانين نفسها عاجزة حيال نوبات هيجانهم ، فهي كقرار حُكم يُتلى على مسامع شخص مسعور . هؤلاء الناس مقتنعون بانّ روحا مقدسة تسكن فيهم وهي فوق القوانين وبان اندفاعهم وحماسهم يمثلان القانون الوحيد الذي يجب الاصغاء اليه والانصياع له .
ماذا تقول عن انسان يصرّح علنا بانه لا يطيع البشر ولا يعترف بغير أوامر الله ، ويعتقد جازما بانه عن طريق ذبح جاره يفوز بالحياة الابدية .
فالاشرار والمحتالون هم الذين يقودون عادة هؤلاء الهائجين ويضعون الخنجر بين ايديهم، وهم بفعلهم هذا ، يشبهون (عجوز الجبال) الذي يُروى عنه بانه كان يقوم باذاقة افراح الجنة لبعض الحمقى والمعتوهين ، ويَعِدُهم باستمرارية هذه الملذات التي تذوّقوا طعمها ، شرط ان يذهبوا لقتل اشخاص معينين يرشدهم اليهم .
أغلبُ الاديان قد تعكّرت بهذا التعصب . في علاج هذه الآفات ، يجب الاحتكام الى فلسفة او طريقة تتبنى شريعة الهدوء التام وبرودة الاعصاب ، فالهدوء هو كالثلج او الماء البارد الذي يسكب على النار .
يجب ان نقول ، اذا كانت الديانة قد تشوّهت احيانا بهذا الجنون الجهنمي ، فانه يجب توجيه اللوم الى جنون الانسان وليس للديانة .
وختاما لهذا الحديث نقول نحن : اِنّ المسيحية قد احتاجت الى عدة قرون لتتخلص من متعصبيها وهيجانهم ، فهل يا ترى يحتاج اُصوليّو هذا الزمان ومتطرفوه ، الذين يزرعون الموت والدمار بصورة عشوائية في كل مكان لكي يفرضوا ما يسمّى حكم الله ، هل يحتاج هؤلاء لنفس المدة الطويلة لكي يركنوا ويتوصلوا الى الحقيقة البديهية : بانّ الله خلق الانسان حرّاً كي يعيش ويسعد ، وانّ الله يعرف بان خليقته هذه ضعيفة قد تخطئ احيانا ، ولكنه هو وحده المسؤول عن حياتها ، وانه لا يحتاج الى مهووسين للدفاع عنه عِبرَ قتل خليقته التي صنعها على صورته ومثاله لانه احبّها.