لغة سليمة دون تبسيط ومبسطة دون اسفاف.. طريقنا لصحافة سريانية ناجحة
اللغة السريانية بكل لهجاتها وتفرعاتها تعد مكوناً ارتكازياً من مكونات الثقافة السريانية، وعنوان هوية المجتمع السرياني وقناة ايصال وتواصل بين الاجيال تنقل آثار الاجداد الى الابناء وتحفظ أمجاد الأبناء للاحفاد، تعد ضرورة لبناء مهارات التواصل الانساني، وهي محورية وأساسية في منظومة الثقافة لارتباطها بجملة مكونات من فكر وإبداع وتربية وتراث.
ومع ما تمتاز به هذه الحقبة من تفجر عام في تكنولوجيا الإعلام والاتصال، واصبح العالم بموجبها قرية صغيرة يسعى فيها الأقوياء تكنولوجيا وإعلاميا الى فرض لغتهم يجدر بنا التساؤل عن واقع استخدام اللغة السريانية في وسائلنا الاعلامية.
تحظى اللغة في اي مجتمع بأهمية بالغة بالنظر الى الدور الذي تمارسه في التواصل الاجتماعي، فهي عالم رحب ووطن فسيح يمارس من خلاله الإنسان حرية التعبير والتفكير، فاللغة رداء الفكر ولباسه، وكل تطور يحصل في المجتمع يتردد صداه من خلال مؤسسة اللغة باعتبارها الناطق الرسمي بأسم الأمة والمعبر عن حياتها. ولذلك تُعد اللغات أصدق سجل لتاريخ الشعوب لانها أداة الحاضر وصورة التاريخ، ومنها تقتبس الألوان الحضارية والاجتماعية الدالة على مجاري الأمور ومصائر الأقوام.
وإن حياة اللغة وحيويتها رهن استعمالنا لها وقدرتنا على توسيع مجالها وحملها على الاستجابة لحاجاتنا، ولا يتوفر هذا إلا بقدر ممارستنا لها وتحميلها لتجارب بشرية جديدة. وابقاؤها لغة تواصل بين كل متحدثيها، رهين جمعنا لشتات معطياتها وتجسيمها في وسائل عمل متجددة، وسعينا المتواصل على متابعة تطورها وتعهده. ولعل خير توصيف لأهمية اللغة ما قاله في حقها شاعر صقلية (اجنازيو بوتيتا): إن الشعوب يمكن ان تكبل بالسلاسل، وتسد افواهها، وتشرد من بيوتها، ويظلون مع ذلك اغنياء، فالشعب يفتقر ويستعبد ما أن يُسلب اللسان الذي تركه له الأجداد، عندئذ يضيع الى الأبد. فأي أمة لا تستطيع البقاء، دون لسان، يعبر عن ذاتها.
وبالحقيقة اللسان الذي نعبر به ونعتز به اليوم(لغتنا السريانية) ليس بالصورة اللائقة في وسائل الإعلام الخاصة بنا من فضائيات الى مواقع انترنيت الى إذاعات وتلفزيونات وصحف ومجلات وغيرها من الوسائل التي تتعرض اللغة فيها يومياً لموجات من التشويه والتحريف وتخترق حرمتها.
إن اقصى ما يطلب من رجل الاعلام سواء كان محررا في صحيفة او مذيعا او مراسلا... الخ هو احترام قواعد اللغة والمعايير المنظمة لها، ما يضفي على أسلوبه مسحة من الأناقة والجمالية، وينأى به عن الإسفاف والرداءة والقصور، وعليه يجدر بمن يتصدى لمهنة الإعلام أن يُحسن التقدير في ابلاغ رسالته الى الجمهور بحيث يوصل محتواها الى المتلقي دون التجني على اللغة تطرفاً او قصوراً.
وللوصول الى هذا المبتغى لابد من:
• أستغلال الاعلام بما يخدم اللغة ويساهم في الارتقاء بها.
• إنتاج المصطلحات السريانية وترويجها اعلامياً والمتابعة المستمرة لأنشطة المجامع اللغوية وتوظيف جديدها إعلامياً حتى تجد هذه المفاهيم طريقها للأنتشار بين الجماهير وتكون اللغة السريانية اكثر مواكبة للتطور المعرفي والتقني للحضارة المعاصرة.
• نقل الوعي باللغة من مستوى النخبة الى مستوى الجماهير.
• تنمية القدرات اللغوية لدى المذيعين والصحفيين والمحررين من شوائب الخطأ اللغوي ومما لا شك فيه ان التزام القائمين على الاعلام بقواعد اللغة من شأنه ان يضبط التطور اللغوي ويضعه في مجراه الصحيح فيصبح مثل النهر تدفقا ونماء.
• استثمار الثورة الإعلامية في تعزيز الوحدة اللغوية والعمل على إعادة الانسجام للنسيج اللغوي، وتجنب الدعوات الرامية الى توسيع هوة الخلاف من خلال تمزيق النسيج اللغوي الى مجموعة من اللهجات المتنافرة التي تبث الفرقة اكثر مما تجمع الشمل بكل المتحدثين بهذه اللغة.
نشوان جورج
nashwan.george@yahoo.com