المجلس لشعبي هل هو حزب سياسي أم مؤسسة قومية
مما لاشك فيه أن معظم الأحزاب السياسية الرئيسية التي نشأة في العراق,كان لها أسبابها ومبرراتها, واستوعبت ظروفها ومعاناتها بشكل تام, وأستوعبت كذلك آمالها وطموحاتها, ثم وضعتها في برامج وأساليب نضالية, وكانت تقودها في مسيرة الكفاح نحو تحقيق أهدافها المنشودة, ومن خلال هذه المعاناة وهذا الإدراك تم تأسيس تلك التنظيمات الحزبية مستندة الى الأُسس والمبادئ والنظريات السياسية التي تربط بين الفكر والنضال العملي بعلاقة جدلية لا يمكن الفصل بينهما أبدآ, وعلى سبيل المثال نذكر بعض الأحزاب التي كان لها دور رئيسي في تاريخ الحركة السياسية العراقية ومنها.
الحزب الشيوعي العراقي الذي تأسس في عام 1934 لضرورة وطنية وطبقية,وكان له نظرية سياسية تستند الى الفكر الماركسي اللينيني,وشعاره كان (وطن حَرً وشعب سعيد) وفي بداية تأسيسه كان العراق يرزح تحت نير الإستعمار البريطاني في ظل نظام دكتاتوري إقطاعي سائد في جميع أنحاء البلاد.
حزب البعث, تأسس في سوريا عام 1947 وإمتد الى العراق والأقطار العربية الأُخرى, وكانت سوريا آنذاك تحت الإحتلال الفرنسي الذي أقدم على إقتطاع لواء الأسكندرونة من سوريا وإعطائه الى تركيا في عام 1934 وتعزز نشاط هذا الحزب بعد نكبة فلسطين في عام 1948 ولهذا الحزب نظرية وشعار (أُمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة)(وحدة- حرية- أشتراكية).
الحزب الديمقراطي الكردستاني, تأسس عام 1946 لضرورة وطنية وقومية, ونتيجة القمع الدموي الذي كان يتعرض له الشعب الكوردي في العراق من الحكومات المتعاقبة في بغداد, وحرمانه من أبسط حقوقه القومية المشروعة في كردستان, وكان لهذا الحزب أهداف قومية مشروعة,وشعارات وطنية تقدمية, ومنها ( الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي الحقيقي لكردستان العراق).
كذلك ظهرت أحزاب الإسلام السياسي السنية والشيعية,ومن أهمها كان حزب إخوان المسلمين,الذي تأسس في العشرينات من القرن الماضي في مصر, ردآ على سقوط نظام الخلافة الإسلامية في تركيا, وإنتشر هذا الحزب في معظم الدول العربية والإسلامية ومنها العراق,وكانت أهدافه تطبيق الشريعة الإسلامية, وإستعادة نظام الخلافة الإسلامية الذي كان سائدآ في عهد الدولة العثمانية في تركيا قبل سقوطها في عام 1918 على يدً الأنكليز وحلفائهم.
حزب الدعوة الإسلامي الشيعي, تأسس في الخمسينات من القرن الماضي في مدينة النجف, بمبادرة من رجال الدين الأفاضل, ومن أهم الأسباب التي أدت الى تأسيس هذا التنظيم, هو الإضطهاد الذي كان يعاني منه أبناء الشيعة في العراق, من الحكومات الطائفية المتعاقبة على حكم البلاد في بغداد, وكان هدفه أيضآ هو تطبيق الشريعة الإسلامية في العراق وعلى النمط الشيعي وفق نظام ولاية الفقيه.
وهناك أيضآ أحزاب وحركات سياسية عديدة لامجال هنا لذكرها, إنبثقت بإرادة جماهيرية مخلصة, بعضها لايزال يعمل على الساحة العراقية, والبعض الآخر منها تلاشت وإختفت عن الساحة السياسية, بسبب عوامل عديدة ولاسيما الظروف الصعبة والقاسية التي مرت بها في مجابهة الأجهزة القمعية للحكومات السابقة في العراق, وجميع هذه الأحزاب كان لها كيان سياسي ومعنوي, ولها دستورها الخاص ونظامها الداخلي, ومنهاجها العملي, ولها أيضآ وسائل الإعلام التابعة لها, وكل حسب إمكانياته المادية والثقافية, وكان لها تنظيم سري للغاية على شكل الهرم, يبدأ من القواعد ويتسلسل حتى القيادة, وعلى شكل حلقات وخلايا ومنظمات ولجان وفروع (أو مناطق) ولجنة مركزية, ومكتب سياسي وكونفرانس ومؤتمر الذي هو أعلى سلطة في الحزب, وجميع الأعضاء في هذه التنظيمات ملزمون بتنفيذ القرارات الصادرة لهم من القيادة, وملزمون أيضآ بدفع بدل الإشتراك الشهري كل حسب إمكانياته المادية, كما أن جميع الأعضاء في كل من هذه الأحزاب لهم مواقف موحدة الى حدً ما تجاه جميع القضايا المطروحة على الساحة السياسية في العراق وفي المنطقة,وهناك آلية عمل هذه الأحزاب, حيث ترفع التقارير والمعلومات من القاعدة الى القيادة وحسب سلسلة المراجع,وبالعكس تصدر الأوامر والتعليمات من القيادة الى القواعد وحسب سلسلة المراجع أيضآ.
هذه هي خصائص ومميزات الأحزاب السياسية المهمة العاملة على الساحة السياسية العراقية في الماضي والحاضر,وجميعها كانت وليدة معاناتهم من قهر المستعمر وتسلط أعوانه, وحرمانهم من أبسط مقومات الحياة المعاشية, ومن خلال هذه الأسباب جعلت أبناء الشعب العراقي تتقبل أفكارهم وتُؤمن بها وتعمل في سبيلها.
أما المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري فإن الدوافع والأسباب التي أدت الى الإعلان عنه في بداية عام 2007 كانت حسب إعتقادي تنطلق من الأوضاع السيئة التي كان يعاني منها شعبنا في الداخل, الى جانب الهجمة البربرية التي طالت أبناء شعبنا أيضآ في كل من الموصل وبغداد والبصرة, ولكن إذا أردنا المقارنة بين هذه الأحزاب من جهة, وبين المجلس الشعبي من جهة أخرى,فنلاحظ بأن الفرق بينهما شاسع جدآ, ولا تنطبق هذه الخصائص والمواصفات على المجلس الشعبي, وأن صيغة العمل في هذا المجلس تختلف كثيرآ عن صيغة العمل في هذه التنظيمات الحزبية وتأخذ شكلآ آخر.
إن المجلس الشعبي الذي إنبثق من مؤتمر حضره 1200 شخص في بداية عام 2007 فإن الكثير منهم كانوا قد عملوا سابقآ في تنظيمات سياسية, ولايزال البعض منهم يعملون في الأحزاب والمنظمات السياسية لشعبنا الكلداني السرياني الآشوري ولهم توجهات مختلفة ومتباينة, فمنهم من له روافد ماركسية, ومنهم من يحمل أفكار برجوازية, ومنهم من يعمل في إطار التيار القومي المعتدل لشعبنا, وهناك أيضآ متشددين, ومستقلين وغيرهم,ولايمكن لهؤلاء أن يندمجوا أو ينصهروا في بوتقة الحزب الواحد, ولكن جميعهم يشتركون في هدف واحد وهو تحقيق مشروع الحكم الذاتي لشعبنا الكلداني السرياني الآشوري في سهل نينوى وفي هذه المرحلة بالذات.
إن المجلس الشعبي هو تجمع سياسي أكبر من أي حزب, ومن أية حركة سياسية, وإن نتائج الإنتخابات في أقليم كردستان برهنت على ذلك, ويمكن أن يشكل هذا المجلس مؤسسة قومية تكون بمثابة المرجعية العليا لشعبنا, وتضم في صفوفها الأحزاب والمنظمات السياسية, والثقافية والإجتماعية ورجال الدين الأفاضل, ورجال أعمال والمستقلين وأصحاب الكفاءات وغيرهم, كما يمكن أن يكون لهذا المجلس مركز للأبحاث العلمية, يعني بالشؤون التراثية والمعلوماتية وآفاق المستقبل.
نأمل من هذا المجلس في مؤتمره الثاني, أن يتخذ قرارات ذات أهمية بالغة في صالح شعبنا وأًمتنا, ويتم ترجمتها على الأرض فعلآ ولاسيما في هذه المرحلة بالذات, التي يحاول فيها البعض تغير ديمغرافية المنطقة التي تشكل هدفنا الأستراتيجي, وأن تكون جميع القرارات المتخذة في هذا المؤتمر تصب في تدعيم مشروعنا القومي الذي نصً عليه دستور أقليم كردستان, وفي سبيل تطبيق الحكم الذاتي لشعبنا الكلداني السرياني الآشوري في منطقة سهل نينوى .
داود برنو