مع 15 ألف شخص في حضرة الدالاي لاما
بقلم الاب نويل فرمان الدالاي لاما الرابع عشر (تنزن غياتزو) والزحف الاعلامي على لقب صاحب القداسة
مع كل التقدير لشخصية سلام عالمية، مثل الدالاي لاما، الا اني استغربت لملاحظة تداول وسائل الاعلام بشأنه لقب صاحب القداسة، وذلك خلال زيارته لمدينة كالغاري، قادما من فانكوفر، يوم 1 اوكتوبر 2009، وتوفرت المناسبة لوجودي خلال لقائه الجماهيري ضمن 15 ألف من الحضور في ستاد ساتلدوم للمناسبات الرياضية والجماهيرية الكبرى في المدينة. فمن المعروف أن هذه التسمية مرتبطة أساسا في الكنيسة الكاثوليكية الجامعة بلقب الحبر الاعظم قداسة البابا، كخليفة للقديس بطرس، لكنها باتت تزحف الى غير معناها الاصلي، لتلصق على غير واحد من الزعماء الدينيين وهنا نجدها في ديانة غير توحيدية او ابراهيمية. إن ما ورد في هذا التقديم لا ينتقص من الزعماء الروحيين الذين نجدهم يحملون لقب صاحب القداسة وهنا لا ننتقص من فضيلة الدالاي لاما في خدمة السلام العالمي واللاعنف.
تقهقر الرابطة بين الاديان الابراهيميةمن ناحية أخرى، لربما لاحظ البعض تقهقرا نسبيا للرابطة التقليدية التي درج العرف على نسبتها الى الديانات "السماوية" الثلاث، المسيحية، اليهودية والاسلام. هذا التقهقر يعود الى ما جعل هذه الديانات كتحصيل حاصل وبفعل التراكمات المتنوعة، على مفترقات طرق متباينة بشأن الرابطة المشتركة بينها اجتماعيا وسياسيا روحيا. فنشهد على سبيل المثال لا الحصر، التقوقع المتقولب والمنغلق الذي شهدته الديانة اليهودية وتسويقها للاغراض السياسية على حساب الخصوصية المذهبية، وعلى حساب التعايش السلمي بين الدولة العبرية والقوميات والمذاهب المحلية. من جهة ثانية لا يخفى للعيان، التحدي الارهابي الذي تشكله الجماعات الاصولية في الاسلام، أمام صمت محير ان لم يكن صمت تواطؤ من قبل الزعامات الاخرى في العالم الاسلامي، برغم قيام خط خجول داخل الاسلام المعاصر، كخط ثوري علماني.
لقاء الالف الثالث بين المسيحية والمسيحية لكن المراقبين أخذوا في الوقت عينه، يشيرون بالبنان الى انفتاح متميز لمسيحية ما بعد الفاتيكاني الثاني، وعهد البابا الراحل يوحنا بولس الثاني الكبير. فمع ابقاء الابواب مفتوحة لكل تفاعل ايجابي تجاه الديانات التي يصح ربطها في الاقل بتسمية الديانات الابراهيمة لانحدارها من أبي المؤمنين ابراهيم الخليل. فما تبلور في لقاءات اسيزي لحوار الاديان المنطلقة في ايطاليا في بحر التسعينيات، والتي جمعت تحت سمائها مختلف المذاهب والاديان والطوائف، نجد ان مسيحية الالف الثالث، نهجت انفتاحا ذا مديات واسعة وغير مسبوقة، لتنفتح بشكل خاص الى ما يجمع البشر من مشارب ومذاهب متنوعة في العالم، تشترك على ارضية تجعلنا نجد فيها صفة إحدى التطويبات (ذوي الارادة الصالحة) مما تم تشخيصه في اللقاءات التي جمعت (الدالاي لاما) مع البابا الراحل يوحنا بولس الثاني لثماني مرات. وكان يوم13 اوكتوبر من العام الماضي آخر لقاء جمع (الدالاي لاما) والاب الاقدس البابا بندكتوس. كما نجد ان هذا الزعيم التيبيي الروحي، برز نجمه كشخصية ايجابية استقطبت التعاطف على مستوى عالمي كبير، ولئن يمكن ان يشم من هذا الاستقطاب، حالة من حالات صنع النجم الثوري المعارض ضد نظام سياسي، في علاقة (الدالاي لاما) كمنفي من قبل الصين.
ولكن بصرف النظر عن كل هذا، لا ينكر ان الرجل لا يحمل تقوقعا مذهبيا وتعرف جماعته بعدم الانغلاق على الذات، وهو ايضا لا يثير التحفظ من النزعات المذهبية التوسعية القائمة على القهر، كما ان خطه المسالم ودعمه لحقوق الانسان أبعد جماعته واتباعه عن اي توجه يجعل من الارهاب طريقا للمحافظة على الكيان الذاتي او التوسع القسري على حساب المذاهب الاخرى. بل يعرف المذهب البوذي باحترام اختيار الاخرين، وتقدير ما لديهم من قيم سامية وانسانية.
وهكذا لا بد انه بسبب هذا الانفتاح، اضافة الى الحضور الواسع الذي تشكله الجماعات البوذية في اوربا وشمالي امريكا، نشاهد الاستقبال الطيب الذي يمنحه العالم الغربي لشخصية الدالاي لاما، اضافة الى انتشار فكره الذي يخاطب الذات البشرية في اعماقها مما راج في العديد من مؤلفاته الكثيرة والتي نختار منها هذه العناوين: قدرة الروح: أحاديث مع علماء، كل الكون في ذرة، التحول في روحنا، فن السعادة، دروس في الحكمة، رؤية الذات كما هي، 108 درة من الحكمة، الطريق الى السلام، الدالاي لاما يتكلم عن يسوع.
زيارة (الدالاي لاما) الى غربي كنداوهكذا كانت مدينة كالغاري في الاول من اوكتوبر، على موعد مع هذه الشخصية الحائزة على جازة نوبل للسلام، الدالاي لاما الذي يمكننا ان نصنفه مسيحيا وإيمانيا من ذوي الارادة الصالحة. فقد تم الترحيب به على اعلى المستويات، وحظي باستقبال جماهيري كبير: أسراب بمد البصر من السيارات، طوابير لا تحدها العين من جموع المقبلين إلى الستاد الدولي. محلقين بيضويا على نواحي منصة مسرح تتوسط القاعة الكبرى، والفضاء مجهز بشاشة عملاقة مع شاشتين جانبيتين.
وتوالت تعليقات المعجبين بهذه الشخصية المسالمة. ومن خلال تلون الحضور، كان يمكن للمرء ان يشاهد هذا الكم الهائل من الازياء والانتماءات الدينية والاثنية الظاهرة ممن شكلوا قاعدة واسعة من المعجبين والمريدين.
بدأ الاحتفال بعزف فرقة الاوركسترا، تلتها لوحة فولكلورية استعراضية، وومضات عن مشاعر الناس بشأن الضيف التيبيتي المنفي الذي اطلق عليه فيما اطلق، ببطل حقوق الانسان مرسل المحبة والرأفة (compassion).
وعندما شارف وقت اطلالته، رفعت بلحظات الخمسون كرسيا، لتحل محلها منصة هذا الراهب البوذي الكبير، فيما افترشت المساحة المتبقية من المسرح الوسطي عشرات من الشباب والصبية.
لقاء تحت شعار: رسالة الرأفة والعدلالرأفة كانت الفضيلة التي تمحور حواليها حديث (الدالاي لاما) واجاباته عن الاسئلة المطروحة، فلفت الانظار بعبارته: نحن ما نفكر، السعادة لن تنقص اذا تقاسمناها، تزداد فرص تقدم السلام امام الاصرار على اللاعنف متأسسا على احترام الاخرين وعمق الثقة بالذات.
واضاف صاحب الارادة الصالحة: إن السلام هو فعل رأفة، فلنا ان نبحث عن السلام من خلال الرأفة، منطلقين الى ذلك من السلام الداخلي. كما حذر من مغبة المراءاة بالقول: النية السيئة تحت مظاهر مزوقة هو نوع من العنف. واشار الى ان السكينة الداخلية تتربى في الانسان منذ الطفولة عندما يتم تثبيتها في أعماق الطفل بمحبة وحزم بآن واحد.
العراق وافغانستان في حديث الدالاي لامافي بلد مثل كندا مجاور للولايات المتحدة الامريكية، كان يبدو على (الدالاي لاما) حالة من الترفع والثقة بالذات، بحيث كان يتكلم عن الرئيس الامريكي السابق، وكأنه يتحدث عن تلميذ مدرسة، خاضع للتقويم، قال: إن بوش كإنسان هو شخص لطيف (نايس)، ولكننا لا يمكن ان نتفق مع طريقته، في التعامل مع العراق وافغانستان تحت ذريعة جلب الديمقراطية. واضاف في هذا الصدد: لا يمكن احلال السلام بطريقة سيئة، لا يصلح احلال السلام بتدمير الاخر، ان تدمير الاخر هو نوع من تدمير الذات. فاستخدام القوة الغاشمة والتعامل عن طريق العنف، هو استهداف لجزء مهم في ذاتنا. في حين ان البعد عن اتخاذ القرار بتأثير الغضب او الغيرة والحسد، من شأنه ان يخلق المناخ الايجابي للوئام. كما ان الشفاء الذاتي ينطلق من عمق التفكير الايجابي ويخلق في الانسان راحة البال بعيد عن الهواجس العدوانية. ومن ثم لا يمكننا ان نطور السلام اذا كان فكرنا تحت التأثير العدواني، ذلك ان القيم الكامنة عند الانسان من المفترض ان تعكس كل ما هو ايجابي، وعندئذ يكون العقل وسيلة للبناء.
المناداة بالقيم العلمانية ليست ضد الدين ولا علاقة لها بالالحاد وتعملق الدالاي لاما، وكأنه يتحدث الى الاحزاب السياسية المذهبية الطائفية التي خطط لها ان تسعى الى الحكم في الدول الدينية، لادامة الاحتراب المذهبي والطائفي وتموين الحروب الاهلية واضعاف الدور عن طريق تقسيمها، قال: يجب ان نحذر بألا نتحرك سياسيا التحرك الذي يعكس الطابع الديني البحت، بينما ينبغي نهج الاخلاقية العلمانية مما يعد بحد ذاته توجها سلميا سليما لا بد ان تقره الاديان. ووضح كلامه بالقول:
ان هذا ليس ضد الديانة، كما يتوهم الكثيرون بان العلمانية هي حالة ضد الدين، فإن الاخلاقية العلمانية ما دامت تقدس اللاعنف، فإنها لا يمكنها ان تكون بالتالي ضد الدين بل تغدو العلمانية بحد ذاتها خطا يعزز التوجه السلمي لكل من العقائد الدينية بين اتباعها، وتكون العلمانية المذهب الايجابي المشترك الذي يمكن ان يجمع مختلف العقائد الدينية من التعامل السلمي والايجابي مع بعضها.
نحو تكنيك للسلام الداخلي إن السلام الداخلي يولد الرأفة، ومعه تأتي حالة رعاية الاخر، وحب الخير له، مما يأخذ مسارا داخليا اقوى فأقوى، ويتجه المسار عندئذ بالضد من الغضب والعدوانية. ويتأسس هذا النهج عند الدالاي لاما، بكوننا متساوين جميعا من حيث حيازتنا على العقل والجسم والعاطفة، وأننا بشر من الدرجة المشتركة الواحدة وليس من درجات مختلفة، بصرف النظر عن اي اختلاف في الجنس او اللون او الدين، فليس ثمة درجة عالية ولا درجة واطئة في المقارنة بين القيم الانسانية، ولا يتفاوت الفرق بتفاوت الثقافة أو الغني، نحن كلنا بشر، مما يدعونا الى ان نبذل الجهد المشترك من اجل عالم افضل.
وخلص صاحب الارادة الصالحة الى القول: إن عمق المبدأ الانساني في داخل كل منا، يعطي المزيد من الثقة والامان، في الذات ونحو الاخر، ولكن ذلك يتطلب عدم التخاذل وفقدان الحماس، إذا كانت مصلحة البشرية أمام أنظارنا، وعندئذ سنقبل التحدي ونثبت فيه بتفاؤل وأمل.
هذا الحكيم الذي يبلغ الخامسة والسبعين، يصف نفسه بمجرد راهب، ولا يمتلك كما يدعي البعض، على حد قوله اي قدرات فائقة، أكثر مما يوفره التأمل لساعات طوال من سكينة وقوة تحفز الانسان من الداخل.
وهذه في الختام باقة أخرى من كلماته:- كل ما نريده نحن جميعا هو ان نكون سعداء، انا اريد حياة سعيدة، انت تريد حياة سعيدة، نستطيع اذن ان نتحاور ونمشي سوية، ونعمل جهدا مشتركا في سبيل عالم افضل.
- القيم الاخلاقية في عالم اليوم، لها ان تستند على العلاقات الودية الطيبة المتأسسة على الاحترام المتبادل.
- كل فرد، كل بلد، مترابط مع غيره، هذا هو الواقع المعاصر، العرف القائل بـ (نحن) و (هم) فقد صلاحيته.
- لكيما يسير عالمنا جيدا، علينا ان ننظر الى العالم بأسره ككيان واحد. ان تدمير الاخر هو تدمير لذاتك ايضا، ان مفهوم الحرب عاف عليه الزمن.
- نحن مجرد زوار على هذا الكوكب. لعلنا هنا لمدة 90 أو لنقل لمدة 100 سنة. خلال هذه المدة، علينا ان نعمل من حياتنا شيئا جميلا وشيئا مفيدا، واننا بإسهامنا بنحو ما في اسعاد الاخرين، نتذوق المعنى الحقيقي لحياتنا.