عودة الصداميين الآمنة الى "بيت أبي سفيان"
جاسم الحلفييحذر عدد من المسؤولين الحكوميين في تصريحاتهم هذه الأيام من عودة البعثيين. ومرة أخرى لا يجري التمييز بين من أجبرتهم الدكتاتورية وأساليبها، للانضمام الى تنظيمات حزب البعث المنحل، بالترغيب او الترهيب، من جهة، وبين من تلطخت أيديهم بدماء الشعب العراقي من جهة أخرى. فالأجدى بالتحذير أن يخص الصداميين حصرا، المشمولين منهم بقانون اجتثاث البعث سابقا، وقانون المساءلة والعدالة حاليا، هؤلاء الذين لازالوا يخططون ويواصلون تنفيذ أعمالهم الإجرامية الدنيئة التي تطال الأبرياء من ابناء الشعب العراقي. وفي هذا السياق لابد من الإشارة الى توجهات المسؤولين في الدولة وتزكياتهم وفتح أبواب أحزابهم مشرعة لدخول الصداميين، عملا بمقولة: (من دخل بيت ابي سفيان فهو آمن)، ما سهل توغلهم في مؤسسات الدولة والنفوذ في مؤسساتها بما فيها الأمنية. وتسلل بعضهم الى قيادات النقابات والاتحادات، وتم ذلك على حساب القوى والشخصيات الديمقراطية اليسارية التي كافحت وناضلت ضد الاستبداد والقهر والظلم بكافة أشكاله.
يبدو ان قلق المسؤولين ليس من تمترس بعض الصداميين في المؤسسات الحكومية والمدنية، وما يعتمدوه من نهج سياسي ويرتكبونه من قبيح الأعمال ويبثونه من سموم فكرية، وما لهذه المواقع التي يحتلونها من تأثير على حياة الناس ومعيشتهم وعلى ترسيخ الديمقراطية كممارسة في مجتمع متوجه لتبنيها. ليس هذا هو مكمن قلق المسؤولين رغم خطورته، انما من بعض القوائم الانتخابية التي تشكلت أخيرا، وطبيعتها المعروفة، التي قد تحصل على مواقع معينة في السلطة التشريعية وتسعى للوصول الى السلطة التنفيذية. ومع ان هذا القلق مشروع، لكن مسؤولية تبديده تقع على عاتق القوى المتنفذة بشكل أساسي، فيما تتحمل باقي القوى السياسية، هي الأخرى، المسؤولية ايضا. وهنا تكمن اهمية الدعوة الى خيار المشروع الوطني، وتبني برنامجه الذي يستجيب للتحديات، ويقف ضد الأخطار، تنطلق من هذا الأساس، لكن المؤسف ان هذا المشروع الواعد، رغم ادعاء الكثيرين بأهميته تم اختزاله في قوائم لا تنسجم مع الادعاءات بأهميته.
مصداقية الدعوة للتحذير من عودة الصداميين تتطلب اتخاذ خطوات ملموسة لإنصاف الضحايا سواء في حسم قضايا المفصولين السياسيين وعدم استثناء مـَنْ لحق بهم الأذى بعد انقلاب 1963 الاسود، وتعويض عوائل الشهداء دون مفاضلة، وتأمين معيشة الأرامل وحقهن في حياة كريمة، وتقديم الخدمات للمناطق التي عانت من الإهمال لعقود طويلة، وحماية الصحفيين ودعمهم، وإصدار قانون العمل والضمان الاجتماعي، ودعم منظمات المجتمع المدني، وعدم التدخل في شؤون النقابات، والكف عن فرض الطارئين عليها بقوة السلطة والنفوذ، وإطلاق أموالها المجمدة. كذلك فسح المجال للكفاءات الوطنية الديمقراطية، لتبوؤ المسؤوليات في مؤسسات الدولة، وعدم غلق الأبواب أمام من ناهضوا الدكتاتورية والحرب والإرهاب.
ان هذا يشكل جزءاً قليلا من مقدمات التصدي لعودة الصداميين، وبدونه لا ترقى التصريحات المحذرة من خطر عودة الصداميين، الى مستوى الاخطار التي تواجهها البلاد بل تصريحات للاستهلاك الانتخابي ليس الا.